العدد السادس والثلاثون - تشرين الاول

حرب القوقاز والدّور الرّوسيّ الجديد

صحوة قومية ام حرب عالمية جديدة ؟
الاحد 26 تشرين الأول (أكتوبر) 2008.
 

تحوّل الحدث القوقازيّ إلى محطّة مفصليّة في تاريخ الصّراع العالميّ . من جهة يؤشّر على نهاية "القطبيّة الواحدة " حيث فشلت الولايات المتّحدة في التّفرّد بإدارة العالم ومن جهة أخرى يبشّر بداية صحوة قوميّة عبّرت عنها دول كبرى تسعى إلى حماية مصالحها في مداها الحيويّ وهي تطمح الى اقتسام النّفوذ الكوني إلى عوالم إقليميّة تتمحور حول أمّة كبرى تسعى إلى إثبات نفوذها وسيطرتها ومنازعة الدّول العظمى الوحيدة على الموارد الطّبيعيّة والمواقع الاستراتيجيّة والحقوق القوميّة .وهكذا تحوّل المشهد العالميّ الجديد إلى صراع بين دول عظمى ( الولايات المتّحدة) ودول كبرى ( روسيا ،الصّين ،اوروبا / اليابان /البرازيل ) على مساحات أرضية هي مجال حيويّ لأمّة ناهضة ممّا يضع العالم بين خيارين إمّا تعاون وتساند وتكامل بين دول عظمى أو إقليميّة وإمّا فوضى عالميّة جديدة تهدّد بنشوب حرب عالميّة خامسة تعيد تشكيل العالم . تحوّلات تفتح العالم الجديد بعد القوقاز في هذا العدد والأعداد القادمة وكتّاب تحوّلات والأصدقاء مدعوّون إلى المشاركة في الحوار لبلورة مفهوم مسار المستقبل الآتي .

 

  لم تُشكّل الأحداث الأخيرة التي شهدتها منطقة القوقاز تغييراً في موازين القوى، بل كانت الحرب الخاطفة التي نشبت بين روسيا الاتّحاديّة

وجمهوريّة جورجيا مؤشّراً على أنّ هذا التّغيير في موازين القوى قد حصل بالفعل.

انشغلت الولايات المتّحدة مؤخّراً بحروبها في العراق وأفغانستان، إضافة إلى نزاعها مع إيران حول الملفّ النّووي الإيراني، وتداعيات الوضع في باكستان، كلّ هذه الانشغالات الأميركيّة لم تُتِح للأميركيّين فرصة القيام بدور عسكريّ مباشر خلا الدّعم العسكريّ الذي تقدّمه الولايات المتّحدة الاميركيّة لجورجيا ومحاولات التّأثير السّياسيّ على مسار الأمور في هذه المنطقة الاستراتيجيّة من العالم، ولقد شكّل ردّ الفعل الأميركيّ على أحداث القوقاز دليلاً إضافيّاً على تراجع الاندفاعة الاميركيّة نحو مزيد من الهيمنة والغطرسة، ودليلاً على الفقدان الأميركيّ التّدريجيّ للمبادرة، فقد جاء ردّ الفعل الأميركيّ باهتاً، ضعيفاً ودون مستوى الحدث وتداعياته الكبرى.

هذا التّراجع الأميركيّ المرتبط بمجموعة من الظّروف والمعطيات الموضوعيّة أعطى روسيا الفرصة التّاريخيّة للانقضاض في معرض الرّدّ والدّفاع عن المصالح الرّوسيّة في منطقة جغرافيّة تشكّل امتداداً للمدى "الحيويّ" الرّوسي بمقاييس التّقارب الجغرافي والمصالح الاقتصاديّة، وقد أدّى هذا الأمر إلى إعادة تفعيل الدّور الرّوسيّ الجديد في هذه المنطقة "الحديقة الخلفيّة" لروسيا الاتّحادية، ما أعطى إشارات واضحة إلى إعادة تموضع روسيّة جديدة على خارطة العالم السّياسيّ والاقتصادي انطلاقاً من الدّور والرّؤية الرّوسيّة الاستراتيجيّة الجديدة والتي تقوم وبشكل أساسيّ على رفض الهيمنة الأحاديّة الأميركيّة، والسّعي إلى إقامة عالم أكثر توازناً في العلاقات بين أممه وشعوبه.

اذاً فميزان القوى تغيّر قبل الحرب القوقازيّة الأخيرة، بيد أنّ الإعلان الرّسميّ عن حصول هذا التّغييركان في الثّامن من آب.

 

ماذا حصل بالضبط في منطقة القوقاز، وما هي الأسباب الحقيقيّة الكامنة وراء العمليّة العسكريّة الرّوسيّة في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبيّة وجورجيا؟

 

مساء اليوم السّابع من أب عبرت القوّات الجورجيّة الحدود وتوغّلت في داخل أوسيتيا الجنوبيّة بعد مناوشات واشتباكات محدودة استمرّت لأيّام قبل العمليّة، وتوغّلت هذه القوّات في العمق الأوسيتي الجنوبيّ على مقربة من العاصمة تسخينفالي، ولكن وبالرّغم من القصف المدمّر والعنيف، وبالرّغم من المعارك الضّارية التي نشبت لم يستطع الجورجيّون السّيطرة على العاصمة لأوسيتيا الجنوبيّة، وكذلك لم يتمكّن الجورجيّون من إحكام سيطرتهم على مناطق أخرى من أوسيتيا.

صباح الثّامن من آب دخلت وحدات عسكريّة روسيّة مؤلّلة أراضي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبيّة وذلك بمؤازرة القوّات الجويّة الرّوسيّة وبدأت هذه القوّات خوض القتال ضدّ القوّات الجورجيّة الغازية.

السّرعة التي تميّز بها الرّدّ الرّوسيّ جاء صاعقاً لجورجيا ومن ورائها للولايات المتّحدة الأميركيّة التي لم تكن تتوقّع ردّاً بهذا المستوى من الفاعليّة والسّرعة والقوّة، فخلال 48 ساعة أي في العاشر من آب كانت القوّات الرّوسيّة قد أحكمت سيطرتها العسكريّة المطلقة على كامل أوسيتيا وأبخازيا وطردت القوّات الجورجيّة منها.

يوم الإثنين في الحادي عشر من أيلول دخلت القوّات الرّوسيّة الأراضي الجورجيّة نفسها، وبدأت التّقدّم على خطّين: الخطّ الأوّل من أوسيتيا الجنوبيّة باتّجاه الجنوب في اتّجاه المناطق الجبليّة، والخطّ الثّاني من أبخازيا باتّجاه الأراضي الجورجيّة. الهدف العسكريّ من الهجوم كان قطع التّواصل بين العاصمة الجورجيّة تبيليسي وبين الموانئ البحريّة وبالتّالي قطع الإمدادات البحريّة عن جورجيا. في هذه الأثناء تمكّنت القوّات الجويّة الرّوسيّة من ضرب وتدمير القواعد العسكريّة الجورجيّة الرّئيسيّة في مناطق مارنولي وفيزياني وأعطبت كلّ أجهزة الرّادار في مطار تبيليسي الدّوليّ. وبنتيجة الهجوم العسكريّ الرّوسيّ تمكّنت القوّات الرّوسيّة من التوغّل في داخل الأراضي الجورجيّة لتصبح على بعد 60 كلم من العاصمة الجورجيّة تبيليسي، ما أدّى إلى شلّ كلّ القوّة العسكريّة الجورجيّة وإعطابها.

 

لغز الدّوافع التي أدّت الى المغامرة العسكريّة الجورجيّة .

ما هو الهدف الذي دفع جورجيا للانطلاق في هذه المغامرة في أوسيتيا الجنوبيّة؟

 

لقد شهدت الفترة التي سبقت الاجتياح الجورجيّ لأراضي اوسيتيا مناوشات واشتباكات اعتياديّة على الحدود، وشهدت المناطق الحدوديّة عمليّات قصف متبادل بين الطّرفين في اليومين اللذين سبقا العمليّة العسكريّة الجورجيّة. ولكن، هذه المناوشات المحدودة لا يمكن أن تكون سبباً لاتّخاذ قرار كبير بهجوم غير مسبوق على أوسيتيا. فالتّهيئة لعمليّة عسكريّة كهذه لا يمكن أن تكون بنت ساعتها، وإنّما كان هنالك تحضير وتهيئة استمرّت لفترة زمنيّة معقولة.

 

ما هو دور الولايات المتّحدة الاميركيّة، وما هي طبيعة العلاقة مع جورجيا؟

 

 تعتبر الولايات المتّحدة الأميركية الحليف القويّ لجورجيا ولرئيسها الحالي ساكاشفيلي، ففي جورجيا يعمل 130 خبير عسكري أميركي، ويعمل المئات والآلاف من المستشارين المدنيّين ورجال الأعمال الاميركيّين. إنّ تصوّر أنّ الولايات المتّحدة الأميركيّة لم تكن في صورة الحدث القوقازيّ، أو أنّها لم تكن على علم بنيّة جورجيا القيام بعمل عسكريّ ما بل كان الأمر مستبعداً بالكامل، خاصّةً وأنّ كلّ القدرة الاستخباراتيّة الأميركيّة مركّزة بشكل أساسيّ في تلك المنطقة، إضافة إلى أنّ طابع العلاقة بين جورجيا وأميركا من النّوع التّحالفيّ الاستراتيجيّ، لذا لا بدّ من الدّخول في تحليلات ربما توصلنا إلى الحقيقة المنشودة.

من الصّعب الاعتقاد إذاً أنّ جورجيا بدأت عمليّتها العسكريّة بدون إذن أو سماح من الولايات المتّحدة، وهذا يؤدّي إلى احتمالين:

الاحتمال الأوّل: إمّا أنّ هناك قصور استخباراتيّ أميركيّ جدّيّ بخصوص الاستعدادات والتّعزيزات العسكريّة الرّوسيّة في المنطقة قبل العمليّة العسكريّة. أمّا الاحتمال الثّاني : عدم القدرة على المعرفة أو التكهّن بما سيكون عليه الموقف الرّوسيّ ومستوى ردّ الفعل.

والاحتمال الثّاني وهو الأرجح وفيه نرى أنفسنا أمام بالون اختبار للقدرة وللنّوايا الرّوسيّة القريبة والمتوسّطة والبعيدة الأمد. فالولايات المتّحدة الأميركيّة والغرب عموماً ينظرون إلى روسيا الاتّحاديّة من خلال وضعها في التّسعينيات حيث كانت تعاني مشاكل داخليّة كبرى سياسياًّ واقتصاديّاً وعلى كل المستويات، فالقوى العسكريّة الرّوسيّة كانت شبه متلاشية نتيجة انهيار الاتّحاد السّوفياتيّ وانسلاخ عدد كبير من الجمهوريّات عن هذا الاتّحاد ما ترك انعكاساً مباشراً على الجيش والقوى المسلّحة وجهوزيّتها وقدرتها الدّفاعية، وكذلك الحكم السّياسيّ كان آنذاك طريّ العود منشغلاً بالدّاخل على حساب الدّور والمصالح الرّوسيّة في الخارج، ولم تقم روسيا آنذاك بأيّ عمليّة عسكريّة خارج نطاق روسيا الاتّحاديّة منذ انسحابها من أفغانستان، فسرى اعتقاد لدى الأميركيّين أنّ روسيا الآن لن تقوم بأيّ ردّ يذكر، أي أنّ حساب الحقل الأميركيّ لم يطابق حساب البيدر الرّوسيّ. فكان الرّدّ الرّوسيّ صاعقاً ومدويّاً وذا مغزى.

هذا هو بالذّات المغزى من كلّ ماجرى:

أولاً: روسيا تغيّرت.

ثانياً: ميزان القوى في المنطقة تغيّر.

ثالثاً: قررّت روسيا الإعلان رسميّاً عن هذين المتغيّرين.

لذلك كان القرار الرّوسيّ بالتّدخّل العسكريّ المباشر والسّريع دون الأخذ بعين الاعتبار ردّ الفعل الأميركيّ أو الأوروبيّ وهذا يعود الى العوامل التّالية:

1-  التّفوّق العسكريّ الرّوسيّ واضح وهو العامل الحاسم في قرار الردّ العسكريّ على العمليّة العسكريّة الجورجيّة.

2-  الاقتصاد الرّوسيّ خطا خطوات إلى الأمام ، وروسيا هي مصدر أساسي للنّفط إلى أوروبا وبالتّالي فروسيا هي حاجة أوروبيّة اقتصاديّة بالمعنى المباشر، وأيّ زعزعة للعلاقة الرّوسيّة
-  الأوروبيّة سيؤثّر - بشكل مباشر - على إمدادات النّفط الرّوسيّ إليها، وروسيا تدرك أنّ الأوروبيّين سيفكّرون ألف مرة قبل التّصرّف بطريقة تغضب الرّوس.

3-  من النّاحية السّياسيّة ، روسيا اليوم أقوى وكلّ المؤشّرات تؤكّد ذلك، ما أدّى إلى الإعلان عن عودة روسيا وبقوّة إلى الخارطة السّياسيّة العالميّة باعتبارها قوّة وازنة لها مصالحها ودورها وحضورها القويّ فيها.

لفهم أفضل للموقف الرّوسيّ من الضّروريّ النّظر في مسألتين: المسألة الأولى: الثّورة البرتقاليّة في أوكرانيا، والمسألة الثّانية تتمثّل في اعتراف الولايات المتّحدة الأميركيّة وأوروبا باستقلال كوسوفو والرّسالة الموجّهة في المسألتين إلى روسيا مباشرةً أو مداورةً.

في المسألة الأولى، تروّج وجهة النّظر الاميركية أنّ الثّورة البرتقاليّة في أوكرانيا هي خطوة باتّجاه الدّيمقراطيّة والانفتاح الاوكرانيّ على الغرب وما يسمّى "العالم الحر" - حسب القاموس الأميركيّ طبعاً - ولكن من وجهة نظر روسيّة فالمسألة تمثّل عملاً استخباريّاً أميركيّاً متقناً وهي تدخّل سافر وواضح في الشّؤون الدّاخليّة الأوكرانيّة، يهدف على المدى البعيد إلى إدخال أوكرانيّ في حلف النّاتو ومتابعة حصار روسيا وعزلها والحدّ من دورها في المنطقة والعالم ، وهذا ما تعتبره روسيا خرقاً للعهود والوعود التي كان قد قطعها في التّسعينيّات كلّ من جورج بوش الأب وبيل كلينتون حول عدم ضمّ أيّ من دول المنظومة الاشتراكيّة سابقاً إلى حلف النّاتو، وكانت هذه الوعود قد خرقت في العام 1998 عندما تمّ قبول بولونيا

و تشيكيا وهنغاريا في حلف النّاتو ، ما أدّى الى انزعاج روسيّ وحذر وخوف كبير من استكمال حلقات إحكام الحصار حول روسيا، خاصةً بعد أن توسّع حلف النّاتو ليشمل جمهوريّات كانت في عداد الاتّحاد السوفياتيّ السّابق مثل جمهوريّات البلطيق ( لاتفيا، أستونيا، مولدافيا). 

 و تعتبر روسيا أنّ المحادثات حول انخراط أوكرانيا في حلف النّاتو يعتبر تجاوزاً لكلّ الخطوط الحمر ويمثّل تهديداً مباشراً للأمن القومي الرّوسيّ وللمصالح الرّوسيّة المباشرة. وعندما رأت روسيا أنّ الولايات المتّحدة تسعى لانخراط جورجيا أيضاً في حلف النّاتو أدركت أنّ الحصار والتّطويق مستمر، فكان ردّ الفعل الرّوسيّ على مستوى الحدث.

في المسألة الثّانية الخاصّة بكوسوفو لم تراعِ الولايات المتّحدة الأميركيّة ولا أوروبا المصالح الرّوسيّة، وتمّ خرق مبدأ عدم تغيير الحدود بعد انتهاء الحرب العالميّة الثّانية وتمّ الاعتراف باستقلال كوسوفو بعد فصلها عن صربيا، وكلّ هذا عزّز لدى الرّوس الاقتناع أنّ الهدف الأميركيّ والغربي هو مزيد من العزل والحصار لروسيا وهذا ما لا يمكن أن تقبل به، فجاء الرّدّ من البوابة القوقازيّة، وتم إفهام أميركا أنّ صبر روسيا قد نفذ، وأنّها ستدافع عن مصالحها ودورها وحضورها في المنطقة والعالم.

هنالك هدفان لموسكو من العمليّة العسكريّة في اوسيتيا الجنوبيّة. الهدف الأوّل هو الثّأر لكوسوفو، فإذا كان الغرب قد اعترف باستقلال كوسوفو، فإن أوسيتيا وأبخازيا وفق هذا المعيار تملكان الحقّ في الاستقلال أيضاً. وأيّ اعتراض من قِبَل الولايات المتّحدة الأميركيّة أو الاتّحاد الأوروبيّ على هذا الاستقلال يفضح الخداع وازدواجيّة المعايير المعتمدة من قبلهما في مقاربة المشكلات العالميّة.

إنّ انهيار الاتّحاد السّوفياتيّ في بداية التّسعينيّات من القرن الماضي مثّل تغييراً جيو - سياسيّ خطيراً ترك تداعياته ليس فقط على روسيا بل على العالم بأسره، و أدّى هذا الأمر إلى تهديد مباشر للأمن القوميّ الرّوسيّ من قبل الغرب والولايات المتّحدة، فعلى سبيل المثال وأثناء الحرب الباردة كانت المسافة التي تفصل بين أقرب دولة منتمية إلى حلف النّاتو والحدود الرّوسيّة لا تقلّ عن 2000 كلم، أمّا اليوم فالمسافة التي تفصل بين الحدود الرّوسيّة وجمهوريّة أستونيا التي أصبحت عضواً في النّاتو لا تزيد عن 100 كلم. إنّ انهيار الاتّحاد السّوفياتيّ وضع روسيا في محيط بلدان تناصب العداء لموسكو وتقع تحت تأثير السّياسات الأميركيّة والغربيّة.

 

ماذا تعني إعادة إحياء مجال التّأثير الرّوسي؟؟؟

بالطّبع، لا يسعى الرّوس إلى إحياء الاتّحاد السّوفياتيّ، وإنّما إلى استعادة مجال التّأثير في المدى الجغرافيّ الذي قام عليه هذا الاتّحاد، وهذا يعني أن الرّوس يسعون إلى إحياء ما يسمّى "المدى الحيويّ" الرّوسيّ وحماية المصالح الرّوسيّة في المنطقة. ولتحقيق ذلك لابدّ من تحقيق مسألتين: أولاً- إعادة الاعتبار إلى القدرة العسكريّة الرّوسيّة - على الأقلّ- في المنطقة، ثانياً- إظهار أنّه لا ضمانات غربيّة أو أميركيّة يمكنها أن تؤمّن حماية لأيّ من الدّول التي كانت تدور في الفلك السّوفياتيّ، وأنّ أيّ حديث عن ضمانات لا يعدو كونه كلاماً في الهواء.

بشكل واضح، وبلغة صريحة، استطاعت روسيا أن تحرج الولايات المتّحدة، ووضعت الاتّحاد الأوروبي أمام خيارات صعبة في ظلّ الارتباط الأوروبيّ بالغاز الرّوسيّ وإمدادات النّفط، وبالتّالي شلّت روسيا أيّ قدرة أميركيّة أو أوروبيّة على اتّخاذ أيّ اجراءات أو تدابير بحقّ روسيا في ما يخصّ الوضع في القوقاز، فالموقف الرّوسيّ قويّ جدّاً، وقد تمّ تحقيق الأهداف الرّوسيّة من العمليّة العسكريّة بنجاح منقطع النّظير وتمّ إرسال إشارات في أكثر من اتّجاه وكلّ هذه الإشارات تظهر أنّ روسيا لاعب أساسي في المنطقة والعالم، ويجب أخذ المصالح الروسيّة دوماً بعين الاعتبار.

روسيا هي امبراطوريّة لعقود طويلة من الزّمن، والأعوام الخمسة عشر الأخيرة هي الشّواذ عن القاعدة، وهي زمن ضائع في المقياس الرّوسيّ وظاهرة مؤقتة، والآن يسعى الرّوس إلى استعادة الدّور المفقود. 

 

 زهير فيّاض