العدد السادس والثلاثون - تشرين الاول

إذا كان النّفط بهذه النّدرة فلماذا العرب بهذا الضعف ؟

د. عاطف عبدالله قبرصي جامعة مكماستر كندا
الاحد 26 تشرين الأول (أكتوبر) 2008.
 

في ظلّ الأزمة الاقتصاديّة والسّياسيّة التي يشهدها العالم اليوم يعتبر النّفط هو السّلاح الفعّال الذي يُستخدم للتّأثير على القرارات العالميّة في شتّى الميادين . وقد عرف العرب أهميّة السّلاح خلال العامين 1973و 1974 فاستخدموه كوسيلة يضغطون بها على المجتمع الدّولي في ظلّ الممارسات المجحفة التي تحصل بحقّ فلسطين و أهلها . و اليوم ، بعد أكثر من ثلاثة عقود ، نجد أزمة فلسطين تزداد تفاقماً . يوازيها الاعتداء الاميركي على العراق فيبرز السؤال : " ترى .. هل ما زال النّفط سلاحاً فعّالاً في يد القضايا العربيّة ؟ و لماذا يهمل العرب هذا السّلاح و يتجاهلونه ؟ " في ما يلي دراسة للدكتور عاطف قبرصي في جامعة ماكماستر في كندا تتناول هذا الموضوع .

 

هناك سؤال بديهيّ يردّده كلّ عربيّ ، لماذا لم يتمكّن العرب من استغلال ثروتهم النّفطيّة الهائلة وعائداتها المتراكمة في تثبيت الحقوق العربيّة وإقناع الدّول المستوردة والمستفيدة من هذا النّفط ومن عائداته على تغيير مواقفها السّياسيّة المتجاهلة للحقّ العربيّ في فلسطين والمؤيدة لأعداء العرب بدون حساب .

إنّ ضعف العلاقة بين الثّروة العربيّة والنّفوذ العربيّ يناقض بشكل واضح العلاقة السّببيّة والتّاريخيّة القائمة بين الثّروة والسّلطة وبين الثّروة والنّفوذ السّياسيّ .

وفي هذا الإطار تنسحب جملة من الأسئلة حول إمكانيّة إعادة اللُّحمة والعلاقة بين الثّروة النّاضبة وبين الإستفادة منها ، في هذا الحيّز من الزّمن قبل نضوبها، في إحقاق الحقوق العربيّة وفكّ قيود الإحتلال عن رقاب العرب والإستفادة القصوى من هذه الثّروة في جميع المجالات الإقتصاديّة والسّياسيّة والإجتماعيّة .

لا شكّ أنّ العلاقة السّببيّة بين الثّروة والنّفوذ السّياسيّ والإستراتيجيّ يمكن إعادة تشكيلها إذا تمكّن العرب من إقناع المستوردين للنّفط العربيّ ، والمصدّرين للأسواق العربيّة ومودعي العائدات النفطيّة والمستفيدين من المساعدات العربيّة أنّ مصالحهم الإقتصاديّة تتوقّف على مدى تفهّمهم للمواقف السّياسيّة العربيّة ومؤازرتهم لها ، أو على الأقلّ عدم التّنكّر لها .

2

إن العلاقه بين الإقتصاد والسّياسة هي علاقه أصيلة يرفض العرب بقاءها رهناً للآخرين يوظفّونها في خدمة مصالحهم ويعطّلون على العرب فرص الإستفاده منها.

ويتأتّى عن هذا القرار الإستراتيجيّ بإعادة اللُّحمة بين الثّروة والنّفوذ السّياسيّ وبين الاقتصاد والسّياسة عدد من الإجراءات والتّداعيات يمكن تلخيصها تحت العناوين التّالية :

أولاً : هل تتوفّر لدى العرب الإرادة والقدرة على مكافأة الدّول المؤازرة ومعاقبة الدّول المعادية؟

ثانياً : هل تكسب الدّول المؤازرة للعرب من دعمها لهم أكثر من مناهضتها لقضاياهم ؟

ثالثاً: هل تبقى الأكلاف الإقتصاديّة والسّياسيّة لهذا القرار الإستراتيجيّ ( بمكافأة المؤازرين ومعاقبة المناهضين ) أقلّ من الأرباح المتوقّعة من المؤازرة ؟

رابعاً: هل بإمكان العرب أن يرفعوا أكلاف عداء الآخرين لهم عن أرباحهم من عدائهم ؟

خامساً: هل بالإمكان الوصول إلى وفاق دوليّ بحيث يحقّق العرب مبادلة التّأييد السّياسيّ لهم بمنافع إقتصاديّة لشركائهم دون استفزاز الآخرين للجوء إلى القوّة العسكريّة ؟

سادساً : هل هناك ماكينزمات يمكن استعمالها للتّأكد من أنّ المستفيدين الإقتصاديين من العرب يقدّمون العون والمؤازرة المطلوبة منهم ؟

سابعاً: ما هي الأدوات الإقتصاديّة الأكثر فعاليّة في تحفيز الآخرين على دعم العرب والوفاء بالتزاماتهم تجاههم ؟

ثامناً: هل هناك مصالح مميّزة بإمكان العرب استغلالها للوصول إلى أهدافهم دون استدراج الآخرين إلى ردود عنيفة ضدّهم؟

إنّ الأجوبة على هذه الأسئلة تحدّد مدى قدرة العرب على استعمال ثروتهم الطّبيعيّة والماليّة وأسواقهم الغنيّة ومواقعهم الجغرافيّة المميّزة ، كما أنّها تحدّد طبيعة ردود الفعل من الآخرين على استعمالهم هذه القدرات في المعترك الدّولي .

 

هنالك قاعده أساسيّة حاكمة هنا ، فبالقدر الذي يحدّد العرب استعدادهم لاستعمال قدراتهم الإقتصاديّة والجغرافيّة والإنسانيّة بوضوح معلن وبالقدر الذي يلجأ به العرب فعليّاً لتثبيت قدرتهم وعدم تردّدهم في استعمال قدراتهم على المكافأة والعقاب ، وكلّما ارتفعت قيمة المصالح وتدنّت أكلاف ردود الفعل ، كلّما تعاظمت قدرتهم على استعمال ثروتهم الإقتصادية وتحويلها إلى نفوذ استراتيجيّ يثبّت حقوقهم ويعمّق قدرتهم على التّحكم بالقرار الدّوليّ والمواقف الدّوليّة تجاههم .

إنّ الإستعمال المثمر للقدرات والمعطيات الإقتصاديّة والإستراتيجيّة يخضع لشروط النّظرية العامّة للسّلوك الإستراتيجيّ -( 1 ) . ولعلّ أهمّ مقوّمات عناصر هذه النّظريّة يكمن في أن الخيارات العمليّة لأيّ فريق تتوقّف على خيارات الآخرين بحيث أنّه لا يمكن فصل بعضها عن بعض وأنّ القدرة على توظيف هذه الإمكانات يتوقّف على مدى استعداد أصحابها على استعمالها والاستفادة من نتائجها . وإنّ الّتهديد والتّلويح باستعمال المصادر والمعطيات يجب أن يقرن بالصّدقيّة " 2 " . فالتّهديد باستعمال السّلاح الإقتصاديّ للحصول على نتائج محدّدة من فريق آخر يجب أن يكون صريحاً،ذا شفافيّة واضحة،وذا مصداقية وإلا فقد فعاليّتهِ كما أن قدرة فريق ما على التأّثير على خيارات وأفعال الآخرين ترتبط ارتباطاً مباشراً بصدقيّة خيارات وأفعال هذا الفريق والتزامه الكامل بتعهّداته وشروطه .

إنّ فعاليّة " السّلاح " الإقتصاديّ في دعم القرارات والمواقف والمصالح العربيّة تعتمد على إرادة وقدرة العرب على استعمال هذا السّلاح في المعترك السّياسيّ . فالقدرة بدون الإرادة كالإرادة بدون القدرة ، إذ في اجتماعهما تتوفّر المقدرة على حفر الوقائع الجديدة.

 

فيما يلي سأحاول أن أقيّم فعاليّة السّلاح الإقتصادي العربيّ وشروطه وسأركّز على النّفط كمكّون أساسيّ للسّلاح العربيّ الإقتصاديّ دون إغفال دور العائدات النفطيّة والفائض الإجمالي على موازين المدفوعات العربيّة وأهميّة الأسواق والمساعدات العربيّة .

 

 

 

 

سلاح النّفط في الميزان

بإمكاننا اعتبار أكتوبر 1973 محطّة تاريخيّة فاصلة في تاريخ العرب والاقتصاد الدّوليّ حيث تمكّن العرب في هذا التّاريخ ، خاصّة سوريا ومصر ، من التّنسيق العسكريّ واختراق حدود الإحتلال في سيناء والجولان وتزامن هذا التّنسيق العسكريّ مع استعمال النّفط العربيّ في 17 أكتوبر لمعاقبة الولايات المتحدة وهولندا والبرتغال وجنوب أفريقيا ( على مساندتهم المطلقة لإسرائيل في احتلالها للأراضي العربيّة ) بوقف الصّادرات النّفطيّة العربية إليهم وخفض الإنتاج النّفطيّ العربيّ الكلّيّ حتّى يتمّ استعادة الأراضي المحتلّة عام 1967 وعودة الفلسطينيّين إلى بلادهم وقد واكب هذا الإنتصار العسكريّ ارتفاع أسعار النّفط والعائدات النّفطيّة العربيّة واستعادة بعض السّيطرة الوطنيّةّ على مصادر النّفط وإنتاجه والقرار الوطنيّ بشأن تصديره وتقنينه .

ففي كانون الثاني 1974 وصلت أسعار النفط إلى أربعة اضعاف ما كانت عليه قبل أكتوبر 1973 وارتفعت عائدات النفط من23 بليون دولار إلى 220 بليون دولار خلال أعوام قليلة . وتفاءل العرب بمستقبل أفضل يمحي إخفاقهم في استعادة حقوقهم المشروعة وتشتتهم وفقرهم وفقدان السيطره على ثرواتهم وبرز النفط لأول مرة" كسلاح" فعّال في يد العرب يشهرونه في وجه الذين استباحوا حقوقهم وتمادوا في مساندة أعدائهم والاستهتار بمصالحهم وحقوقهم .

غير أنّ الّتفاؤل العربي تبدد بسرعة عندما أعلن العرب في آذار 1974 أن الإنجازات الكبيرة والتحوّل الجذري في مواقف الدول الغربيّة المستوردة للنّفط تبرّر تعليقهم للحظر النّفطي وإلغاء قرار خفض الإنتاج قبل أن يحققوا أدنى مطالبهم.

 

ونقف اليوم أمام واقع جديد وهو ارتفاع أسعار النّفط واستفحال ندرته والكشف عن كثافة اعتماد الدول الصّناعيّة وخاصّة الولايات المتّحدة على استيراد النّفط العربي ونسأل من جديد ، إذا كان النّفط بهذه القيمة والعائدات النّفطيّة بهذا الحجم والاعتماد الدّولي على مصادر طاقته بهذه الكثافة ، فلماذا العرب بهذا الضعف ؟ ولماذا تبقى أراضيهم تحت الإحتلال الإسرائيلي ويدخل العراق تحت الإحتلال الأمريكي ؟ وما هي علاقة النّفط بهذا الضّعف وبهذا الإحتلال ؟ هل هناك قدرة جدّيّة اليوم على استعمال النّفط " كسلاح دفاعي" يحمي مصالحهم ويوقف هذه الهجمة الجديدة على قيمهم ومعتقداتهم في ظلّ الظروف الموضوعيّة الدّوليّة القائمة على قاعدة القطب الأمريكي الأوحد ؟ وما هي عناصر الضّعف العربيّ وما هي علاقاتها بالنّفط ؟

لقد آن الأوان إلى مراجعة هادئة إلى دور النّفط العربي في التّكوين الإقتصاديّ والاجتماعيّ والسّياسيّ العربيّ ، وإلى تقييم مرحلة استعمال النّفط كسلاح قومي في المعترك الدولي من أكتوبر 1973 إلى آذار 1974 .

 

تجربة استعمال سلاح النفط 1973 - 1974

بإستثناء الفترة القصيرة بين أكتوبر 1973 وآذار 1974 عندما ربط العرب النّفط بأهداف سياسيّة لم يسبق ذلك أي إعلان عن علاقة سياسيّة بالنّفط أو مؤشر على استعماله كسلاح اقتصادي . فليس هناك أي سابقه تدل على ربط أسعار النّفط وكمية أو وجهة تصديره بأيّ هدف سياسيّ ، بل على العكس تماماً ، فإنّ هنالك عدّة مواقف وتصاريح معلنة من الكويت والسّعودية عن التزامهما الفصل بين النّفط والسّياسة . غير أنّ استعما ل العرب لنفطهم في أعقاب حرب أكتوبر خلق سابقة لا يمكن تجاهلها وضبابيّة إيجابيّة( 3 ) حول احتما ل استعما ل النّفط في المستقبل إذا ما دعت الحاجة إلى استعماله ، هذا وقد اشتمل الحظر النّفطيّ على وجهتين :

 

 الأولى: حظر معلن ضد الولايات المتّحدة ،البرتغال ، هولندا، جنوب أفريقيا ، وروديسيا .

الثّانية: تمثّلت في خفض الإنتاج النّفطيّ الكلّيّ .

لقد قصر الحظر النّفطيّ عن خفض النّفط المتوفّر للدّول المستهدفة، فقد توقّفت فعلاً الشّركات فوق القوميّة عن إمداد النّفط العربيّ إلى الدّول الواقعة تحت الحظر ولكنّها حوّلت الإمدادات من الدول المصدّرة للنّفط غير العربيّة لهذه الدّول على حساب أوروبا وكندا . فزيادة الإنتاج النّفطيّ خارج المنطقة العربيّة مضافاً إليها التّحويل في وجهة الإمدادات النّفطيّة غير العربيّة وبعض التّسرّب في النّفط العربيّ خاصّة المنتوجات النّفطيّة المكرّرة عبر شبكة الحظر العربيّ خفضت من آثار هذا الحظر على الدّول المستهدفة لكنّها لم تلغِ هذه الآثار.

غير أنّه كان لهذا الحظر آثاره وتداعياته . فبين أكتوبر 1973 و آذار 1974 تناقص النّفط  في الولايات المتّحدة بشكل ملحوظ وانتظمت طوابير طويلة من المواطنين الأمريكيّين ينتظرون دورهم لتعبئة المحروقات. ومع أنّ النّقص في العرض من المحروقات لم يتدنَّ أكثر من 2.5 % من المجموع المتوفّر من هذه المحروقات ، غير أنّها خفضت بأكثر من 11% من الطّلب المتوقّع . ويعزى هذا النّقص إلى الانخفاض في الإنتاج النّفطيّ العربيّ أكثر منه إلى فعاليّة الحظر المطبق على الولايات المتّحدة.

والملاحظ أنّ الدّول العربيّة المصدّرة للنّفط أعلنت بوضوح أهدافها السّياسيّة من الحظر وخفض الإنتاج مشيرة إلى أنّ هذا الخفض في الإنتاج سيكون تراكميّاً بمستوى 5% شهريّاً إبتداءً من أكتوبر طالما

" إسرائيل" محتلّة للأراضي العربيّة التي استولت عليها في 5 حزيران 1967 وطالما بقيت حقوق الفلسطينيّين العادلة مهضومة .

لقد كانت هذه الإجراءات أوّل استعمال ناجح ومميّز لسلاح النّفط العربيّ كجزء من الدّبلوماسيّة العربيّة وإعلان صارخ عن ربط النّفط بالأهداف السّياسيّة العربيّة ( 4 ) .ولعلّ تقاطع العديد من الظّروف والوقائع المساندة كانت وراء نجاح الدّبلوماسيّة العربيّة في استعمال النّفط . وتجلّت هذه الوقائع بالنّجاح العسكريّ الذي حققته مصر وسوريا في اختراق خط بارليف وخنادق الإسرائليّين في الجولان ، مع النّقص في العرض النّفطيّ عن الطّلب العالميّ وسيطرة الأوبك على أسعار النّفط وإنتاجه في العديد من الدّول المصدّرة للنّفط والسّرعة والسّريّة التي تمّت بها العمليّات العسكريّة العربيّة والمساندة النّفطيّة التي أثّرت بسرعة غير متوقّعة على الأمريكيّين وحلفائهم الأوروبيّين واليابانيّين .

كان من الطّبيعي أن تبدي الولايات المتّحدة إمتعاضها من استعمال العرب للسّلاح الإقتصادي وهو السّلاح الأمريكي الأكثر ضراوة واستعمالاً والتي طالما اعتبرت الولايات المتّحدة أنّه حصر بها وليس لغيرها الحقّ في استعماله . وسارعت الولايات المتّحدة إلى نفي أيّة علاقه بين التّحرّك الدّيبلوماسيّ لفكّ الارتباط بين الجيوش العربيّة والإسرائيليّة ، غير أن إدوارد شيهان( 5 ) صرّح أنّ تحرّك " كيسنجر المكّوكيّ بين سوريا و"إسرائيل" كان الثّمن الذي دفعناه في رفع الحظر النّفطيّ "*.

وفي 6 آذار اعترف نيكسون ( 6 ):" إنّ التّقدّم على الجبهة الدّبلوماسيّة ، مع كونه غير مرتبط مع رفع الحظر ، لكنّه كان مؤثراً عليه " ** .

ففي منتصف آذار اعتبر العرب أنّ تقدّماً ملحوظاً قد تحقّق على مفاوضات فكّ الارتباط على هضبة الجولان يستحقّ رفع الحظر . ففي 18 آذار 1974 اجتمع وزراء النّفط في منظمة الأقطار العربية المصدّرة للنّفط أوبيك ( 7 ) في فيننا وأعلنوا ببعض التّسرّع أنّ هدفهم في ربط الحظر الّنفطيّ بتحقيق السّلام في الشّرق الأوسط وإحقاق العدالة للفلسطينيّين قد تفهّمته الدّول المستهدفة وأنّ الأمريكيّين قد رسموا سياسة جديدة أكثر ملائمة وتفهّماً للمواقف

و المصالح العربيّة .***

واتّخذ الوزراء المجتمعين في فيننا قرارين :

أولا : اعتبار إيطاليا وألمانيا دولتين صديقتين للعرب واستثناؤهما من الحظر .

ثانيا : رفع الحظر النّفطيّ عن الولايات المتّحدة .****


 

 

كذلك تقرّر أن يراجع الوزراء المجتمعون التّقدّم والتّغيّر في المواقف الأمريكيّة في اجتماع أوبك المقرّر عقده في حزيران 1974 في حين سارعت مصر والسّعوديّة إلى طمأنة الأمريكيّين أنّ الحظر رفع ولن يعاد العمل بموجبه. *

ومع إنّ قرار رفع الحظر كان سريعاً وقبل تحقبق الحدّ الأدنى من الأهداف المعلنة، لكنّ العرب تمكّنوا من خلق سابقة جديدة وساطعة وهي أنّهم قادرون على ربط النّفط بالأهداف والغايات السّياسيّة العربيّة. وأنّهم قادرون على التّخطيط لهذا الرّبط بشكل محكم وسرّيّ وبتفاهم أطراف عديدة وتنفيذ مخطّطاتهم بشكل مدروس وتراكمي حيث تمكّنت دول المواجهة العربيّة للمرّة الأولى ودول الخليج العربيّ على العمل المشترك وعلى نسف الهوّة بينهما التي طالما راهن عليها الامريكيّون وحلفاؤهم.

فالصّحيح أنّ الحظر رفع بعد خمسة أشهر فقط من وضعه حيّز التّنفيذ وهذه مدّة اطول ممّا أرادها الامريكيّون ولكنّها أقصر بكثير من الحاجة المطلوبة لتحقيق الأهداف العربيّة. ولكنّه يبقى انجازاً رائعاً أنّ العرب لهم الإرادة والقدرة على ربط المصالح الاقتصاديّة بالاهداف السّياسيّة.

وعندما نقيّم هذه المرحلة ونسلّط الأضواء عليها لابدّ من الإعتراف ببعض الأخطاء والنّواقص التّالية :

أولاً : إنّ سلاح النّفط قد ألقي جانباً بسرعة فائقة وقبل تحقيق الأهداف المرجوّة والمعلنة . ومع أنّ العرب حققّوا نجاحاً واضحاّ في عملهم المشترك في هذه المرحلة القصيرة ، لكن يبقى هناك غموض كثيف حول الإرادة السّياسيّة الواحدة والإلتزام باستعمال النّفط والثّروة العربيّة والقوى الإستراتيجية العربيّة كسلاح سياسيّ دبلوماسيّ في المعترك الدّولي.

 


*Joe Stork, Middle East Oil and the Energy Crisis(New York: Monthly Review Press, 1975), P. 242. 

ثانياً: إن العرب أخفقوا في التّمييز بين الصّديق المؤازر والعدوّ المناهض . فخفض الإنتاج أثر على جميع المستوردين للنّفط بدون استثناء وهذا يعود بالأساس إلى كون الشّركات الأجنبيّة تحتكر توزيع النّفط وعدم سيطرة العرب على وسائل النقل *

ثالثاً : مع الأسف الشّديد فقد أخلت عدد من الدّول العربيّة المصدّرة للنّفط بوعودها بتخفيض الإنتاج النّفطيّ ، فالسّعوديّة زاد إنتاجها من النّفط من ديسمبر 1973 إلى آذار 1974 ، كما رفعت أبوظبي إنتاجها في الرّبع الأوّل من عام 1974 وكذلك فعلت ليبيا ، فقد زاد إنتاجها ابتداء من كانون الثّاني 1974 إلى آذار 1974**.

رابعاً: مارست الولايات المتّحدة ضغوطاً قويّة على العرب محاولة صدّهم عن ربط النّفط بالسّياسة ، وقد لعب السّادات دوراً سلبيّاً مميّزاً في هذا المضمار حيث أرسل بواسطة ممثّلة الولايات المتّحدة في الأمم المتّحدة تشيرلي تنبل بلاك ( 8) رسالة يقول بها أنّه سيرفع الحظر عن أمريكا وإنه سيفعل ذلك إكراماً للرّئيس نيكسون ***

هذا وحاولت الولايات المتّحدة تخويف العرب بنشرها العديد من السّيناريوهات العسكريّة ****

حيث برزت احتمالات ثلاث:

أ- حرب نفسيّة لتخويف العرب

ب- عمليات عسكريّة سريّة ضدّ القيادات العربيّة .

*HANS MAULL , Oil & Influence. The Oil Weapon Examined. (International Institute for Strategic Studies, Adelphi paper, No.117, 1975), p. 6.

**Economist, Feb 16, 1974, p. 74.

***R.Nixon, Memoirs , p 986 . And Anwar Al-Sadat, In Search of Identity ( New

York : Harper and Row, 1477), p 300

**** House Committee in International Relation. Oil Fields as Military Objectives: A Feasibity Studies. Washington D.C, 1975.

 

ج- احتلال منابع النّفط بالاشتراك مع "الإسرائيليين" .

خامساً: إنّ ارتفاع أسعار النّفط التي واكبت ربط النّفط بالمصالح والأهداف السّياسيّة ألقت ببعض الضّبابيّة على استراتيجيّة ربط النّفط بالأهداف السّياسيّة ، ورفعت تساؤلات عديدة عن أهميّة الأهداف الاقتصاديّة وتفوّقها على الأهداف السّياسيّة . فيقول دوغلاس فياس(9)  

إنّ ارتفاع أسعار النّفط السّريع يثبت بشكل قاطع أنّ الأهداف السّياسيّة أقلّ أهميّة من الأهداف الاقتصاديّة وأنّها أخذت المرتبة الثّانيّة حتّى في هذه الفترة الهامّة من تاريخ الصّراع العربيّ الإسرائيليّ*.

سادساً: إنّ الظّروف الدّوليّة القائمة في السّبعينات والحرب الباردة ساهمت في لجم ردود الفعل الأمريكيّة وأعطت العرب هامشاً مهمّاً في عملهم السّياسيّ وحتّى الإقتصاديّ .

فمع النّجاح المحدود للرّبط بين النّفط والسّياسة هل بالإمكان العودة مستقبلاً إلى استعمال هذا السّلاح؟ . فالأرض العربيّة لا زالت محتلّة والفلسطينيّون لم يحقّقوا بعد أيّ جزء مهم من أهدافهم ولم يحصلوا إلا على القدر البسيط من حقوقهم ، وهاهو العراق محتل والجولان لا زال سليباً والإسلام والمسلمين يواجهون تحدّيات مصيريّة . فهل من المعقول أن يطرح اليوم أي سؤا ل حول مصداقيّة وجدوى استعمال النّفط كسلاح قوميّ في معركة المصير ؟

فالنّفط اليوم أكثر ندرة وأهميّة العالم العربيّ النّفطيّة أعظم من أيّ يوم مضى ، أليست ظروف اليوم أكثر ملائمة لاستعمال هذا السّلاح ؟

لابدّ من المرور سريعاً على التّطوّرات النّفطيّة في السّوق العالميّة وإلى تفهّم الظّروف المستجدّة المتمحورة حول مترتّبات أحاديّة القطب الأمريكيّ والقيام بجولة حول النّواقص في الإقتصاد وفي المجتمع العربيّ وعناصر الضّعف قبل الإجابة على هذا السّؤال المصيريّ.