العدد السادس والثلاثون - تشرين الاول

سرجون الأكادي وموسى العبراني

الاب سهيل قاشا
الاحد 26 تشرين الأول (أكتوبر) 2008.
 

من يقرأ الفصل الثّاني من سفر الخروج من كتاب التّوراة، واللّوح الذي سطّرت فيه سيرة سرجون الأكادي يلاحظ الشّبه العميق في ولادة ونشأة سرجون الكبير مؤسّس مدينة أكاد، ونشأة موسى ومعلم الشّعب العبراني.

إنّ الشّبه هذا يتخطّى الألفاظ والصّور إلى الأسلوب حيث الجمل القصيرة والفكرة المختصرة. وما على القارىء إلا أن يعرف قصّة الرّجلين كاملة حتى يستطيع أن يكتشف أوجه الشّبه بينهما.

إنّنا نسرد هنا قصّتي الرّجلين ليتسنّى لنا مقارنتهما وذلك كما وردتا في مصدرهما: قصّة سرجون كما كتبها هو بنفسه أو كتبت على لسانه ومن حيث المكانة التّاريخيّة، وقصّة موسى في سفر الخروج برواية التّوراة.

 

قصة سرجون:

ويعرف كذلك باسم شاروكين. ملك فاتح (2334 - 2279 ق.م)، مؤسّس السّلالة الأكاديّة. تقول الأسطورة التي وضعت في وقت لاحق أنّ ولادته جرت سراً وأنّه وضع في سلّة مدهونة بالقار على نهر الفرات وانتشله متولّي شؤون الرّيّ الإله أكي ملك كيش الذي انتشله من بين القصب وربّاه كابن له. فلم يعرف أباه. ولمّا شبّ استخدمه أكي كبستاني وساق. وفي هذه الأثناء أحبّته الإلهة عشتار.

وتقول رواية اخرى أنّه كان في نشأته بستانيّاً ثم عمل بصفة ساق لدى ملك كيش "أورزبابا".

انتصر سرجون على لوكال زاكيري المذكور، واقتاده مكبّلاً بالأغلال امام انليل إله سومر لكي يوافق هذا الإله على خلع الملك القديم ومنح سرجون لقب إيشاكو.

 و من ثّمّ سحق قوات أور وهدم أسوارها واستولى على لكش، ووصل إلى الخليج العربي. وأكمل في طريق عودته فتح بلاد سومر فاستولى على أوما ودمّر أسوارها. وأصبح سيّد المنطقة من البحر الأعلى (الخليج العربي) إذ امتدّت سلطته غرباً على مدينة ماري وايبلا وغابة الأرز وجبال الفضّة (طوروس).

بنى سرجون مدينة أغاده، أو أعاد بناءها، وجعل منها عاصمة له، إلا أنّ موقع هذه المدينة لم يجر تحديده بعد.

حدثت في آخر أيّامه فتنة عامّة وقد عاونت "سوبارتو" الثّوّار فهزمت. وشاركت بابل في الثّورة وهُزمت كذلك. وتجدر الملاحظة هنا أنّ اسم بابل ذكر في هذه المناسبة لأوّل مرة في التّاريخ.

حكم بعد وفاة سرجون أبناء رموش ومنيشتوسو تباعاً.

 

قصة موسى:

موسى اسم مصري (موشي). ينسب كتاب العهد القديم موسى إلى سبط لاوي. ويقول الكتاب المذكور أنّ أمّ موسى ولدته بعد صدور أمر الفرعون بقتل جميع مواليد اليهود الذّكور. وقد أخفته مدّة ثلاثة أشهر ثمّ وضعته في سقط من البردي ووضعت السّفط بين الحلفاء على حافّة النّهر حيث عثرت عليه ابنة الفرعون، واهتمّت بتربيته وتبنّته. وكانت أخته قد وقفت من بعيد لتعلم ما يحدث لأخيها. ولما نزلت ابنة الفرعون إلى النّيل لتغتسل وكانت وصيفاتها يتمشين على شاطىء النّهر (النّيل) رأت السّلّة بين القصب فأرسلت خادمتها وأخذتها وفتحتها وأخذت الولد، فإذا هو صبي يبكي.

اشفقت عليه ابنة فرعون وقالت: هذا من أولاد العبرانيّين. حينئذٍ تدخّلت أخته وقالت لابنة فرعون: أأذهب وأدعو لك مرضعاً من العبرانيّات وترضع لك الولد؟ فقالت لها ابنة الفرعون: اذهبي. فذهبت الفتاة ودعت أمّ الولد. فقالت لها ابنة فرعون: خذيه وأرضعيه لي وأنا أعطيك أجرتك، فأخذت الولد وأرضعته. ولمّا كبر الولد جاءت به ابنة فرعون، فأصبح لها ابناً وسمّته موسى وقالت: لأني انتشلته من الماء. ولما كبر موسى، حدث يوماً ان شاهد رجلاً مصريّاً يضرب رجلاً عبرانيّاً فعمد موسى إلى قتل المصري. وانتشر الخبر فهرب موسى إلى أرض مديان في صحراء سيناء وأقام في خيام يثرون كاهن مديان وتزوّج ابنته صفورة. تمكّن موسى بمساعدة أخيه هارون من التّغلّب على ممانعة الفرعون بمغادرة العبرانيّين بعد أن سلّط على مصر "الضّربات العشر"، وغادر العبرانيّون مصر.

قاد موسى شعبه في المرحلة الأولى إلى سيناء حيث حصل هنالك إلى الشّريعة. وحاول من ثَمَّ دخول بلاد كنعان من جنوبها فردّه اهالي المنطقة. وتمرّد العبرانيون فقضى الله عليهم بالتّيه في الصّحراء مدّة أربعين عاماً. وتغلّبوا على المؤابيّين واحتلّوا منطقة شرقي الأردن حتى أريحا.

وعيّن موسى يشوع بن نون خليفة له وصعد اإلى جبل نابو (الإله نابو السّومري) حيث تأمّل أرض كنعان، ومات في ذلك المكان.

 

المقارنة

لو وضعنا النّصين واحدهما إزاء الآخر لوجدنا نقاط التّلاقي والمشابهة أكثر من نقاط الخلاف والاختلاف.

انطلاقاً من فكرة زعيم الضّرورة والرّمز أحبّ اليهود أسوة بالشّعوب التي كانت تفتخر بزعمائها، استنباط فكرة هذا الزّعيم الأوحد فاخترعوا او بالأحرى جعلوا من زعيمهم موسى كباقي زعماء القبائل التي إلى جوارهم سيّما بعد إطلاعهم على تراثهم السّياسيّ والاقتصاديّ فنسجوا حول موسى الأقاصيص التي استمدّوها من تراث الشّعوب وبالأخصّ قصة سرجون الأكادي.

وعليه في كلا الرّوايتين نجد قواسم مشتركة عديدة.

أولاً: ان دور الأب هامشي في قصة موسى وسرجون الأكادي لم يعرف والده.

ثانياً: ولادة الاثنين موسى وسرجون بالسّرّ يكتنفها الضّباب لاعطاء هالة لشخصيهما.

ثالثاً: كلا الطّفلين يرضعان في سلّة من البردي مطليّة بالحمر والزّفت ويرمى بهما في النّهر.

رابعاً: في رواية موسى، ذي الجمال الباهر، على عكس سرجون، نلاحظ حضور أمّه واخته من بعيد، واهتمام وصيفات ابنة فرعون به. اما قرب سرجون فلا نجد أحداً من أقربائه: أمّه المستبدلة تركته , وأخوته شاردون في البراري بعيدون عنه. ولذلك نشأ ذا طبع قاس محبّاً للحرب.

سادساً: موسى انتشلته ابنة الفرعون وأعطته إلى إحدى العبرانيّات (أمّه) التي أرضعته ، ولمّا كبر تبنّته ابنة فرعون وسمّته موسى.

سابعاً: هذا الاهتمام بموسى لا نجده عند سرجون الأكادي الطّفل المهمل نوعاً ما والذي انتشله متولّي شؤون الرّيّ، الإله آكي AKKI، واستخدمه في عمل الأرض والرّيّ بعيداً عن المجتمع.

ثامناً: وعلى عكس موسى الذي حظي بعطف امرأة، ابنة فرعون، فإنّ سرجون لم يحظَ بذلك العطف، إلا عندما شبّ وأحبّته الآلهة عشتار.

 

الخلاصة:

هذا الشّبه في طفولة ونشأة هذين الرّجلين الشّهيرين مردّه في رأينا، إلى أنّ كاتب حياة موسى أراد أن ينسج على مثال، هو سرجون الأكادي .

سرجون كان رجلاً شهيراً، قائداً كبيراً ورئيساً على أمّة واسعة، بنى مدنها ونظمها وأنشأ حضارة انتشرت في معظم أنحاء الشّرق القديم من وادي الرّافدين إلى بحر أمورو.

موسى ايضاً، كما يسرد في سفر الخروج وباقي أسفار التّوراة هو مؤسّس دين، وباني أمّة، ومعلّم عظيم، فهو خليق بأن يكون مثل سرجون وأفضل.

ولا ننسى أنّ مؤلفي التّوراة يعرفون آداب بلاد ما بين النّهرين ومتأثّرون بها بحكم سبيهم إلى بابل العظيمة. لذا ليس من الغريب ان يأخذوا منها ما يناسب آدابهم وتاريخهم بعدما نقّوه وجعلوه يوافق معتقداتهم ورؤيتهم الخاصّة الى التّاريخ العامّ.

وقس على ذلك سفر نشيد الأناشيد وسفر الأمثال، وسفر التّكوين،... الخ، ومع ذلك فاليهود ما زالوا يصرّون على أنّ كتابهم أصيل وفرد، علماً أنّه مقتبس من كتب اخرى سبقته بمئات السّنين.