العدد السادس والثلاثون - تشرين الاول

الاستراتيجيّة الدّفاعيّة والتسليح الامريكي للجيش اللبناني

الياس سالم
الاحد 26 تشرين الأول (أكتوبر) 2008.
 

الاستراتيجيّة الدفاعية محور حوار الطبقة السياسية اللبنانية اتجاه تاريخي كان يعتبران قوة لبنان في ضعفه ولم يعمل على تسليح الجيش واتجاه اخر اعتبر ان قوة لبنان في مقاومته فوفروا لها التسلح والتعبئة .

اليوم السؤال المطروح من يسلح الجيش ولماذا ؟

وهل تسليح الجيش مرتبط مسبقا بتغير عقيدته وضمان توجهه . هنا نظرة تاريخية لعلاقة الجيش بالمقاومة ودور الادارة الامريكية وشروطها .

 

منذ إنشاء نواة الجيش اللّبنانيّ عام 1916 وبعدما تأسّس الجيش بشكله وأصبح تحت سلطة الحكومة اللّبنانيّة في الأوّل من  آب 1945، كان التّنظيم العامّ والتّجهيز والتّسليح فرنسيّاً.

في عهد الرّئيس الرّاحل سليمان فرنجيّة جهّز الجيش ببنادق أميركيّة م16 وكتيبة دبّابات م48 من الولايات المتّحدة تم بناقلات جند م113 اميركيّة.

توسّع تجهيز الجيش من الولايات المتّحدة في عهد الرّئيس أمين الجميّل حيث عقدت صفقات كبيرة جهّزت الجيش بمدافع 155 ملم أميركيّة وناقلات جند م113 وأسلحة وذخائر ومدافع هاون، كان يغلب على تلك الصّفقات الطّابع التّجاريّ وتشوبها الوساطات المشبوهة وكلّفت أسعاراً باهظة أدّت إلى هبوط في سعر العملة الوطنيّة في لبنان وتسبّب هذا التّسليح بضائقة ماليّة في الدّولة انعكست فقراً على الشّعب اللّبنانيّ، الأمر الذي حفّز عدداً كبيراً من اللّبنانيّين على الهجرة طلباً للرّزق، أكثر ممّا هو هروب من الأوضاع الأمنيّة المتدهورة.

كانت الإدارة الأميركيّة في ذلك الوقت تسمح ببيع الذّخائر وأسلحة القتال للجيش اللبنانيّ عندما كان في حالة مواجهة مع المعارضة اللّبنانيّة وسوريا.

بعد انتهاء الحرب اللّبنانيّة عام 1990 ودخول القوّات السّوريّة إلى المناطق المسيحيّة، عُيِّن العماد لحّود قائداً للجيش وعمل على إرساء عقيدة للجيش اللّبنانيّ مستمّدة من اتّفاق الطّائف وأهمّ ما فيها اعتبار " إسرائيل" عدوّ لبنان الأساسيّ وتوجيه جميع البنادق نحوها.

وقد ذكر العماد لحود في العديد من تصريحاته وتوجيهاته إلى العسكريّين صراحة أنّ العدوّ هو" إسرائيل" ورسّخ ذلك في إيمان العسكريّين وثقافتهم رغم الاختلافات السّياسيّة في البلاد والتي كانت ترخي ظلالها على الجيش.

لكنّ العماد لحود لم يكن بعيداً عن الأميركيّين واحتفظ بعلاقة معهم سمحت له بالقيام بأكبر عمليّة تجهيز للجيش اللّبنانيّ من الولايات المتّحدة. فقد زوّد الجيش في التّسعينات بثلاثة آلاف آليّة تقريباً من ناقلة جند م113 وشاحنات وسيّارات جيب كانت كافية لانطلاق المهمّات الأمنيّة في مختلف أنحاء البلاد وعلى الحدود الجنوبيّة مع العدوّ" الاسرائيليّ".

على أنّ هذه الآليّات جميعها لم تكن مسلّحة لأنّ قراراً كان قد اتّخذ في الكونغرس الأميركيّ بمنع تجهيز الجيش اللّبنانيّ بأسلحة قاتلة (مدافع، دبابات...) خوفاً من توجيه سلاح أميركيّ نحو "إسرائيل"! وهكذا كان الجيش اللبنانيّ بعد الطّائف مجهّزا بآليّات اميركيّة وبآليّات قتال روسيّة الصّنع قدّمها الجيش السّوريّ هبة مجّانيّة للجيش اللّبنانيّ وما تزال تشكّل القوّة النّاريّة الوحيدة في الجيش (نحو 200 دبابة ت 55 و 150 مدفع 122 ملم و 130 ملم وراجمات صواريخ...).

حصل الجيش اللّبنانيّ على هذه الآليّات من بقايا الآليّات الأميركيّة في القواعد الأميركيّة السّابقة في ألمانيا حيث عرضت في مزادات وكانت الأسعار رمزيّة إذ بلغ سعر الجيب 100 دولاروالشّاحنة 1000 دولار وناقلة الجند 150000 دولار وهذه أرقام زهيدة ورمزيّة بالمقارنة مع الأسعار الحقيقيّة لهذه الآليّات لو كانت جديدة.

بعد انسحاب الجيش السّوريّ عام 2005 توجّهت الأنظار نحو الجيش اللّبنانيّ الذي استطاع ملء الفراغ الأمنيّ في مختلف المناطق اللّبنانيّة معتمداً على توافق القوى السّياسيّة المتنازعة على دوره ودعمه في فرض الأمن ومنع تدهور الأوضاع في البلاد وشرذمتها. وخلافاً لما كان يشاع حول موقف المقاومة اللّبنانيّة المتمثّلة بحزب الله فقد كان أكثر حزب داعم للجيش ولم يتعرّض له لا بل شكّل مظلّة حماية كبيرة له رغم ما تلقّاه من الجيش من ضربات موجعة وخصوصاً عام 1993 في مجزرة جسر المطار وعام 2004 في حيّ السّلّم والجناح وعام 2008 في الشّيّاح- مار مخايل. لم ينجرّ حزب الله إلى أيّة ردّة فعل ضد الجيش بل عمل على ضبط محازبيه ومؤيّديه وجمهوره واظهر حرصه على وحدة وسلامة المؤسّسة العسكريّة.

تطلّع الأميركيّون وحلفاؤهم نحو الجيش باعتباره القوّة العسكريّة المذهلة لتحقيق الهدف المعلن وهو نزع سلاح المقاومة والذي يشاركهم في العمل لتحقيقه قوى محليّة وقوى عربيّة متعدّدة. ومن هنا برز الاهتمام الأميركيّ بالجيش ومحاولة استيعابه وتغيير عقيدته تمهيداً لتزويده بأسلحة قتاليّة تسمح له بشنّ معركة لنزع سلاح المقاومة.

كثرت زيارات الوفود العسكريّة الأميركيّة إلى لبنان وقامت بجولات واسعة على الوحدات العسكريّة من أفواج وألوية ومراكز تدريب، وهي زيارات نادرة الحصول في دولة ذات سيادة، إذ تقتصر العلاقات مع القيادة العسكريّة وحدها في حين تدعو القيادة الملحقين العسكريّين إلى تقديم عروض وايجازات عن الأوضاع العسكريّة والأمنيّة او لحضور مشاريع التّدريب.

وفي هذا المجال برز نشاط كبير للسّفارة الأميركيّة في بيروت وخصوصاً من النّاحية الاعلاميّة إذ سارعت الى تغطية أي اجتماع عسكريّ أميركيّ لبنانيّ في جميع وسائل الإعلام حتى أنّها أفردت في بعض الصّحف أكثر من نصف صفحة للحديث عن مناورة مشتركة أجراها الجيش اللّبنانيّ مع الأميركيّين حول استعمال الضّمادات الفرديّة (التي يستعملها الجرحى في المعارك) كما أكثر من حضور حفلات تخريج قوى الأمن الدّاخليّ حيث كان السّفير يحضر شخصيّاً تخريج دفعات إداريّة أو اختصاصيّة في قوى الأمن الدّاخليّ او الجيش وذلك من أجل بناء صورة إعلاميّة وسياسيّة حول احتضان الأميركيّين للجيش اللّبنانيّ.

إلا أنّ زيارة قائد المنطقة الوسطى في الجيش الأميركيّ مرّات عديدة إلى لبنان وزيارة مساعدي وزير الدّفاع الأميركيّ إضافة إلى زيارات مسؤوليّ وزارة الخارجيّة الأميركيّة لم تتمكّن بعد من تطوير تجهيز الجيش اللّبنانيّ وإلغاء قرار الكونغرس بعدم بيع الجيش أسلحة متتالية والاكتفاء بالآليّات والمعدّات الطّبّيّة واللّوجستيّة.

ولعلّ ما لفت الأنظار هو انّه بعدما غرق الجيش في قتال قريب في مخيم نهر البارد وتكبّد خسائر كبيرة لم يتحرّك الأميركيّون لتزويده بأسلحة قتال رغم أنّه كان يقاتل قوى إرهابيّة حسب التّوصيف الأميركيّ الذي جزم أنّ منظّمة فتح الإسلام هي من تنظيمات القاعدة.

وقد اضطر ذلك الجيش اللبنانيّ إلى ابتكار وسائل من أجل حسم المعركة أبرزها كان تركيب منصّات لإطلاق قذائف 500 رطل و 1000 رطل المعدة لإطلاقها من طائرات ميراج وهوكر هنتر، وذلك على طائرات هلكوبتر أميركيّة من طراز UH1 باعتها الولايات المتّحدة للبنان دون أي سلاح.

التّطوّر الوحيد في الموقف الأميركيّ خلال أحداث نهر البارد هو السّماح لدول عربيّة هي مصر والأردن والإمارات ببيع لبنان ذخيرة 155 ملم بعدما نفدت الذّخيرة في مستودعات الجيش، لكنّ هذه الذّخائر لم تكن عاملاً حاسماً في معركة البارد إذ جاء الحسم من سوريا التي زوّدت الجيش بخمسة آلاف قذيفة دبابة 55 كانت كافية مع قنابل الطائرات لتدمير المخيّم واحتلاله. وقد تبيّن أن الذّخائر المصريّة كان بعضها فاسداً ولم تكن دقيقة المواصفات وأدّت الى حوادث رمي في المدافع و إلى اخطاء في الرّمي ووقوع إصابات صديقة.

تعدّ زيارة وزير الدّفاع اللّبنانيّ إلياس المرّ إلى الولايات المتّحدة على رأس وفد مؤلّف من رئيس الأركان ومدير الإدارة وذلك لبحث تجهيز الجيش اللّبنانيّ محطّة نوعيّة في تطوّر العلاقة بين القيادة السّياسيّة التي ترعى الجيش وقيادة الجيش من جهة والولايات المتّحدة ووزارة الدّفاع تحديداً من جهة اخرى، ومن هنا كان الإصرار على إبقاء إلياس المرّ في وزارة الدّفاع الوطنيّ وقَبل الرّئيس سليمان ذلك لضمان تجهيز الجيش بأسلحة اميركيّة !

لكن كلّ هذه الاتّصالات واللّقاءات لم تزحزح الكونغرس ولا الإدارة الأميركيّة عن قرارها بعدم تجهيز الجيش بأسلحة قتاليّة، خوفاً من استعمالها ضد "اسرائيل " ولعدم ضمان استخدامها من أجل نزع سلاح المقاومة.

في هذه الأثناء وبعد انطلاقة العهد الجديد سرت شائعات عن نوايا أميركيّة في تجهيز الجيش بطائرات هلكوبتر تستطيع حمل وإطلاق صواريخ أي القيام بمهمّات مساندة جويّة للوحدات البرّيّة. لكن ذلك بقي في مجال الشّائعات. ولم يتزحزح الأميركيّون عن قرارهم حتى أنّهم منعوا بلجيكا من بيع 30 دبّابة قتاليّة إلى لبنان ومنعوا الكويت من تقديم 100 دبّابة فرنسيّة الصّنع موضوعة في المخازن، هبة إلى الجيش كذلك شمل المنع جميع الدول العربية وخصوصاً دول الخليج.

أمّا عن طائرات الغازيل التّسع التي قدّمتها دولة الإمارات العربيّة المتّحدة للبنان فقد جرى شحنها إلى لبنان وتبيّن أنّ جميعها معطّلة واستغرق الأمر مدّة سنة حتى تمكّن الفنّيّون في الجيش من إصلاح أربع منها قادرة على الطّيران لكنّها غير مجهّزة بأيّ سلاح. أمّا الطّائرات الخمس الباقية فلا أحد يعرف ما إذا كان بالإمكان تصليحها خاصّة انّ البعض تناقل معلومات عن تفكيك قطع من طائرات وتركيبها في أخرى!

يتّضح من مجرى عمليّات التّسليح انّ الولايات المتّحدة تعمد إلى تضخيم أيّ نشاط مشترك مع الجيش اللّبنانيّ في الإعلام لإظهار دعمها للمؤسّسة العسكريّة ومحاولة التيقّن من عقيدة الجيش وخلوّها من العداء ل" اسرائيل" ويدخل في هذا المجال حديث نائب وزير الدّفاع الأميركيّ لمحطة ال LBC أثناء زيارته إلى لبنان حيث قال: "لا أجد أي سبب للعداء بين لبنان وإسرائيل" ، لكنّ الوقائع على الأرض تحمل آلاف الأسباب لهذا العداء التّاريخيّ وهو ما يدركه تماماً السّياسيّون الأميركيّون في واشنطن أو سفراؤهم في لبنان.

في هذه المرحلة يدخل الجيش اللّبنانيّ في سباق عقائدي هل يؤدّي تسليحه وتجهيزه بأسلحة اميركيّة متطوّرة الى تغيير عقيدته وتوجيه السّلاح نحو المقاومة أم ينتظر الأميركيّون تغيير العقيدة اللّبنانيّة من اجل تجهيز الجيش بأسلحة قتال؟