ولمّة.. والعيون السود

العدد 6 كانون الأول 2005 : كمال حمودي
الاحد 25 كانون الأول (ديسمبر) 2005.
 
في خضم الحياة، الملأى بالتناقضات، المحكومة بالمفارقات والمسربلة بالآلام؟ نسترق لحظات قليلة من جماليات لا نتوقع حدوثها إلا لماماً، أو اقتناصاً، أو مصادفةً، أقل ما فيها، ندرتها.. حكاية جديدة تتكرر صورها في حانات سَلَمْية ونواديها الليلية المنتشرة كالفطر في هذه الأيام، أو في بيوتاتها التي بدأت تفقد ـ لازمتها ـ الثقافية، إن صحّ التعبير، وهي مكتباتها البيتية نتيجة الفقر وقلة ذات اليد على حساب رغيف الخبز، والفواتير المتراكمة، وأوجاع مزمنة لا يتجرأ أحد أن ينكأ جراحها أو يوقظها من سباتها القسري العميق، بعد أن كان رغيفنا المفضّل فيها ولا يزال هو الجرائد والصحف والمجلات ـ المشحونة ـ إليها في حافلات الصباح الباكر..

يرنّ جرس الهاتف، ألو، إسماعيل من دمشق على الطرف الآخر هامساً بهدوئه المعهود أنا قادم إلى سلمية ليوم أو بعض يوم.. خبر جميل، علي أن أبلغ بقية الأصدقاء ـ الشلة ـ لترتيب سهرة أخرى من سهراتنا الجميلة.. الشباب جاهزون، ساعات قليلة، ونكون في المكان المتفق عليه،ـ أهلاً بإسماعيل ـ التشكيلي المهم على مستوى الوطن السوري، الرقيق والشفاف إلى ما لا نهاية، المبدع والمتواضع بصمت كبير.. توافد الأصحاب، رياض بقامته القصيرة وكرشه الصغير وحماسه اللامحدود في الحديث عن الفن بلا توقف لساعات وساعات وعزاؤه الوحيد، أن اللون هو الجمالية التي لا تفسير لها، والتشكيل بحسب رأيه، هو إعادة ترميم للذات المتعبة والنفس التوّاقة للجمال..

وعبد الله بلحيته القصيرة، وقلقه الدائم، لسبب ودون سبب، وعينيه اللتين لا تستقران مكانهما للحظة واحدة، شيطان شعر.. يلقيه بحماس كبير، كمبشّر ـ صغير ـ ليضيف على شاعرية المكان الذي نلتقي فيه دفقاً وجدانياً حاراً، وذا مذاق خاص، ومنذر، بعينيه الزرقاوين الصافيتين الحادتين الشبيهتين بعيني صقر جارح، منذر ـ الصعلوك ـ بالفطرة، سيد الموقف والكلمة التي قلما يكررها في قاموسه الشعري والإبداعي، لاذع في نقده، رقيق في غزله، نديم كأس، جريء حتى آخر حد فيما يقول، ورديف الباحث عن ذاته بقلق كبير، وأمين الصامت أبداًيوزع ابتسامته الهادئة، مستمتعاً بما يسمع، محوطاً بالأصحاب الذين يذهب بهم الوقت الجميل إلى آخر حدود الكون، ساعات قليلة، تذوب في لحظات، يكون الشعر والخمر، كل شيء فيها.. أعرّج في فيافي الذاكرة على أصدقاء ظرفاء، لا تقل مجالستهم متعة وأنساً ونقاء.. عمار، الصديق النبيل، الذي ترك الفن، ولم يتركه الفن أبداً، وفراس الطبيب والشاعر، والصديق الجديد، يضيفان ألقاً خاصاً بحضورهما الذي لا بدّ منه..

لغة خفية، هي لغة الشعر، لغة الفن والإبداع، التي تربط هؤلاء الأصدقاء، تجمعهم كلما سنحت الفرص القليلة والبخيلة.. نجلو فيها أرواحنا الهائمة في هذا الكون الكبير.. أرواحنا التواقة للفن والجمال.