العدد السادس والثلاثون - تشرين الاول

في مناخ يوم القدس العالمي

من هبة البراق إلى انتفاضة الأقصى
الاحد 26 تشرين الأول (أكتوبر) 2008.
 

ينطوي الإعلان العالميّ ليوم القدس على دلالات استثنائيّة لعلّ أهمها ما يُستعاد اليوم من كلام حول مصير المدينة المقدّسة في نطاق حركة التّفاوض الفلسطينيّ الإسرائيليّ. فما من شك أنّ الصّراع على فلسطين ارتبط - منذ بداية الغزو الاستيطانيّ الصّهيونيّ
-  بالصّراع على مدينة القدس. ورغم وجود احتكاكات قديمة في المدينة, بين السّكان الذين ينتمون إلى الدّيانات السّماويّة الثّلاث, غير أنّ اتّخاذها طابع الاحتدام  ثمّ العنف, هو نتيجة لمشروع الصّهيونيّة السّياسيّ, السّاعي إلى غزو فلسطين, والذّريعة اعتمدت على الرّواية التّوراتيّة للتّاريخ ( فلسطين هي أرض الميعاد, والقدس هي أورشليم , وفيها جبل الهيكل, الذي يرمز لمملكة اليهود المدَعاة , أما حائط البراق, فهو توراتيّاً يسمى حائط المبكى على دمار الهيكل الثّاني )

 ولا يخفى على أيّ مراقب موضوعيّ ومحايد, أنّ العنف الذي شهدته أرض فلسطين عموما, وحول مدينة القدس خاصّة, هو تحصيل حاصل لتصاعد وتيرة التدفّق الاستيطانيّ اليهوديّ , وبالذّات بعد الحرب العالميّة الأولى التي ترافقت نهاياتها مع مايسمّى وعد بلفور1917, والذي بمقتضاه أُعطِيَ للصّهيونيّة الحقّ بإقامة " الوطن القوميّ لليهود" على أرض فلسطين.

 كانت أوّل مواجهة عنيفة بين العرب واليهود, في القرن العشرين, مرتبطة بالقدس, وفي خواتيم القرن نفسه, كانت الانتفاضة الثّانية " انتفاضة الأقصى".

 المواجهة الأولى ( آب/ أغسطس1929) عرفت بهبة البراق, وكانت الشّرارة التي فجّرتها, تظاهرة استفزازيّة قام بها أتباع جابوتنسكي, قرب الحرم القدسيّ الشّريف, وراحوا يهتفون" الحائط حائطنا", وفي اليوم السّابق لتظاهرة الاستفزاز في القدس(14آب) كانوا قد فعلوا ذلك في تلّ أبيب, وحذّرتهم شرطة الانتداب من تكرارها في القدس ولم يمتثلوا .

 استفزّت تلك التّظاهرة مشاعر الفلسطينيين, وتصادف 16آب يوم جمعة تقام فيه الصّلاة بالمسجد الأقصى, وتحوّلت الصّلاة إلى تظاهرة للرّدّ على استفزازات اليوم السّابق من جماعة جابوتنسكي. وحدث اشتباك محدود, لكنّ المواجهات العنيفة والشّاملة, كانت يوم الجمعة اللّاحق( 23آب) الذي تصادف مع مناسبة المولد النّبويّ الشّريف, حيث من عادة  المسلمين التّجمع من المدن كافة, لأداء الصّلاة والشّعائر في الحرم القدسيّ, ولم يكن احتفالهم عاديّاً, لأنّ الاستفزاز الصّهيوني في15 آب, حرّك مخاوفهم على مقدّساتهم وأرض بلادهم, فخرجوا بعد الصّلاة مسلّحين بالعصي والهراوات والسّكاكين, واشتبكوا بجمهرة يهوديّة, ثم اتّسعت الاشتباكات لتصل إلى الحيّ اليهوديّ بالقدس والمستعمرات المحيطة به, إلى أن تدخّلت القوّات البريطانيّة بالمصفّحات والطّائرات, وتمّت السّيطرة على الوضع في القدس لكنّ الأحداث انتقلت إلى غالبيّة المدن الفلسطينيّة , خاصّة تلك التي بدأ الاستيطان فيها يتطاول وينتشر, وهو ماجعل الهبة بمثابة " الثّورة الفلسطينيّة الأولى" التي وإن تفجّرت بسبب القدس, لكنّها عبّرت عن تصادمها مع الغزو الصّهيونيّ للبلاد كافّة.

 الملفت في الأمر هو موقف سلطات الانتداب من الأحداث في حينه, فرغم المسؤوليّة الواضحة التي تتحمّلها الجماعات الصّهيونيّة عن تداعيات أعمالها الاستفزازيّة, أصدر المندوب السّامي بياناً عنيفاً حمّل فيه العرب مسؤوليّة ماجرى, واتّهمهم بارتكاب مجازر, ووصفهم بالمتعطّشين للدّماء. وأقدّمت السّلطات البريطانيّة على حملات عسكريّة ضدّ العرب راح ضحيّتها116 شهيداً و232جريحاً, وتمّ تقديم أكثر من 1000شخص للمحاكمة, جاءت نتائجها الجائرة على العرب في حزيران1930, حين أعدمت بريطانيا ثلاثة من المناضلين الفلسطينيّين في سجن عكا وهم ( عطا الزير ومحمد جمجوم وفؤاد حجازي).

 غير أنّ النّتائج البعيدة والعميقة لثورة البراق , ورغم الانحياز البريطانيّ ( حكومة الانتداب) إلى جانب الصّهاينة, كانت إيجابيّة على مستوى النّضال الفلسطينيّ, الذي نشط بعد فترة ركود, كما تطوّر الوعي للعلاقة بين الانتداب والمشروع الصّهيونيّ بشكل ملموس.

ومع تصاعد الصّراع , كانت القدس في عين المواجهة, خاصّة بعد احتلالها في عدوان حزيران1967, واندفاع المخطّطات "الإسرائيليّة" لاجتثاث ماتحت الأرض وما فوقها, لتأكيد الرّواية اليهوديّة التّوراتيّة لتاريخ المدينة ومقدّساتها, فهي ليست لأحد سواهم, وتاريخها هو الهيكل والمبكى, أمّا كنائسها ومساجدها, فهي طارئة بنظر الأيديولوجيّين الصّهاينة. وفي سبيل ذلك جرت أكثر من محاولة لإلغاء الطّابع العربيّ الإسلاميّ والمسيحيّ عن المدينة, منها ماقام به أفراد مشبعون بالحقد العنصريّ, ومنها وهو الأخطر ما تقدم عليه الحكومات المتعاقبة, بخطط رسميّة "شرعيّة". مثل الحفريّات لتقويض الأقصى باسم البحث عن الهيكل وعظام زعماء اليهود المفترضين, وكذلك التوسّع في البناء الاستيطاني, ومصادرة المساكن العربيّة بغطاء التّطوير العمرانيّ . ومحولات تفريغ القسم الشّرقي من المدينة من أصحابه الفلسطينيّين, هذا فضلاً عن ضمّ قسمي المدينة وإعلان السّيادة الإسرائيليّة عليهما, ثم ابتداع مايدعى القدس الكبرى , التي تبتلع أجزاء واسعة من قرى ومدن الضّفّة الغربيّة, والأمر الأهمّ والأكثر دلالة على حقيقة الأهداف "الإسرائيليّة" إزاء القدس, هو تحييد فكرة التّفاوض حولها مع السّلطة الفلسطينيّة والإجماع الإسرائيليّ شبه المطلق على رفض أيّ تبديل فيها يتعارض مع المخطط الصّهيونيّ.

 مافعله جابوتنسكي في العشرينيّات من القرن الماضي كرّره شارون في أيلول2000, في مزايدة بوجه رئيس وزرائه آنذاك ( إيهود براك), الذي كان يرتّب حفل عشاء خاص في منزله لياسر عرفات, فقام باجتياح للحرم بصحبة وحماية ثلاثة آلاف جندي, وليرسل بذلك قرار اتّهام لبراك بأنّه يساوم مع عرفات على قضايا الحلّ, واختار القدس في زيارته الاستفزازيّة لما لها من إجماع في الوسط اليهوديّ.

 من جابوتنسكي إلى شارون, ومن ثورة البراق 1929إلى انتفاضة الأقصى 2000, يحتدم الصّراع , والقدس تكثف أبعاده ومعانيه ورموزه, ومعركة القدس ليست جغرافيا ولاديموغرافيا, أو أيديولوجيا, ولا هي معركة أديان, أو تزايد الاستيطان, إنّها معركة التّصدّي للغزو العنصريّ الاستيطانيّ الصّهيوني لفلسطين, وبحسمه تحلّ الجغرافيا ويُنهى الاستيطان وتتعايش الأديان, وتُحمى المقدّسات للجميع , والمواجهة ستبقى مفتوحة طالما هناك صهيونيّة في فلسطين تضع القدس كلمة سرّ لتأكيد حقّ زائف لليهود في فلسطين.

نورس مصطفى

كاتب فلسطيني