العدد السادس والثلاثون - تشرين الاول

في اليوم العالمي للقدس

أهداف سياسيّة بغطاء جغرافيّ وديموغرافيّ
الاحد 26 تشرين الأول (أكتوبر) 2008.
 

رغم ادّعاء "إسرائيل" قبولها قرار الأمم المتّحدة181, الذي يقضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين, وإبقاء القدس تحت سلطة الأمم المتحدة, لضمان بقائها مفتوحة للأديان الثّلاثة, غير أنّها يوم إعلان قيام الدّولة, أعلنت القدس الغربيّة عاصمة لها, وهو ما يكشف عن استخدام الصّهيونيّة قرار التّقسيم لانتزاع الرّعايّة الدّوليّة الشّرعيّة لوجودها, أمّا ما تبقّى فلا أهميّة له إلا بما ينسجم مع مشروعها وضرورات تقدّمه واتّساعه.

 وبعد حرب 1967, وسقوط القسم الشّرقيّ من القدس تحت الاحتلال , كما هو حال الضّفّة الغربيّة بالكامل , سرعان ما أعلنت الحكومة الإسرائيليّة مدينة القدس" الموحّدة" تحت "السّيادة الإسرائيليّة" , وعاصمة للدّولة العبريّة. وفي ذلك الوقت كانت عبارة" القدس الكبرى تعني شطريّ المدينة الشّرقيّ والغربيّ.

 لكن اتّساع الرّقعة الجغرافيّة من الأرض التي باتت تسمى

" القدس الكبرى" بالتّعبير "الإسرائيليّ," جاء تعبيراً سياسيّاً أكثر منه جغرافيّاً, وله جذوره في رؤيا "إسرائيليّة" لقدس بلديّة تتوسّع إلى داخل ضواحي المدينة العربيّة, وإلى مناطق أبعد تقع داخل المناطق الفلسطينيّة التي احتلّت في حرب حزيران.

 والمفارقة التي تظهرها فكرة القدس الكبرى, هي أنّ أشدّ المتحمّسين لها, إسحق رابين, الذي وقّع مع ياسر عرفات إتفاق أوسلو1993. فهو كان قد اقترح, من موقعه في رئاسة الأركان , على حكومته, منذ العام 1967, أن تضمّ جزءاً كبيراً من الضّفّة الغربيّة إلى القدس, أوسع بكثير من الذي أقره الزّعماء السّياسيّون. وبعيد وصوله إلى السّلطة 1992, قال في تصريح له : " لايمكن لنا أن نعرِف القدس والمناطق المحيطة بأنها تمثّل موضوعاً سياسيّاً أو أمنيّاً. إنّ القدس الموحّدة تحت السّيادة "الإسرائيليّة" ستبقى عاصمتنا إلى الأبد, وهي بالنّسبة لنا بمثابة القلب والرّوح للشّعب اليهوديّ.

 أمّا البند الذي تضمّنه اتّفاق أوسلو, بما يتعلّق بالقدس, بإرجاء البحث بوضع المدينة إلى مابعد المرحلة الانتقاليّة, على أن يلتزم الطرفان, الفلسطينيّ و"الإسرائيليّ", عدم إجراء أيّة تبديلات أوتعديلات على وضعها إلى حين الوصول لمرحلة المفاوضات النّهائيّة, فلقد بقي حبراً على ورق, من جانب واحد هو "إسرائيل", فتوسّع البناء في الأحياء الشّرقيّة من المدينة , وتمدّدت المنشآت الاستيطانيّة إلى خارج حدود بلديّة القدس " الموحّدة" لتلحق بها مناطق تابعة لبلديّات مدن عربيّة مثل بيت لحم وبيت ساحور وحتى رام الله. ربما كان واجب المفاوض الفلسطينيّ أن يثبت نصّاَ يحدّد التزام "إسرائيل" عدم إجراء تغييرات على وضع القدس , لا أن يشير إلى طرفين, لأنّ من يعبث بالمدينة ويهدّد طابعها ويسعى إلى إلغاء تاريخها هو الطّرف الإسرائيليّ.

 ثمّة دلالة هامّة في مسألة " القدس الكبرى" يبيّنها دخول المصطلح إلى القاموس السّياسيّ للصّراع العربيّ - الإسرائيليّ, باعتماده لدى الإدارة الأميركيّة, حين اعترفت الولايات المتّحدة بالأمر ,أوّل مرة, في تقرير صادر عن وزارة الخارجيّة( نيسان 1993), موجّه إلى الكونغرس, جاء فيه " أنّ حكومة رابين قد أكّدت عزمها على المثابرة على بناء المستوطنات في المنطقة المحيطة بمدينة القدس, البالغة مساحتها 100 ميل مربّع والمعروفة باسم القدس الكبرى".

 في السّبعينات كانت اللّفظة تستخدم في "إسرائيل" لوصف حدود المدينة, بما في ذلك تلك الضّواحي المبنيّة حديثاً, أي التّلّة الفرنسيّة, وغيلو, ونبي يعقوب, وهي من المناطق التي احتلّتها "إسرائيل" في حزيران 1967وقامت بضمّها. لكن

" القدس الكبرى" تشمل اليوم جزءاً كبيراً من أراضي الضّفّة الغربيّة. يقول أحد الأعضاء السّابقين في مجلس المدينة البلديّ( موشيه عميراف) : إنّ المنطقة الواقعة بين رام الله شمالاً, وبيت لحم جنوباً , ومعاليه أدوميم شرقاً, وميفا سيريت غرباً, هي منطقة بلديّة واحدة.

 ويجب أن نلاحظ استبعاد الإعلام الإسرائيليّ مفردة

" استيطان ومستوطنات" حين يجري الحديث عن التوسّع في البناء والمنشآت في حدود ما يسمى " القدس الكبرى"

الأمر الذي يعني رفض "إسرائيل" أي تفاوض حول تلك المستوطنات والأحياء في المراحل اللاحقة, فهي تعتبرها قانونيّة تماماً وأيّ بحث بشأنها يمسّ "السّيادة الإسرائيليّة", ويهدّد أمن "إسرائيل".

 ولعل تسارع البناء والإنشاءات العمرانيّة في حدود القدس الكبرى, التي لايعرفها أحد أين تنتهي, يكشف عن المستقبل الذي ترسمه "إسرائيل", ليس لمدينة القدس وحسب, بل للضّفّة الغربيّة بكاملها, بل لمصير القضيّة الفلسطينيّة بكاملها, كما ترغب به "إسرائيل". فالحاجات الاستيطانيّة , التي تراجعت في السّنوات الأخيرة, قياساً بأعداد القادمين الجدد من اليهود, ليست هي المحرك للتوسّع في القدس الكبرى, وعلى افتراض ذلك , فهناك مساحات من الأرض التي تحتلّها "إسرائيل" بعيداً عن القدس , يمكن البناء فيها. لكن الحقيقة التي لاتحتاج معرفتها جهداً, ولاتواجه لبساً أو تعقيداً, هي أنّ "إسرائيل" في زمن التّفاوض تسعى لاستكمال مالم تنجزه في زمن الحروب والمواجهات, وهو تحويل الشّعب الفلسطينيّ إلى ذرّات متناثرة متباعدة غير مستقرة على الأرض , وعاجز عن الحياة فيها. ذلك شرط لازم , لاغنى عنه, لما يدعى" أمن إسرائيل". الجغرافيا والدّيموغرافيا ليستا المحرك لمعدّلات العمل بقدس كبرى "إسرائيليّة", إنّها السّياسات الاستراتيجيّة العليا, والأيديولوجيا المزيّفة التي تخدم تلك السّياسات.

 لكنها سياسات بدأت تتهاوى , وأيديولوجيا مهلهلة حتى في نفوس معتنقيها !! 

مصطفى الولي