العدد السادس والثلاثون - تشرين الاول

أصوات من قلعة دمشق

عائدة سلامة
الاحد 26 تشرين الأول (أكتوبر) 2008.
 

لم يخطر ببالي وأنا أتوجّه إلى قلعة دمشق لحضور حفل زياد رحباني الموسيقيّ في باحتها .. أقول لم يخطر ببالي أن تنتابني صور تلك القلعة المترسّبة في قعر ذاكرتي ..فها أنا أضع للتّوّ من يدي كتاب مذكّرات السّيّدة جولييت المير تلك الذّكريات المرّة التي وصفت في أجزاء منها معاناتها في سجن قلعة دمشق وصفاً ما زال يرنّ كالصّدى في جنبات جمجمتي ، ما إن أقتربت من بابها المطلّ على شارع النّصر وشاهدت الجمهرة على جنبات ذاك الباب حتى تناهت إليّ أصوات ما يسمى الزّيارة أي أصوات هؤلاء النّاس ممّن لهم سجناء في الجهة الثّانية من الباب ..ربما أخذتني لوهلة عذابات هؤلاء والسّيّدة جولييت المير واحدة منهم تردّدت في الاقتراب ولكن وكأن بالرحباني زياد يدفع بي لأجرب الإنصات إلى أصوات الإنسان. اقتربت من الباب المقوّس وولجته دون أنّ أحسّ بما حولي من لغط وكلمات فانفسحت أمامي باحة السّجن ودعتني للتّنفّس بطريقة جديدة .

ما إن استوى زياد على كرسيّ البيانو وبدأت أصابعه بالعبث في مفاتيحه حتى تحوّلت الأحجار الكبيرة والقاسية وقضبان الشّبابيك الحديديّة وأشجار الكينا المتطاولة كآهات السّجناء المنتظرين إلى أيدٍ راقصة تنادي على أهل دمشق أن يرنوا إلى هبات الحنان الصّاعدة من هذه الباحة المحاطة بحجارة القلاع .

من قلعة دمشق مكان الآهات المكبوتة تطايرت الآهات المبهورة بروح البهجة خندقنا الأخير في هذه الحياة ماحياً بمقطوعاته ملامح السّجن لتبقى سماء دمشق بقمرها مساحة للرّقص والرّكض والطّيران ، والنّاس تتمايل بصمت على وقع افتتاحيّة جسر القمر وتنطّ القلوب في صدورها على إيقاع أبوعلى وتشوشح المناديل وهي تستمع إلى الشّدو الجميل .. لقد حرّر زياد الأرواح من ذاكرتها المترسّبة ولون الجدران القاسية بألوان الطّفولة القادمة ..لم يقنعنا زياد أنّ هذا المكان ليس سجناً.. بل أقنعنا وبالموسيقا أنّه لم يكن سجناً قطّ . 

عائدة سلامة ـ مرمريتا