العدد السادس والثلاثون - تشرين الاول

خالد يوسف لتحولات :

ليس هناك تناقض بين المقاومة والدّيموقراطيّة والانفتاح على العالم
الاحد 26 تشرين الأول (أكتوبر) 2008.
 

هو المخرج الثّائر على العاديّ والمألوف والمتبنّي لقضايا المجتمع والإنسان. وصفوه بالمتاجرة بآلام الفقراء وآخرون اعتبروه مناصراً لأحلامهم، أمّا هو فيعتبر نفسه الرّافض لواقع ضاعت منه الأحلام!

إنّه المخرج المصريّ المثير للجدل خالد يوسف، التقته "تحوّلات" في بيروت في هذا اللّقاء الخاصّ:

 

تقول أنّ العشوائيّة التي نعيشها اليوم تؤدّي إلى الفوضى. فهل تقصد عشوائيّة الأنظمة أم المجتمع؟

هنا أقصد المجتمع بشكل عام حكومة وسلطة وشعب والموجود على أرض الواقع هو مقدّمات فوضى عارمة لن تُبقي شيئًا إذا استمرّت الأوضاع على ما هو عليه من فقر وتخلّف واستبداد. والفوضى التي أتحدّث عنها ليست الفوضى المنظّمة أو الخلاقة التي يتحدّثون عنها والتي يمكن أن تؤدّي إلى التّغيير بل هي فوضى عشوائيّة.

 

وهل تكون مواجهة هذه الفوضى بالثّورة من خلال ضخّ قيم جديدة داخل المجتمع؟

الحلّ من خلال  تغيير الأنظمة والسّلطة الموجودة ونمط التّفكير العشوائيّ الذي نعتمده ربما من خلال الثّورة أو إطار ديموقراطيّ سلميّ لا أعرف !

 

تقول أنّ رسالة الفنّ ترتكز على إثارة الجدل وطرح الأسئلة. أي أسئلة يمكن أن يطرحها مبدعون يمارسون الرّقابة الذّاتيّة لأنهم يخافون من السّقوط الإجتماعي إذا قدّموا صورة لم يتوقّّّعها الجمهور؟

إذا لم يكن المثقّف مستعدّاً لدفع ضريبة ما يقوله حتى لو اصطدم بمجتمعه فهو لا يستحقّ أن يكون في موقعه. وبالنّسبة لي آخذ مواقف تتناقض مع قناعات النّاس والسّلطة ومستعدّ لدفع ضريبة مواقفي. لأنّ أيّ إنجاز حضاريّ لا يمكن أن يحدث دون تصادم كما أنّ وظيفة المبدع هو الحلم بواقع أجمل وبالتاّلي هو لا يرضى عن الواقع الذي يعيش فيه. لذلك يجب أن يكون على يسار السّلطة والمجتمع وقناعات النّاس.

 

من يحارب الإبداع اليوم: السّلطة أم أصوليّة المجتمع؟

الإبداع تواجهه السّلطة مهما كانت سواء السّلطة الدّينيّة أو الحاكمة أو سلطة العادات والتّقاليد أو الموروثات أو السّلطة الأخلاقيّة.

 

أين هو الموقف النّقديّ للمثقّف العربيّ في مواجهة خطابين: أحدهما ليبراليّ يدعو العرب للاستسلام دون شروط وآخر متطرّف؟

من المغالطة تكريس خطابين ثقافيّين أحدهما متعصّب والآخر مستسلم، لأنّه توجد العديد من الفرق التي ترفض الاستسلام والتّعصّب، ولا ترى تناقضاً بين المقاومة والدّيموقراطيّة والانفتاح على العالم. فهذه الفرق لديها أفكار وثوابت مرنة، قابلة للأخذ والرّدّ والحوار من أجل التّحرّر، وتدعو إلى إعادة ترتيب أوراقنا دون التّزحزح عن ثوابتنا الوطنيّة.

 

هل نستطيع فصل الفنّ عن السّياسة؟

لا يوجد لدينا هذه الرّفاهية. وفي مجتمعاتنا من الصّعب تطبيق نظرية الفنّ للفنّ، لأنّها على هامش حياتنا وبالتّالي لن يكون لديها متلقٍّ. أمّا السّينما فهي "حدّوتة مرئيّة"، يجب أن تكون مسليّة وتمتلك وسائل المتعة البصريّة ومن خلال ذلك ألقي الضّوء على إشكاليّة ما أو أرمي حجراً في البحيرة الرّاكدة في مجتمعنا لأعرّي الواقع. وهنا يكتسب الفنّ أهمّيته من حيث الجدل الذي يفتح بينه وبين المجتمع حول القضيّة التي يطرحها الفيلم.

 

ماذا يستطيع أن يغيّر الفنّ أم عليه أن يطرح تساؤلات فقط أو يقدّم حلولاً معيّنة؟

الفنون عامّة لا تطرح حلولاً بل تساؤلات. وإذا قدّمنا الحلّ في الفيلم السّينمائيّ فهذا يعني أنّنا نصادر رأي المشاهد في التّفكير في حلول أخرى. ولكن من خلال الأٍسئلة التي نطرحها يستطيع المشاهد أن يرى الإجابات، لأنّ الثّورة لن تخلق من رحم فيلم سينمائيّ، ولكنّه يساهم في تشكيل وجدان أمّة . من هنا يعتبر الإبداع أحد أنواع الخلاص.

هل على المثقّف أن يشارك في الأحداث الكبرى التي يمرّ بها مجتمعه؟

يجب على المثقّف أن ينزل على الأرض وإلا فقد أهمّيته عند عدم احتكاكه المباشر بالقضايا الكبرى التي لها علاقة بالقهر والظّلم في عالمنا العربيّ. فيجب أن ينزل إلى الشّارع ويشارك في التّظاهرات، لأنّ هذا جزء من ثقافته خصوصاً أنّه صاحب حلم دائم بواقع أفضل! ولتحقيق ذلك يجب أن يكون على اتّصال بكلّ ما يحدث حتى يعمل على تحسينه، حتّى لو اصطدم بتقاليد وموروثات أو سلطة. لذلك يخوض المبدع من خلال عمله مغامرة ينتقد خلالها الواقع!

 

ولكن هل التّصدّي للواقع وتجسيد الهزائم والانتصارات يجب أن يكون آنيّا؟

إذا كنا نقصد هنا الفيلم السّينمائيّ فيجب أن نأخذ مسافة عن الحماسة المتعلّقة بالحدث حتّى تكون التّجربة ناجحة، لأنّ الفنّ ليس تحقيقاً صحفيّاً بل عمل يتّسم بالعمق العمريّ!

 

كلّ المثقفين العرب يرفضون التّطبيع الثّقافي مع " إسرائيل"...

(يقاطع) كلمة التّطبيع تستفزّني، لأنّه لا يوجد تطبيع بيننا وبين "إسرائيل". فهي ليست جارة قامت باحتلال قطعة من أرضي وكان لديّ علاقات معها وأريد أن أستعيد أرضي وأعيد علاقاتي الطّبيعيّة معها. لذلك فكلمة التّطّبيع خاطئة فكريّاً ولغويّاً!

 

ولكن يشارك المثقّفون والفنّانون العرب في مهرجانات عالميّة تشارك فيها "إسرائيل" أيضاً. فماذا تسمّي ذلك؟!

في المنتديات العالميّة لا نستطيع إجبارهم على منع استقبال الأعمال" الإسرائيليّة". فمثلاً عندما نشارك في مهرجان "كان" السّينمائيّ نمثّل ثقافتنا العربيّة رغم وجود "الإسرائيليّين" أمّا انسحابنا فلن يكون مجدياً، خصوصاً أنّ المقاطعة الفرديّة للمهرجانات الثّقافيّة العالميّة ليست مفيدة إذا لم تدعمها مؤسسات كبرى. وللأسف المؤسّسات الثّقافيّة الرّسميّة العربيّة لم تناصر المثقّفين العرب ولم تدعمهم وبالتّالي يضيع المجهود الفرديّ وسط بحر إعلاميّ كبير تسيطر عليه الصّهيونيّة العالميّة. فعند مشاركتي لمهرجان" سان فرنسيسكو" دعتني أستاذة في جامعة كاليفورنيا للمشاركة في تظاهرة نظّمها الطّلاب والأساتذة العرب ضد إدارة الجامعة لأنها تستثمر أموالها في "إسرائيل"، وذلك بعيد انطلاق الإنتفاضة الفلسطينيّة عام 2000 ولكنّي فوجئت في المقابل بمظاهرة ضخمة مناصرة ل"إٍسرائيل". وإذا كنت إنساناً محايداً لا أعرف شيئاً عن العرب سأنحاز إلى العدد الكبير وأهمل شعارات بعض الأفراد العرب!

 

يقال أنّ بعض المثقّفين يخضعون أنفسهم لرقابة الذّاتيّة خصوصاً في المجتمعات المحافظة ، أليس هذا إجراء وقائيّاً؟

سيفشل الفنّان إذا فكّر في الرّقابة، لأنّ الفنّ هو حلم! فعندما دعا " قاسم أمين" إلى تحرير المرأة لم يفكّر بل نفّذ. وكذلك فعل جان جاك روسو الذي حلم بالحرّيّة والمساواة التي تحقّقت عبر الثّورة بعد 200 عام على وفاته وعلى نفس المبادىء التي كانت سبباً في إعدامه بعد أن اصطدم بسلطات دينيّة وأخلاقيّة وموروثات اجتماعيّة. لذلك هناك بعض المثقّفين الذين يملكون تقنيّة التّخطيط وآخرين قادرين على الحلم دفعة واحدة أو تأتيهم الفكرة كأضغاث أحلام مفتّتة. لذلك المواجهة هي التي تفرض نفسها سواء كانت متدرّجة أو صادمة وهذا ما لا نستطيع أن نتحكّم فيه، لأنّنا لا نقدّم عملاً سياسيّاً يجب التّخطيط له. ولكن ما أؤكّد عليه أنّه لا يوجد إنجاز تاريخيّ أو حضاريّ لأي أمّة لم يحدث دون الاصطدام بالواقع والقناعات الموجودة. لذلك لا يجب على المبدع أن يخنق الرّقابة الذّاتيّة، لأنّ حلمه ربما يكون الوحيد القادرعلى تقدّم المجتمع.

 

هناك من يرى أنّ خالد يوسف يستغلّ قضايا الفقراء وأطفال الشّوارع ويتاجر بآلامهم. وهناك من يقول أنّه يفضح المجتمع العربيّ ليقدّمه هدية "للأمريكان". كيف تعلّق؟

لن أعلّق، ولكن أتذكّر هنا أنّني عندما صوّرت فيلم "العاصفة" اسميته حفر الباطن، وهي المنطقة التي حدثت فيها حرب الخليج الثّانية، لأنّ سبب مأساتنا العربيّة أنّنا لم نحفر باطناً بعد، ولم نضع تناقضاتنا على الطّاولة لمعرفة الاختلافات فيما بيننا رغم الثّقافة الواحدة التي تجمعنا حتى نصل إلى ما يسمّى "أمّة".

 

ما هو هاجسك اليوم؟

درجة الوعي عند الشّارع العربيّ هو هاجسي، لأنّ الحكومات العربيّة استهدفت وعي الأجيال الجديدة. لذلك أخاف من أن تكون نجحت في تسطيح عقل هذه الأجيال وتخريب وجدانها وبالتّالي لا يمكن أن تصلح لصناعة المستقبل.

Insert

أبحث عن مشروع يكرّس ثقافة المقاومة في مواجهة ثقافة الاستسلام

 

حاورته: أسماء وهبة

تصوير: أكرم عبد الخالق