العدد السادس والثلاثون - تشرين الاول

خيال لغوي للزّمن الآتي

نادية كريت
الاحد 26 تشرين الأول (أكتوبر) 2008.
 

 في كتابــه  Le signe  أي الدّلالة أو الإشارة يقول " امبرتو ايكو "  Emberto Eco “ " إنّ الدّلالة عنصر في سياق الاتّصال لأنّه يستعمل لإيصال معلومة ما ، أو ليدلّ على شيء يعرفه المرء و يريد إيصاله الى الاخرين ايضا وبالتّالي نستطيع أن نقول عن هذا العنصر أن إيصاله يتحقّق ضمن السّياق التّالي :

 الينبوع  المرسل القنال الرّسالــة المتلقّــي

 وإذا قمنا بدراسة الدّلالة أو Signe  ، نستطيع أن نقول أنّ هذه الدّلالة تدرس من نواحٍ ثلاث :

 

-  النّاحية الدّلالية بحيث إنّ الإشارة مرتبطة بالذي تعنيه

-  النّاحية التّركيبيّة أو النّحويّة

-  النّاحية العمليّة أو النّفعيّة بحيث إنّ الإشارة لها تأثيرها على المتلقّي .

 

أمّا حول مهمة القاموس أو المعجم فيقول أنّها ألسنيّة بحتة وليس ، كالموسوعة التي من مهامها اأن تشدّد على معرفتنا للعالم المحيط بنا ، أمّا بالنذسبة للعلاقة القائمة بين الدّلالة والفكرة والواقع ، فهنالك عدة طروحات منها :

-  هنالك علاقة بين شكل الإشارات المعقّدة وشكل الفكرة

-  هنالك علاقة بين الإشارات البسيطة والأشياء التي تدلّ عليها .

-  هنالك علاقة بين شكل الدّلالات المعقّدة وشكل الأحداث التي تصفها الخ....

 

 أمّا فيما يتعلّق بشكل L’incone  " أو الأيقونة أوالشّكل أو الرّسم أو الصّورة وهذه دراسة مهمّة لنتمكّن من فهم ما سيأتي أو يتبع في دراستنا هذه خاصّة فيما يختصّ بالنّاحية الخطيّة إو الكتابيّة أو الرّسميّة في هذا القاموس فيقول "Eco " أنّ العقليّة البدائيّة هي التي تخلط بين الدّلالات أو الأشياء "Images " وهنالك علاقة متبادلة بين الدّلالة والشّيء الذي يرمز إليها . إذا آردنا أن نبرهن أنّ صورة الشّيء تعني هذا الشّيء علينا أن نحّدد مايلــي :

-  إنّ الإشارات الصّوريّة لديها نفس خصائص الشّيء (Objet  )

-  إنّ الإشارات الصّورية متطابقة مع الشيء

-  إنّ الإشارات الصّورية عليها أن تكون مماثلة للشّيء

-  إنّ الإشارات الصّوريّة عليها أن تكون معلّلة بالشّيء ذاته

 

بما أنّ الدّلالة تكون صوريّة بحتة عندما تكون قادرة على تمثيل الشّيء نفسه وذلك عن طريق التّماثل أو المحاكاة . حتّى ما يسمى بال " “ Portrait في

الفنّ التّشكيلي، ( أي صورة تمثّل الشّخص كلّه) فهو غير مطابق تماماً للحقيقة الصّوريّة ذاتها للشّخص ، كذلك فإنّ " السّينما " أكثر صوريّة من الفنّ التّشكيليّ، ولكن أيضاً لحدود معيّنة . على الصّورة أن تكون نسخة للشّيء ...

 وثمّة سؤال يطرح هنا : لماذا العقليّة البدائيّة هي التي تخلط بين الدّلالات أو الأشياء أو الصّور أو  Images  خاصّة وإنّ حضارة الصّورة حاليّاً تقدّمت وبسرعة هائلة على حضارة اللّغة ؟؟ لننظر حولنا بدقّة !! إنّ الاكتشافات المذهلة في ميدان التّواصل Communication  قائمة على مبدأ الشّاشة أيّ الصّورة ! التّلفاز ، الخليوي ، الحاسوب، الانترنيت وغيرها ! وكلّ وسائل الاتّصال التي سيبدعها الخيال العلميّ في العصور القادمة، ولن يتوقف عن إبداعها .

 علــى صعيــد خطـــى :

 نحن في طور عودة الى الخطّ الهيروغليفيّ Hieroglyphe  هذا الخطّ المصريّ القديم كان صوريّاً ! الصّور تمثّل الأشياء الطّبيعيّة أو التي ابتدعها الإنسان ... نباتات ، صور آلهة ، بشر، حيوانات الخ... كلّ صورة تعبّر عن العنصر عينه . ولقد دامت هذه الألفباء مدّة ثلاثة آلاف سنة ، منذ ماقبل المسيح وبعده كان من مبدأ ال Logo  هو السّائد أثناءها ، كان هنالك ما يناهز السّتّة آلاف Logos  أو صورة !! هذا النّوع من الكتابة كان ينقش فوق ألواح الطّين والحجر والشّمع والمعادن وغيرها . بينما في أيّامنا هذه تظهر هذه الصّور على كافّة الشّاشات ولثوان معدودة ، بل لأقلّ من ثانية ! . نحن بصدد اتّصالات ميكانيكيّة تكتفي بلغة الصّور لكسب الزّمن ، بمنأى عن التّعبير عن أعماق النّفس البشريّة . عصر " الرّومانسيّة " ولّى إلى غيررجعة... عصر" الكلاسيكيّة " الذي أسدى الأهميّة القصوى لدراسة حقيقة الإنسان الأزليّة وتعقيد الطّبائع البشريّة والأهواء الكامنة داخل كلّ فرد ولّى أيضاً إلى غير عودة . الفلسفات كافة التي طبعت العصور ستنهار ... قريباً ينتهي عصر الرّسائل الخطيّة أو التّعبير الخطيّ . نحن نشهد وسنشهد موت الكلمة والحرف " حضارة " الأبجديّة " كانت حضارة " وسطيّة" Intermediaire “ ،

مابين الصّورة الهيروغليفيّة والخطّ ، ومن ثمّ عودة إلى الصّوريّة ! التّعبير الكتابيّ سيكون صوريّاً فقط ، اللّغة المكتوبة وللأسف ستموت يوماً بعد يوم وسنة بعد سنة ... الحرف كذلك ! أريد هنا أن أورد مثالاً على ذلك كأساتذة لغات : إنّ انعدام أو شبه انعدام المطالعة أو الإقبال على الكتب يلعب دوره على صعيد كتابة اللّغة وإملاءها . هذه المادّة المهمّة جدّاً بدأت تتراجع ، منذ ما يقارب الخمسة عشرة عاماً لصالح الصّورة . الطّالب حاليّاً يرى الشّاشة ولايقرأ لابل إنّ الكتابة أصبحت انعكاساً للسّمع . مايُسمَع يُكتَب فقط لاغير وبطريقة أوتوماتيكيّة ومغلوطة. إذاً إضمحلال المطالعة على حساب الشّاشة أي الصّورة ( تلفاز - حاسوب - انترنيت الخ ...) وهنا أريد أيضاً أن أنوِّه بأنّ حضارة " القواميس " ستسقط قريباً وذلك لصالح Encyclopédies  فقط ، لأنّها صوريّة !! الأجيال تتّجه نحو السّرعة والسّهولة وهذا ما تؤمّنه الصّورة . لنعرض على الطّلبة شريط Cartoon  " أو صّور متحرّكة تظهر أو تختزل الحرب اللّبنانيّة بمجازرها وأهوالها هذا

أسهل بكثير من العودة إلى كتب التّاريخ كذلك أفلام صّور متحرّكة تعرض مثلا ً لعقدة أوديب أو فكر  Lavoisier  أو لروايات دوستيفسكي و نبوغ انيشتاين الخ ... نطرح

هنا فكرة عصور وقرون مستقبليّة رائدها الصّورة !! الصّورة تختصر الزّمن ، اللّغة تطيله ! بالتّالي ستزول التّرجمات وتعقيداتها وصعوباتها !!

  تكنولوجيا العصور المستقبليّة ستقضي على كلّ ماهو بطيء ويتطلّب وقتاً للتّعبير .. إذن انتصار الصّورة خاصّة لأنّها تؤمّن السّرعة القصوى في الاتّصالات ونحن مقبولون على هذه السّرعة الجنونيّة من القرون الآتية خاصّة إذا تمكّن الإنسان من إلغاء مايسمى

Mouse  و Clavier  من الأجهزة الحاليّة سيحّول الصّوت إلى نصّ عبر استعمال الشّاشة وفي مرحلة ثانية آتية سيتمّ تحويل الصّوت إلى صور على الشّاشة وهذا نوع من أنواع " الشّيفرا " ولكنّه على صعيد صوري !! يملك الفرد حاليّاً عدداً محدوداً من الصّور للتّعبير عن نفسه عبر الشّاشة . هذا العدد المحدود سيتحوّل إلى ملايين الصّور يكتسبها الإنسان يوما بعد يوم ليستعملها كوسيلة تعبير خطّي على الشّاشات المختلفة وتلك التي ستكتشف في القرون الآتية والتي قد تكون أصغر من شاشة ساعة اليد .

 إنّ الأمميّة التي ستعمّ في الأزمة الآتية لن تكون إشتراكيّة أو شيوعيّة أو ما شابه !! تلك الأمميّة  ستكون صوريّة فقط توحّد البلدان كافّة ّ أمميّة تعبيريّة صوريّة ومثّلت الحقّ - الخيّر - الجمال والقيم الإنسانية السّامية سيذهب إلى غير عودة ! هذه الامميّة التي ستجمع شعوب الأرض قد تعمّ أيضا الكواكب التي ستكتشف ، ويبقى نهب الشّعوب وإثارة الحروب للاستيلاء على ثرواتها بهدف تطوير المركبات الفضائيّة وسبر خفايا المجرّات واستعمارها  وذلك  من قبل قوّة إمبرياليّة كما جرت العادة على مدار التّاريخ الأنسانيّ ...

 ويعتبر استخدام اللّيزر لاكتشاف حياة اخرى على كوكب آخر أهمّ من ذلك كلّه ، خاصّة إذ كان جهاز اللّيزر هذا يطلق حوالي 10 مليارات نبضة ضوئيّة في الثّانية وطاقّة قوّتها 650 كيلو وات !! الاتّصال صوريّاً مع مخلوقات أخرى في مجرّة " درب التّبّانة " أو غيرها سيفوق أهميّة كلّ الحضارات الفكريّة التي شهدتها الإنسانيّة . كذلك فالمادّة الأكثر جدارة بالدّراسة ستكون الفيزياء ! القرون المقبلة ستكون قرون انتصار علم الفيزياء على سائر العلوم لسبر الأكوان كافّة ، إضافة إلى جغرافيا المجرّات وعلم الفلك .

 الشّعر سيزول ، كذلك الآداب والعلوم الإنسانيّة علم النّفس والاجتماع والتّاريخ وعلوم باطن الإنسان وانهيار اللّغات وقواعدها والدّراسات الألسنيّة وذلك في العالم أجمع تبقى الرّياضيّات وكلّ ما يختصّ بدراسة الفضاء الخارجي .

  إنّ الأهميّة الصّوريّة التي تكلّمنا عنها هي مرحلة حتميّة في تاريخ البشريّة ، ليس فقط على كوكب الأرض بل ( في الكواكب المكتشفة كافّة ) ! إنتصار الشّاشة الذي ابتدأ منذ قرننا هذا سيحتلّ الحيّز الأكثر أهميّة فيما بعد، وهذا الانتصار سيكون على حساب الحرف والكلمة والنّصّ والورق والإبداعات كافّة ، وستعطي الأولويّة فقط لاختراع المزيد من الماكينات أي المكننة ...

 

ملاحظــة :

 نحن نشهد انحسار حضارة اللّغة لمصلحة حضارة الصّورة . طبيعة اللّغة أنّها تحافظ على  الاحتمالات والاختيارات وتسمح للإنسان بممارسة حريته من خلال قراءة النّصوص . واللّغة بطبيعتها لاتفرض تصوّراً واحداً . طبيعة الصّورة أنّها تعمّم نموذجاً واحداً وفرصة ، لانّ طبيعة حضارة الصّورة لاتحتمل تفسيرات ، الصّورة واضحة معناها محدّد للجميع ، لذا فطبيعة حضارة الصّورة طبيعية قمعيّة تعمل على فرض نموذج موحّد ومعّلب ولاتحتمل النّقاش ولا الاجتهادات وللأسف حضارة الصّورة تلغي حريّة الفرد في التّنوّع والاختلاف .

 

* - على صعيــد شفهي ---------- لغـــة النّمـــل :

 نحن نعيش منذ اليوم عصر السّرعة كلّ يركض في اتّجاه ، بل في اتّجاهات متعدّدة ! نبحث عن السّرعة في كلّ شيء ، وسنبحث عنها أكثر فأكثر في القرون المقبلة ! من منّا لديه الوقت ليتأمّل غروب شمس أو يسمع موسيقى أو ليراقب جمالات الطّبيعة أو لينعم بهدوء بسيط لثوانٍ معدودة . إنّ هذا الوضع سيتفاقم أكثر فأكثر في المستقبل ! لا وقت لدى المرأة للحمل ، فالحاضنة ألكترونيّة ، ولا للرّجل للحبّ فالعواطف فيزيائيّة تعشق كلّ اختراع جديد وستكون عصور يقضي فيها على عنصر الدّهشة ، لأنّ الإنسان سيتوصل الى اختراع كل شيء لاشيء مستحيل ولا شيء يدهشه سوى امرئ يعبّر عن عواطفه بشكل طبيعيّ ، أو يحبّ أو يعشق أو يعود للذّات ... لن يكون للذّات وجود ! لا وقت للذّات وبالتّالي لا وقت للتّواصل بين البشر ! ) .

 الغلاء سيبلغ حدوداً لا معقولة يعجز البشر عن تخيّله الآن ! فما مصير اللّغة المحكيّة الشّفهيّة في ظلّ هكذا أوضاع ؟؟ 

 إنّها لغة النّمل أو شبه إنعدام اللّغة ... هل راقبتم النّمل يعمل دون توقّف ، يروح ، يجيء يخبّىء الطّعام ، يتواصل لأقلّ من ثانية مع رفاقه أي النّمل الآخر. وهكذا سيكون وضع البشر... لا وقت للكلام . إنّ أهميّة اللّسان كعضو أساسيّ ستزول قليلاً قليلاً ! العمل المتواصل لمجاراة الوضع المعيشيّ الميكانيكيّ لن يسمح بالاتّصال اللسانيّ إلى أبعد مداه ، كما هو الحال اليوم . النّمل يطلق أصواتاً والإنسان يطلق تعابير صغيرة ، مختزلة سريعة ومكثّفة ...

  العصور المقبلة هي عصور اختزال اللّغة الشّفهيّة ، والذي سيصيب اللّغة العربيّة وللأسف سيصيب كلّ لغات العالم !! قد تخلق لغة توّحــد .. كلّ الشّعوب والكواكب المكتشفة ، وقد لاتخلق فيلجأ الإنسان إلى عمليّة الاختزال التي تكلّمت عنها. لن تكون هنالك جملة مفيدة وستنهار كل قواعد اللّغات في العالم ، وكما قلت في مقدمة كتيبي هذا فالجملة ستغدو كلمة مكثّفة والكلمة تُختصر بحرف واحد أو أكثر . إنّها عمليّة اختزال وتفجير وتكثيف العبارة لتقوم بمهامّ عديدة ، خدمة لعصور السّرعة الآتية . وهذه اللّغة العربيّة الجميلة ، الموسيقيّة الكثيفة والعريقة والغنيّة ستختزل .