العدد السادس والثلاثون - تشرين الاول

فيروز... وحياة الله

الاحد 26 تشرين الأول (أكتوبر) 2008.
 

في همسة ضوء، و على قيثارة النّور..على الموج الهائج، الفائض، الهادر من طبقات نشوة روحك... من بين تلال الصّخر و قصور الفجر، من بين هدير المعارك على المفارق الحزينة، المشّلعة قوق رماح النوستالجيا  المتّهمة بجريمة الوطن...وعلى أثير نكهة العشق في طيّات أسرار البؤس و الخيانة..والأمل والرؤية والحبّ!

على أجنحة وطني الذي ندهتِ له كطفل صغير ينمو على صدرك، يرضع منه، يشرب منه رجولته التي تتوثّب فدائيّة على فلسطين، يركب فيه موجة التغيير و العمر و الصيرورة، يزغرد على الموج من الرّيح والذّهب و الذّهاب، إلى المستقبل و النّسيان... فالهذيان! من غفل الطّرقات المهدورة كرامتها في ذاكرة الدّم...على ألحان زهرة المدائن، مدائن الزّهرة، منفى مرج الزّهور، مرج زهور قباطيّة...للوجه الذي يبكي على منديل العذراء، للرّوح التي تتصاعد إلى سماء بيت لحم في ليلة من كانون...إلى مزود الشّرف والعشق والثّورة في زوايا القدس، إلى أبواق الأمل الصدّاحة على أحصنة الإستشهاديّين ممن ودعوا الحب والعشق والمرأة و لقمة التّرويقة و فوتبول الحيّ و طبشور المدرسة لأجل مدينة الصّلاة...لأجل من رمّم الخطيئة في كفر مليارات المؤمنين الصّنميّين، المستنسخين طقوساً خشبيّة، لكي يعمّدوها بصلاة القدس على أكتاف الصّليب، على جبين النّزف، على معصم الشّدّة و اللّين، و النّهاية...و بدايات الفجر والحياة!

 للمعابد التي تعانق الشّهادة، للكنائس التي تهّرب مقاتلين، للجوامع التي تمعقل مقاومين، لتلك الحجارة التي ترفد نهر الأردن بساقية حمراء من جنين، من ترحال نابلس إلى وجدان نينوى و ديالى و بغداد...إلى ليلة الإسراء، إلى وشاح من مرّوا إلى السّماء من دروبك، إلى خمر قانا يشربه النّاصري و هو طفل، خمر يسقيه للعالم أعجوبة الفرح و الحياة و الإبداع و الدّموع على مذابح الموت! لأجل من تشرّد و تهجّر واعتقل ودافع وقاوم على المداخل، حيث استشهد العدل و انتحر الأمل... و زهّر التّراب وطناً متمرّداً طائراً.. وطناً قاسياً قدسياًّ، وطناً مقدسيّاً!

 إليك فيروز من القدس كوفيّة حمراء اعتمرها يحيى عيّاش، كوفيّة كحّلت فيها إبنته جبينه المتفجّر برموش عينيها، و رمشين مطبوعين على أثير دمائه...إليك من فلسطين تنهيدة الغضب السّاطع الآتي من الإيمان في ليالي الميلاد الماطرة، في وميض الأحزان التي حرثتها الجياد، تلك الخيول التي تبعث من داخل خيالها روح الله في أفق عمر فلسطين...من رهبان الرّهبة في بيت لحم والموصل، أبواب لا تقفل امام قوافل الحجّ و الصّلاة والفتح والإغتسال و العمادة.. من قطرات نهر الأردن حتى خليج إيلات ضفادع الإستشهاد البحريّة! من الأرواح التي تحلّق في روحك، من الوجدان الذي يموج في صوتك، من عيونك إلى عيونها في جنين، في مروحين، بهاء ونور وعقيدة وألف رسالة عنوانها: للقدس سلام...آتٍ...للقدس سلام...آتٍ!

 من قدميك تمرّان في شوارع القدس العتيقة تنفخان عنها غبار الوجع، تبقيانها في بقاء البقاء، تختزلانها في حيض الأنوثة، تكويانها على جمر الماء...من قدميك اللّتين لم تبقِيانا "وحدنا"، لم تبيقيِانا وحدنا أبداً بعد شذى اللّحن الأوّل...من قدميك اللّتين آختانا في يأسنا و موتنا و أفولنا، اللّتين نفختانا من عطر زهر البيلسان، في أروقة غبار هجرة بيسان..وعودتها! من عتم الغابة، من طيّات أوراق الزّمان، من حمض زهر الرّمان... من قدميك اللّتين اطلقتانا في عتم الغابة من بيت عنكبوت الحيطان، من خراف القطيع، من عصافير الأقفاص... من خوف الحمام الذي حطّم بصوتك قيد السّوار العالي، من صوتك الذي حرّر بمنقاره غصون الزّيتون من أنياب البذلات الزّيتيّة، من الألق العتيق، من عتمة هداريم و النّقب و عسقلان... منك إليهم، بكاء متوحّش يحطّم الزّنازين، يرقص مع الزّمان، ينَوِر على الفيء الخجول، ينسّل من تآخي و تزاوج و سفاح قربى وريقات الشّجر الخجول...مع عروقه النَدِيَة! منك إليهم بقاء وعودة في أفق الرّحيل الذي لا ينتهي، في العمى الذي يختزل السّمع والحواسّ و الأحلام، الذي يختزل الثّلج الأسود و الصّراخ الأبكم... المحطّم، المجنزر، المقنبَل في تخوم بنت جبيل و عيتا الشّعب... وزبد انصاريّة!

 إليك فيروزتي للهروب الباقي، المختبئ في شرايين قلب بيروت...من سلام القبلات، من بيوت البحر، من وجه البحّار المنحوت على الصّخر المفتّت، من الخمر النّازف في زوايا موج يافا، من عرق من قاتل حتى النّفق الأبيض ما بين الأرض...و السّماء! من طعم البخار في العمادة الأولى، من غبار مجد الرّماد في ملح الشّاطئ، من القنديل العتيق الصّامد في غياهب القرى المجتاحة بفحيح الشّهوة...من عزلة الأنوثة ما بين خصور الذّكور، ما بين أوتاد الغدر و العهر و الشّرف المذبوح...من الوريد إلى الوريد! من صراخ الغيتار على حفيف النّاي، من زواج الرّجولة الهادرة ما بين الخصر و الصّخر، ما بين النّهد و التنهيدة، ما بين الشَعر و الشِعر...

من روحك و صخرك و بحرك و قلمك و ريحك...من قلاعك و بقائك، من إحتكارك و غيرتك، من رايتك و سفرك و جرحك و وحدتك....من حريّتك و نصرك، من الجمر في عيونك، من الوتر في صمتك، من العشق في روحك، من الحياة في وجودك، من الحريّة في رحمك...منهم جميعاً و إليهم جميعاً أقول لك فيروز:" إبقي معي حبيبتي أثناء رحيلهم...فلنبق معاً لإحياء البقاء في رحيلهم...و بعدها يعودون فيروزتي ونتحرر فدائيّة... ونرحل معاً إلى مذبح الزّواج الأبديّ والموت السّرمدي... و حياة الله!" 

 

   سرجون القنطار- 28\ تموز 2008