العدد السادس والثلاثون - تشرين الاول

محرمات "الجسد" التي يكسرها الرّقص

أسماء وهبة
الاحد 26 تشرين الأول (أكتوبر) 2008.
 

في زمن تسود فيه النّزاعات الخطابيّة ويغيب المنطق فتمسي الغوغائيّة وسيلة تواصل والتّعدّديّة سبباً للصّدام : هل تنجح لغة الجسد في إقامة حوار بين الثّقافات المختلفة للتّعبير عن الحبّ والسّلام والرّفض والتّمرّد؟ وهل يمكن تحويل الجسد من منجم للغرائز والشّهوات إلى حالة فكريّة في مجتمعات تحاصره المحرّمات من خلال الحركة الرّاقصة؟

 

بين مواجهات دمويّة نقّالة في العالم وصراعات سياسيّة ذات أوجه عدّة تطرح علامات الاستفهام حول طرق الحوار والتّواصل بين الجماعات المتناحرة والشّعوب. فيبرز الرّقص المعاصر اليوم أو التّعبير بالجسد ليجمع بين الأمم في صالات عرض تتجسّد فيها مشاهد راقصة لا كلام فيها، فتروي الحركة ما يصعب على اللّسان قوله أو التّعبير عنه. فالرّاقصون والرّاقصات على المسرح يكشفون لغة العالم الواحدة في عاطفتها الجسديّة والعلاقات الإنسانيّة المعقّدة بجلّ التباساتها. وكشفت الأبحاث العلميّة أنّ لغة الجسد غير المحكيّة تشكّل 55% من ما نتواصل به، بينما نبرة طبقة الصّوت تشكل 38%، والكلام المحكي 7% فقط. كما تعتبر لغة الجسد وسيلة الاتصال غير الشّفهي بين الأشخاص، والتي تترجم باستخدام الوضعيّات والمسافات والحركات، فيعرّي الجسد فكرته ليستعيدها إيقاعاً وحركة من خلال الرّاقصين على المسرح.

 

الجسد هو الحياة

من هنا يرى المخرج ومصمّم الرّقص "عمر راجح " أنّ التّاريخ الإنساني يظهر من خلال الجسد . ويتابع: "فالجسد لم يوجد بشكل اعتباطيّ، ولكنّه حالة فكريّة إنسانيّة تعكس صورة المجتمع. كما يتميّز الجسد بخصوصيّة مهمّة في إيصال رسائل البشريّة، وبالتّالي يستطيع الرّاقص أن يكوّن لغة للتّواصل. فمثلاً عندما يقوم الجنين في بطن أمه بحركات معيّنة فهي تمثّل إيقاعاً يخلق بينهما علاقة تواصل مبنيّة على الحواسّ. لذلك فحركة الجسد هي أكثر من مفهوم يمكن أن يركبه الإنسان ليبني على أساسه حياة!"

الرّقص تاريخ وشعار

ولأنّ الرّقص هو تعبير جسديّ بامتياز هناك من يرى أنّه عادة طبيعية احتفاليّة ذات طقوس تعبّر عن مضامين اجتماعيّة وثقافيّة وحضاريّة واقتصاديّة وسياسيّة ودينيّة أيضاً. فالحضارات والثّقافات عاشت تاريخاً وتقاليد وأعرافاً وطقوساً ومعتقدات وفنون مختلفة، إذ إنّها تعبّر عن ماضيها بنصوص ثقافيّة معاشة تتراكم وتتواءم بحيث تحفظها الذّاكرة الجماعيّة من خلال اللّاوعي الذي يعتبر خّزان المعرفة لتخرجه إلى الوعي بعد ذلك ليصبح الشّعار: "أنا أرقص إذن أنا موجود".

من هنا يرى راجح أنّ الرّقص يستطيع تفكيك خطاب الجسد، وتحديداً الرّقص المعاصر الّذي لا يتعامل معه على أنه قالب بل مفهوم وحضور، يحاول الهروب من خلاله من الشّموليّة والأفكار الكبرى غير الواضحة للغوص في الفرديّة وكلّ ما هو خاص حتى نفكّر في ماهيّة الجسد وكيف يتحرّك ويشعر ويتكلّم أو يعبّر عن نفسه حتى نكتشف علاقتنا بالكون والطّبيعة والإنسان الآخر. ويتابع: "لذلك فالرّقص ليس لغة عالميّة، بل هو لغة خاصّة جدّاً في التّعبير قد لا يفهمها الآخر. وهذا هو المهمّ."

 

جديد: الرّقص المعاصر

ومؤخّراً، قدم "عمر راجح" في مهرجان ملتقى بيروت للرّقص المعاصر الذي نظّمه للسّنة الرّابعة على التّوالي عرض "كونشرتو 13". وهو عبارة عن ملصقة من الصّور والمواقف المختلفة التي تجتمع لتشكّل واقعاً يمثّل الإعلام والحرب والحبّ والدّين والاختلاف الثّقافيّ الّتي تصبّ في خانة السّلطة وغسيل الدّماغ الذي تفرضه الأديان في وجه الوقائع السّياسيّة. وكان هناك إقبال ملفت على مشاهد هذا النّوع من الرّقص المعاصر الذي يعتبر مستحدثاً على السّاحة الفنّيّة اللّبنانيّة. فيؤكّد راجح قائلاً: "نحن في مرحلة تحوّل على كافة الصّعد سياسيّة كانت أو اجتماعيّة وبالطّبع فنّيّة. ولم تتبلور صورة الرّقص المعاصر في عالمنا العربيّ الشّيء الّذي يعدّ إيجابيّاً وطبيعيّاً لأنّنا في النّهاية سنجد إطاراً خاصاً بنا في التّعبير عن أنفسنا من خلال هذا النّوع من الرّقص وصورة الجسد وهيئته".

 

تابو الجسد

من ناحية أخرى، يعتبر تفجّر الجسد وظهوره العلنيّ عبر إعطاء الأولويّة للحياة الخاصّة الفرديّة من إحدى الثّورات المهمة التي حصلت في النّصف الثّاني من القرن العشرين، مما اعتبر أفضل مؤشّرات العبادة العصريّة للجسد. لذلك يعتبر "مورفي بمرلو" أنّ نقطة البداية في التماس العالم وبنائه هو الجسد. إلا أن تحرّر الجسد من خلال الرّقص وقدرته على التّعبير عن نفسه تواجهه منذ القدم العديد من التّابوهات والمحرّمات التي يفرضها المجتمع. لذلك يرى الممثل" فايق حميصي" أنّ الجسد "الفني" استطاع مؤخراً كسر التّابوهات والسّدود، "لأن بلاغة التّعبير بالجسد تفتّح أبواباً جديدة للحوار. كما تطوِّر العالمين العربيّ والإٍسلاميّ في النّظرة للجسد، لأنه انعكاس لأشياء سياسيّة واقتصاديّة واجتماعيّة وحتى دينيّة، فهو ليس مفصولاً عن البيئة والمحيط الذي نعيش فيه. ولكنّنا بحاجة إلى الوقت حتى نفكّر في جسدنا بطريقة مختلفة حتى نعطيه القيمة التي يستحقّها ليكون مفهوم حياة أكثر منه شيئاً عابراً.

 

احتقار الجسد

إلا أنّ هناك من يعتبر الرّقص مجرد "هزّ خصر" ولعبة تعرٍّ ووسيلة لاستثارة الغرائز والابتذال ويضعون أنفسهم في سلّة الذين يأخذون الرّقص في اتّجاه احتقار الجسد بدلاً من احترامه وتقديسه كونه هبة من الله. ولكن يؤكّد حميصي على ضرورة مؤازرة كلّ من ينظّم المهرجات الرّاقصة التي تقدم "تابلوهات" راقصة تعبيريّة مثل الرّقص المعاصر بدلاً من مواجهتها بالحروب الكلاميّة الإعلاميّة والمنع ويتابع قائلا: "إنّ هؤلاء الذين يطلقون مهرجانات الرّقص المعاصر في لبنان وفلسطين والأردن وسواها يمجّدون جسد المرأة والرجل، ويحوّلونه إلى مسرح لذاكرة حضاريّة ليصبح الرّقص الذي يرصد إيقاع حياتنا اليومية يمثل علاقة الفكر بتوجيه الفرد".