العدد السادس والثلاثون - تشرين الاول

"زهور وسارة وناريمان": إناث العشوائيات في نصّ سينمائيّ "اختباريّ"

الاحد 26 تشرين الأول (أكتوبر) 2008.
 

"زهور وسارة وناريمان" ثلاث نساء اقتحم حياتهن كاتب ومخرج سينمائيّ يعيش حالة من الضّياع والتّخبط على أمل أن يجد فرصة تساعده على إخراج فيلمه السّينمائيّ الأول أو فيلمه الحلم الذي طال انتظاره بعد سنوات من العمل في الصّحافة وإخراج بعض الأعمال التّجاريّة. إنّه الفيلم الذي تحوّل إلى مجموعة من الأفكار المكدّسة في أدراج مكتبه ، ملّت البقاء فيه , تريد الولادة وكسر حاجز الرّقيب الذي يتفنّن في وضع الأوراق البيضاء على شريط سينمائيّ لحذف مشاهد منه ليجد المخرج في النّهاية فيلماً مجتزَأً لم يبق منه شيئاُ!

إنّها رواية المؤلّف السّوري خليل صويلح والتي تحمل عنوان "زهور وسارة وناريمان" المنشورة عن دار الآداب عام 2008. تبدأ أحداثها بالمخرج المبهور بالرّاقصة "سارة". هي التي ينطلق جسدها في عرض مسرحي راقص. رأى أمامه كائناً سحريّاً يتنقّل بخفّة على خشبة المسرح. كان جلّ همّه أن يتعرّف عليها وكأنّها أمله في أن يكتب السّيناريو الموعود فاقترح عليها الّتعاون لإنجازه ولكنّه في الواقع كان عرض حبّ.

هنا حاول الكاتب خليل صويلح أن يرسم لنا علاقة الابتكار بالجسد وقدرته على التّحرّر من القيود وضرب قوانين الرّقابة وتعسّف السّلطة. ومن خلال جسد "سارة" استطاع المخرج أن يحقق حلمه بإيجاد ممثلة لفيلمه "الموعود" فهي التي بعثت فيه النّشوة والإنخطاف فكانت الوحي والإلهام لأفكار جديدة. لقد أعجب بقوّتها وجرأتها وإيمانها بجسدها الذي حرّرته الموسيقى والرّقص .

وبانتقال سلس طالعتنا "زهور" بقميص نومها الشّفاف وهي تنتظر عودة المخرج إلى غرفته. هي التي عرفت عن نفسها بالتّالي: "أنا اسمي زهور لكني زهرة ذابلة في مزبلة"! فهي زوجة سالم نجم عبد الله بائع الكحول والتّبغ المهرب الذي أعطب دبّابتين في الحرب قبل أن تطيحه شظايا قذيفة معادية ليصبح معطوبا ًذكوريّاً أيضاً.

وعلاقة المخرج ب "زهور" تبدو غريبة ، صحيح أنّها علاقة جنسيّة شهوانية بامتياز إلا أنه لا يستطيع الإستغناء عنها ربما لأنها نقيض المرأة الحلم التي تداعب خياله أو ربما لأنّها المرأة الواقعيّة والمتاحة.

أما "ناريمان" أو "عائشة" الفتاة التي جاءت إلى دمشق للدّراسة في الجامعة ثم أرادت أن تختزل مكابدتها في صعوبة العيش بأن تخترق أسرار عالم اللّيل. وكانت بدايتها بسهرات في بيوت الطّلبة ثم وسعت دائرة عملها عن طريق الموبايل بوظيفة سنترال جنسيّ حتى انتهت راقصة في ملهى بعد أن طلّقت من زوجها الذي اكتشفت لاحقا أنّه قوّاد وبدأت تعمل لحسابها الخاصّ.

ولكن ما الذي يجمع بين زهور وسارة وناريمان؟

إنّه الجسد الذي استطاع من خلاله خليل صويلح أن يقدّم نموذجاً لسيّدات ثلاث تكمن معاناتهن فيه فاستعمله كإسقاط على واقع العشوائيّات الفقيرة في حين أنّها مكان حياة المخرج حيث حاك علاقاته بالنّساء الثّلاث.

واستطاع صويلح ببراعة أن يرسم لنا صورة الأحياء العشوائيّة حيث يتحلّق مثلاً مجموعة من السّكّان حول التّلفزيون في الشّارع لمشاهدة الأخبار ثم يدخلون في جدل حولها ثم يشير إلى المقهى الذي يروي فيه أحد المخرجين كيف لفظته شركات الإنتاج المحليّة بعد حصوله على جائزة مهرجان الإٍسماعيليّة للأفلام التّسجيليّة على أساس أنه نشر الغسيل الوطنيّ الوسخ على حبال المهرجانات وكأنّ الحياة في العشوائيّات بكلّ لا إنسانيّتها يجب أن تبقى في الخفاء. ليس ذلك فقط بل بين صويلح كيف يجب أن يقبع الإبداع بين جدران تاريخ قلاع صلاح الدّين الأيّوبيّ وزنوبيا ويوسف العظمة فلا يبقى من المبدع إلا خيال هشّ يصطدم بالفساد فيصبح نصّه محرّماً ولا يبقى من عقله إلا زجاج مكسور محاط بالخوف.

ولكن أبقى صويلح على بصيص أمل من خلال رمزيّة المرأة الحلم التي تركب قطاراً في الصّحراء بعد أن أنهك القارىء بين أجساد نسائه الثّلاث مستعملاً أسلوبه الصّحفيّ الذّكيّ والسّاخر الدّقيق في السّرد. وهو الأسلوب الذي اتّبعه في رواياته الصّادرة قبلاً عن دار الآداب مثل "وراق الحبّ"، "بريد عاجل" و"دع عنك لومي" حيث ينقل أجواء الوسط الثّقافيّ السّوريّ بنظرة مفعمة بالتّهكّم ومحمّلة بلقطات تمثّل حالات الإبداع والفساد والعشق. وكأنّ الجسد بكلّ رمزيّته وقوّته وضعفه هو الوجه الآخر للوطن!

 

أسماء وهبة