العدد السابع والثلاثون - كانون الاول

بعد "عودة التّاريخ"...ما البديل؟

سركيس أبو زيد
الخميس 11 كانون الأول (ديسمبر) 2008.
 

بعد سقوط نهاية التّاريخ مع سقوط الشّيوعيّة السّوفياتيّة، وبعد عودة التّاريخ مع تأزّم الرّأسماليّة الأميركيّة، السّؤال المطروح اليوم: ما هو البديل؟

أوّلاً، تتّجه الأنظار إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة كون الدّيموقراطيّة ما زالت الأقدر على إعادة البناء وإصلاح الأوضاع. فالبروستريكا الشّيوعيّة أدّت إلى تدمير الاشتراكيّة السّوفياتيّة بسبب جمهوريّة الصّمت والخوف. أمّا البروتسريكا الأميركية المطلوبة، فما زالت ممكنة لأنّ جمهوريّة الحرّيّة والتّعدّديّة (وإن كانت نسبيّة) أقدر على النّقد الذّاتي وإعادة إنتاج ليبراليّة أكثر عدالة ومساواة. وقد بدأت تطرح أفكاراً إصلاحيّة جديدة تدعو إلى تجديد اللّيبراليّة على قاعدة "الدّولة المساهمة"، ما يعيد الاعتبار إلى دور الدّولة التّدخليّ لتوازن السّوق.

ثانياً، تجربة أوروبا الوسطيّة الجامعة بين الاشتراكيّة والدّيموقراطيّة، وهي نموذج بديل يحقّق الاعتدال بين النّموّ والعدالة. وهذا الاتّجاه تعبّر عنه أحزاب الدّيموقراطيّة الاجتماعيّة والشّيوعيّة الأوروبيّة وغيرها.

ثالثاً، يطرح نعوم تشومسكي وغيره من المفكّرين، أميركا اللاتينيّة نموذجاً لجهة تجربتها الرّائدة في الاندماج المحلّيّ والإقليميّ والعالميّ.

رابعاً، هل الاشتراكيّة المسيحيّة هي الحلّ؟ سؤال طرحه وناضل من أجله رجال دين ثوريّون ويساريّون عرف بعضهم بلاهوت التّحرير.

خامساً، الاقتصاد الإسلاميّ الذي يحوّل أخلاقيّة الإنسان إلى طاقة تنمية، بحسب السّيّد محمد باقر الصّدر في "اقتصادنا" الذي درس فيه المذاهب الماركسيّة والرّأسماليّة. ويعتبر مرجع الحركات الإسلاميّة التي تدعو إلى النّظام الإسلامي في الحياة والاقتصاد.

سادساً، الاقتصاد الآسيوي وبخاصة التّجربة الصّينيّة. ويمكن إعادة قراءة "زوتشه"، وهي تجربة كوريا كيم ايل سونغ، كمحاولة لدمج الشّيوعيّة مع التّراث المحلّي الاقتصاديّ. كما يمكن العودة إلى كونفوشيوس في الصّين، لاسيّما التّفسير اليساري له، كنموذج يوفّق بين السّوق الرّأسماليّة وإدارة الحزب الشّيوعيّ للدّولة.

سابعاً، في العالم العربيّ روّاد بادروا إلى طرح طريق ثالث غير الشّيوعيّة والرّأسماليّة يستحقّ الدّراسة. وأبرز هؤلاء المفكرين، أنطون سعادة الذي دعا إلى نظام تعاوني قائم على الإنتاج المعرفيّ والزّراعيّ والصّناعيّ، وتوزيع الثّروة بالعدل والإنصاف. وفي عصرنا اليوم، هناك المفكّر جورج قرم في نقده لنظام الفوضى الاقتصاديّة المعولمة ودعوته للتّنمية المتوازنة، والمفكّر ناصيف نصّار في استشرافه أزمة النّظام اللّيبرالي ودعوته إلى ليبراليّة تكافليّة.

 

 بين هذه النّماذج الكثيرة والمتشعّبة، لا يمكن حسم الأمر والانحياز لأيّ منها. غير أنّ المؤكّد هو أنّ التّاريخ قد عاد ولم ينتهِ أصلاً، واللّيبراليّة المتفلّتة باتت بحاجة إلى بديل في أسرع وقت.