العدد السابع والثلاثون - كانون الاول

تحديات "العقلنة" بعد جورج بوش...

زهير فياض
الخميس 11 كانون الأول (ديسمبر) 2008.
 

لا بد من مقاربة عقلانية لمشكلات "الواقع الاجتماعي"، ولا بد من اعمال"العقل" و"الفكر الانساني" في ابتداع الحلول للمسائل التي يختزنها هذا الواقع، وهذا هو بالضبط لب "العلمنة" باعتبارها مسار معرفي علمي أخلاقي في مقاربة الحياة وتطوراتها المختلفة...

 

لقد تم الحجر على العقل الانساني عقود لا بل قرون، وتم تدجينه وتطويعه لتتوافق خلاصاته مع مشيئة الحاكم، فتعطل العقل وفقد قدرته على الحراك...

بيد أن الأحداث والتطورات تصقل التجربة وتغني الانسان بالمعارف والعلوم التي تعينه على تلبية احتياجاته وعلى تدبر أمور حياته، وما ينسحب على الفرد فهو أيضاً ينسحب على الجماعات والشعوب والأمم.

والعالم اليوم يحيا زمناً يشهد الكثير من التحولات والتبدلات والتغييرات في الشكل والمضمون، في القيمة وفي المفهوم للكثير من القضايا والمسائل التي كانت تعتبر من المسلمات أو "طابو" ممنوع التعرض لها أو مناقشتها، وقد لعب الاعلام دوراً خطيراً في التعمية على الحقائق وفي سلب الوعي وتكثيف مجموعة من الأفكار أصبحت راسخة في ذهن العامة من دون أن تجد لها مرتكزات واقعية مثبتة وحقيقية، وهذا ما يدفعنا الى الدعوة لمراجعة نقدية شاملة لمسائل مختلفة ومتنوعة بغية اعادة تقييمها وصياغة خلاصات جديدة تحيط بها بعمق...

في العقد الأخير من القرن العشرين، ومع بداية العقد الأول من القرن الواحد والعشرين، طفى على السطح مفهوم "العولمة" الذي تناولته أقلام الكتاب والمفكرين والباحثين والدارسين، وتعددت الآراء والمفاهيم حولها، فمنهم من تبنى الفكرة بالمطلق، ومنهم من أقام المقاربات والمقارنات ليصل الى خلاصات تفيد بأن "العولمة" ليست مساراً حتمياً بل هو مسار تصنعه الارادة الانسانية والفعل الانساني.

بعد أحداث الحادي عشر من أيلول، بدأت الولايات المتحدة الأميركية غزوها لأفغانستان ثم أتبعته بغزو العراق، وتابعت تحركها باتجاه فرض سيطرتها المطلقة على الشرق والغرب، وعلى قارات العالم وبقاعه المترامية الأطراف، فاعتقد الكثيرون أن "أميركا" هي القدر، وشاعت ثقافة التماشي والتأقلم والتماهي مع هذا القدر الجديد المحتوم، فتحولت أميركا بقوة الآلة العسكرية الاقتصادية الى "دكتاتور عالمي" يحكم العالم بالحديد والنار وبالتهديد والوعيد، تحت مسمى الدفاع عن الحريات والديمقراطية وحقوق الانسان...

في تموز 2006 شنت اسرائيل ومن وراءها حربها الشعواء على لبنان لتطويع شعبه وقهر ارادته وكسر مقاومته، فهلل لها الكثيرون من الذين غرر بهم، وروج كثيرون لقدر من نوع أخر، هو "القدر الاسرائيلي" وكانت الهزيمة للمشروع الأميركي -المتصهين على مدى المشرق العربي كله.

في تشرين الأول 2008، ضربت العالم أزمة مالية خطيرة هددت وتهدد اقتصاديات الكثير من الدول والبلدان، وانهارت أسعار الأسهم والبورصات، وقد تأثر الاقتصاد الأميركي بشكل كبير، واهتزت صورة "اميركا" باعتبارها "العملاق الاقتصادي الأول" في العالم...

في الرابع من تشرين الثاني 2008 فاز باراك أوباما في الانتخابات الرئاسية الأميركية وأصبح الرئيس الأميركي الأول من أصول أفريقية لأكبر دولة في العالم، وولى عهد "الكاوبوي" جورج بوش الابن...

ومع هذا الحدث الاخير تبرز أكثر فأكثر الحاجة الى "عقلنة" السياسة والاقتصاد والثقافة على مستوى العالم أجمع لئلا ننزلق جميعاً الى المحظور...