العدد السابع والثلاثون - كانون الاول

موسم الهجرة الى الطوائف والمال

منصور عازار
الخميس 11 كانون الأول (ديسمبر) 2008.
 

اللبنانيون، مدعوون مرة اخرى، الى انتخابات جديدة \ قديمة، ويعوّلون عليها، فوزاً وخسارة، ويذهبون، الى ان لبنان، سيتغيّر، تبعاً لنتائج الفرز. فاذا فازت قوى الثامن آذار، كان لنا لبنان آخر، واذا فازت قوى الرابع عشر من آذار، كان لبنان بطريقة مختلفة.

قد يكون هذا صحيحاً، الا انه صحيح نسبي، ومرتبط بالنزاع الداخلي اللبناني، لما له علاقة بخيارات لبنان الاقليمية. الا ان نتائج الانتخابات، لن تنقل لبنان من محور الأزمات الدائمة، بل سيبقى في مقام الهشاشة ومواقع الضعف و... التراجع.

لماذا؟

اولاً: ليست هذه هي المرة الأولى التي يعوّل فيها اللبنانيون على نتائج الانتخابات، فباستثناءات قليلة، جرت قبل نهاية الانتداب، لم تحسم نتائج الانتخابات، مصير لبنان. فالانتخابات التي جرت عشية الاستقلال، اسفرت عن كتلة برلمانية، خاضت معركة ازالة الانتداب وجلاء القوات الفرنسية، ونجحت. اما ما تلا ذلك، فقد كانت كل انتخابات تفرّخ ازمة. انتخابات ال 47، المتوجة بسمعة الفساد، اسفرت عن تضخم الفساد، وانهيار الثقة، وسقوط بشارة الخوري في الشارع.

نتائج انتخابات عهد كميل شمعون، افرزت مشروع ايزنهاور وحلف بغداد، وانقسام اللبنانيين حول بوصلة السياسة الخارجية، فانفجر لبنان. خصوصاً وان الانتخابات في لبنان، هي شبه تعيين ويقين ابعاد.

وفي العام 1968، كانت الانتخابات الحاسمة التي ادخلت لبنان في دوامة ازمة الشرق الأوسط، ففاز الحلف الثلاثي، وانهارت واسطة العقد الشهابية، وفازت دولة الفوضى، على دويلة الأمن والمخابرات. 

والبقية ليست افضل. فمنذ السبعينات، وبعدها من حروب متسلسلة، حتى الانتخابات الأخيرة. فان كل جولة، كانت تفضي الى ادخال لبنان في ازمة جديدة، او في تجديد ازمة قديمة.

فالانتخابات التي يعوّل عليها في الدول الديمقراطية، من اجل التغيير. لا علاقة للبنانيين بها. انتخاباتهم معابر من ازمة الى ازمات. والانتخابات القادمة ستكون كسابقاتها.

 

ثانياً: لم تغير الانتخابات عقلية الطبقة المتناوبة على السلطة. فمن يعود الى سجلّ نفوس النواب، سيجدهم من سلالات وعائلات، حكمت لبنان منذ ايام المتصرفية. ولا يزال اللبنانيون يلتفون حول هذه العائلات، والذين تخرجوا من الحرب، زعامات، تحولوا الى عائلات سياسية جديدة. فالانتخابات لم تجدد في دم المجالس، بل، سممت الأجيال الجديدة، بلقاحات العائلية.

الانتخابات تجدد مناعة الطبقة السياسية. تضيف اليها مناعة، ولا تنال من قوتها.

 

ثالثاً: الأجيال النيابية المتجددة، اذا قيست بالأجيال النيابية السابقة بدت هزيلة سياسياً وبرلمانياً وفعالية واخلاقاً. ألسنا نجد اليوم من يترحم على طبقة سياسية راحلة، ويعتبر انها كانت افضل مما ورثناه في دورات انتخابية لاحقة.

من يطالع مواقف الساسيين اللبنانيين ابّان الانتداب الفرنسي، والتدخل الناصري، يقع على قيادات كان لها من الجرأة ما يجعل اللبنانيين، يتباهون بهذا الماضي. اما الذين وقفوا في وجه عهد المخابرات الشهابي، فكان لهم صولات وجولات. اما ما عرفناه في زمن الوجود السوري، فمدائح تليها مدائح، تحولت الى هجار وهجوم.

والغريب ان الناس لم تسأل قياداتها عن هذا النفاق المزدوج. فالانتخابات ليست ايام حساب ومساءلة بل هي مواسم الحاق واستلحاق واستتباع وتبيان قدرة الفرقاء في اظهار مدى استزلام الناخبين لأشخاصهم وليس لسياستهم (انما هناك استثناءات قليلة ومباركة).

 

رابعاً: كانت الانتخابات على الرغم من التوزيع الطائفي والمحاصصة المذهبية، اقل طائفية مما هي عليه اليوم. بل ان احزاب وهيئات كانت تضمن معاركها الانتخابية، شعارات مضادة للطائفية. الغريب، ان الطائفية، وهي اداة تدمير لبنان، اصبحت المظلة الصارخة لكافة القوى. لا ثنائيات داخل الطوائف الكبرى، باستثناء الطائفة المسيحية راهناً. فالسنّة تحت مظلة والشيعة تحت مظلة برأسين والدروز تحت مظلة مقيدة.

ازدادت الطائفية، بازدياد مواسم الانتخابات. ولم يعد معيباً لدى هذه القوى الفاعلة ان تضع مالها وعلمها وعقلها وفسادها وقلة اخلاقها وجهلها. في خدمة اغراض سياسية مدموغة بالطائفية. رحم الله بلاداً، عندما استقلّت، قال حكامها، "انها لساعة عظيمة، تلك الساعة التي تلغى فيها الطائفية".

رحم الله نوايا، سنّة وشيعة ودروزاً ومسيحيين، طالبوا في المجلس النيابي باقرار الزواج المختلط، والغاء الطائفية.

رحم الله لبنان.

 

خامساً:جرت الانتخابات النيابية، منذ اول انتخابات، اي منذ الانتداب، وقف قوانين فاسدة ومفسدة. لم يعرف لبنان قانواناً انتخابياً، منزهاً عن الفساد من كل جوانبه. فساد في تقسيم الدوائر، فساد في فرز الأصوات، فساد في الضغط والقمع والارهاب. فساد في شراء بطاقات الانتخاب او تذاكر النفوس، فساد في مراقبة الانتخابات، فساد في حضور الموتى الى صناديق الاقتراع، فساد في تقديم الطعون الى لجنة طعون نيابية، ثم الة مجلس دستوري مطعون به. فساد في تدخل السلطة و.....

اما القانون الجديد، فعمره اكثر من 50 عاماً ويقال ونحن من هذا القول، انه كان السبب في تجفيف لبنان من المادية الوطنية.

 

سادساً: في الانتخابات السالفة، كانت الطائفية من دعائم الفوز. فهي عملية رائجة ومتوفرة ومجانية. اليوم، لم تعد الطائفية وخاصة بعد تمحورها حول زعماء محددين قادرة على المنافسة والفوز من دون المال. بل بات المال هو المحول للطائفة والمذهب، لتتغلب في الانتخابات على طائفة او مذهب آخر. سيلعب المال دوره الحاسم في هذه المعركة، سيكون هو المحرك الأول. ةالمال متوفر اقليمياً وداخلياً.

في ما مضى كان الزعماء، يدخلون متمولين لوائحهم ليصرفوا نفوذهم لدى مواليهم. اما اليوم، فالمال المتوفر مع الزعامات، يدخل المرشحين كأهل ذمة.

افتحوا سجلات المجلس النيابي، ستجدون عددا من المتمولين والأثرياء والتجار واصحاب العقارات. عدد المتمولين يساهم في تفشي الأمية السياسية، والأزمة التشريعية. المال اللبناني، ليس ذكياً الا في النهب والسرقة.

 

ثامناً: تراجع الأحزاب في الانتخابات ناتج عن كون مواسم الانتخاب لا تقوم على البرامج، بل على سعة "البوسطة" لمن هو في حالة انتظار او دعم اقليمي.

فات قطار الأحزاب انتخابياً. كما فاتهم القطار سياسياً. وليس امامهم الا الوقوف في محطات الانتظار، علّ زعيماً يتحنن عليهم ببطاقة عبور بشرط الموافقة على ان يكون من الحاشية.

احزاب الطوائف صارت طوائف حزبية. اما احزاب العقائد، فقد اضاعت البوصلة وباتت في "الربع الخالي" اللبناني، تقودها الرمال المتنقلة، من سراب سياسي الى سراب انتخابي، الى معضلة شعبية.

الأحزاب في واد، والشعب في ما لا تستهيه السفن.

 

ماذا نستنتج؟

لنفرض ان قوى الثامن من آذار قد فازت، فماذا سيحصل؟

ستتشكل حكومة توافقية، تشبه الحكومة القائمة، مع نعديل للنسب. ولن يكون هناك قدرة لفريق ان يهزم فريقاً ولو بالتصويت. سيضطر الفائز الى التنازل للخاسر، يهدف الحفاظ على الحد الأدنى من الوفاق.

 

الانتخابات: مكانك راوح.

لنفرض ان الانتخابات افرزت فوزاً لقوى 14 آذار. فلن يتغير شيء. الرحلة ستكون من ازمة الى ازمة.

قد يقال: ومن يحمي المقاومة؟

الجواب: المقاومة حمت نفسها، وهي قادرة على حماية نفسها بقوتها وحبرها وعلمها وهذا يكفي.

فالمقاومة لا تنتمي الى العائلات السياسية اللبنانية. هي امر آخر ولها مستقبل مختلف. وهي الأمل.

ماذا نستنتج؟

ان كل انتخابات ديمقراطية، تفترض حتماً، الا تكون طائفية. وبيننا وبين هذا المطلب، سنوات من النضال، لم يدخل في زمنها احد بعد، بطريقة جدية.

اذاً: كل انتخابات ولبنان بخير. وبانتظار الديمقراطية من دون احتساب الحصص الطائفية، سيبقى لبنان، في رحى الأزمات، تطحنه ويطحنها.