العدد السابع والثلاثون - كانون الاول

الباحث والمفكر الدّكتور فوّاز طرابلسي ل"تحولات":

اليسار العربي تشتت وتراجع لصالح الحركات الاسلامية
الخميس 11 كانون الأول (ديسمبر) 2008.
 

في فترة من الزّمن كانت الأنظمة الشّيوعيّة والاشتراكيّة ولاسيّما الاتّحاد السّوفياتي السّابق تشبّه بالمكانس العملاقة لأنّها كانت قادرة على أن تمسح من دربها كلّ مايعرف بالولاءات القديمة ولاسيّما الطّبقات الرّأسماليّة . "تحولات" التقت الباحث والمفكر السياسي الدكتور فواز الطرابلسي وبحثن معه مواضيع تتعلق بالتاريخ السياسي العالمي.

 كيف تقيم تجرية الاتحاد السوفياتي بعد سقوطه؟ وهل كانت قراءة فاحشة الخطأ وهل صحيح أنّها كانت تشويهاً لتاريخ المجتمعات؟

 في الجواب على الشّقّ الأوّل لابدّ أوّلاًمن القول أنّ الاتّحاد السّوفياتيّ هو عبارة عن قرن كامل. تتوّجت فيه النّضالات المعادية للرّأسماليّة بقيام نظام يسعى إلى مغايرة الرّأسماليّة. وبالتّالي الاتّحاد السّوفياتيّ هو حصيلة نضالات شعبيّة قامت منذ الثّورة الصّناعيّة وتحوّلت إلى إمكانيّة بناء مجتمعات غير رأسماليّة بهذا المعنى فإنّ سقوطه هو سقوط لهذه التّجربة .

ولكنّ السؤال الملحّ الذي يطرح نفسه أيضاً بعد سقوط الاتّحاد السّوفياتيّ هل أصبحت الرّأسماليّة أرحم؟ هل صارت أكثر توزيعاً للثّروات؟ هل صارت أكثر عدالة ؟ هل تفي بمتطلّبات الأكثريّة في العالم ؟ هل إنّ التّفاوت المناطقيّ بين الجنوب والشّمال خفّ مع انتصار الرّأسماليّة ؟ الجواب على كلّ هذا العكس تماماً وهناك أمران أساسيان حدثا في العالم بفضل الاتّحاد السّوفياتيّ وهما لاينسبان إليه الأوّل هو أنّه لولا الاتّحاد السّوفياتيّ لما انتصرت البشريّة على النّازيّة في الحرب العالميّة الثّانية. وهذا الامر قد لايعنينا في لبنان ولكن كان علاقة أساسيّة بمصير العالم ، وأيضا لولا الاتّحاد السّوفياتيّ لما تحرّرت أوروبا من الاحتلال ويحاول البعض أن ينسى او يتناسى أنّ الشّيوعيّة كانت عبارة عن حركات تحرّر وطنيّ حتى خارج الاتّحاد السّوفياتيّ فالصّين مثلاً لم تتحرّر ولم تتوحّد لولا الشّيوعيّة . ناهيك عن فيتنام وعن سائر حركات التّحرّرالعالميّة التي سميت بحركة عدم الانحياز

والسؤال المهمّ أيضا في هذا المجال ماذا تحوّل بالرّأسماليّة بفضل التّحدّي السّوفياتيّ ؟ الجواب هو أنّ كلّ ماكان يعرف بدولة الرّعاية التي تعني التّدخّل الدّوليّ بالاقتصاد والتّدخّل الدّوليّ بالتّوزيع وكلّ مايعرف بالرّأسماليّة الاجتماعيّة ، كلّها جاءت لردع النّفوذ القويّ لليسار الشّيوعيّ في أوساط العمّال في أوروبا والتّخفيف من نفوذ الاتّحاد السّوفياتيّ .وما إن زال هذا التّحدي حتى جرى تفكيك هذه المنجزات .

 هل كانت أزمة الاتّحاد السّوفياتي في بذور تكوينه؟

 سقوط الاتّحاد السّوفياتي لايضعنا أمام نهاية التّاريخ . ولا الرّأسمالية باتت أرحم وأكثر عدالة ، كما إنّ الحركات المقاومة للرّأسماليّة قد وصلت إلى طور جديد من تطوّرها اسمه العولمة وهي موجودة ومتزايدة ، بالنّسبة لي أنا لااجد سبباً كي انتقل إلى المعسكر الأخر كما فعل البعض لأنّ معسكرنا قد خسر .

وأنا شخصيّاً من الأشخاص الذين لديهم ملاحظات نقديّة لتجربة الاتّحاد السّوفياتيّ ولي كتابات في ذلك ونقدي له عدة أسباب منها غياب المكوّن الدّيموقراطي إضافة إلى البيروقراطيّة التي سادت وكون نمط البناء فيه كان أقرب إلى رأسماليّة الدّولة منه إلى الاشتراكيّة، إضافة إلى دور الاتّحاد السّوفياتي إحياناً في قمع عدد من حركات التّحرّر لمنع قيام عدد من الثّورات وأيضاً على الصّعيد الشّخصي وأنا كإنسان عربي كنت مع الوجه الذي أبرزه الاتّحاد السّوفياتي في دعمة لحركات التّحرّر العربيّ ، وتالياً انا شخصياً أيضا ً وأيضاً لم أكن أرى في الاتّحاد السّوفياتي النّموذج الأمثل للإشتراكية وإن كنت أرى فيه محاولة لتجاوز الرّأسماليّة ولكنّها قوّضت وضربت

 ما علاقة كلّ ذلك بالماركسيّة ؟

الماركسيّة أراها شقّين الشّقّ الأوّل أنّها هي علم الرّأسماليّة وقسم كبير من هذا العلم لايزال هو أغنى ماكتب في تحليل هذه الظّاهرة التي تطغى على حياتنا منذ ثلاثة قرون وأسمها الرّأسماليّة ، بمعنى آخر ميل الرّأسماليّة إلى مراكمة وتصعيد الأرباح وميل الرّأسماليّة إلى الانتاج أكثر من الاستهلاك و ميل الرّأسماليّة إلى الانتقال من الدّائرة الانتاجيّة إلى الدّائرة الماليّة إضافة إلى الأزمات الدّوريّة للرّأسماليّة إذا أخذنا هذه العوامل فقط فهي لاتزال فاعلة في مجتمعاتنا أكثر ممّا كانت فاعلة سابقاً . فكيف إذا أضيف إليها كلّ المنظور الذي أتى به ماركس وهو النّظر إلى العالم بماهو انتساب البشر إلى فئات إجتماعيّة يحدّدها مستوى الدّخل ومستوى الإنتاج هذه ماتعنيه الماركسيّة من حيث هي علم أمّا الماركسيّة من حيث هي تنبّؤ وصورة لمجتمع مختلف أنا أعتقد أنّ ماركس تنبّأ خطأ في موضوع معيّن وهو ميل الرّأسماليّة إلى التّمركس سيؤدي إلى زوال الطّبقات الوسطى وإلى توحيد العالم بحيث يصبّح كله منسجماً. وإلى تلخيص الصّراع بين طبقتين قلّة من الرّأسماليّة وكثرة من البروليتاريا برأيي هذا التوقّع لم يكن مصيباً .

الأمر الآخر الذي كان ماركس على خطأ فيه هو أنّ ماركس لم يتحدّث عن مجتمع جديد بل تحدّث عن عناصر جديدة في المجتمع ، ديكتاتوريّة البروليتاريا عنده هي غلبة الأكثريّة على الأقليّة وليس العكس . إذاً هو غلب الاقتصاد على السّياسة ، فيما اللّيننيّة فيها الكثير من تغليب السّياسة على الإقتصاد ممّا يعني أنّ البنية الفوقيّة إذا كانت عماليّة فهي تستطيع أن تجرّ الإقتصاد المتخلّف وهذه أيضاً تبيّن أنّها مسألة صعبة

 تجربتك الشّخصيّة ماذا تقول؟

 تجربتي على الصّعيد الشّخصيّ تقول أنّني إنسان ماركسي أسلتهم هذا الفكر من ضمن كلّ مايقاربه أو يغنيه أو يتجاوزه من الفكر العالمي .كما إنّ هناك عناصر من هذا الفكر تفسّر الوجه الآخر للاتّحاد السّوفياتي وهو الوجه الدّيكتاتوري الدّمويّ وأنا لا أبرّئ الفكر الماركسيّ منه ، فالسّتالينيّة قتلت من العمال ومن الشّيوعيّين أكثر ما قتلت الرّأسماليّة ، فلا هذا النّمط من الحكم البوليسي الأمنيّ ولا الاستهتار بالحياة البشريّة بعيدين عن أوجه من الماركسيّة أوعن تاويلات من الماركسيّة

ولكن هناك شهادة أودّ قولها أنّ الماركسيّة فيها - لمن يرغب - قواعد تطوّر بنيويّ وزمنيّ للرّأسماليّة أغنى من أيّ فكر صدر منذ ذلك الحين.

 هل ثبت بعد سقوط الاتّحاد السّوفياتيّ أنّه لابديل عن الهويّة القوميّة كاستمرار لتماسك المجتمعات ولاسيّما المركّبة منها؟

اولاً كلّ المجتمعات هي مجتمعات مركّبة وثانيا من قال أنّ الاتّحاد السّوفياتيّ بريء من القوميّة بما فيها غلبة روسيا على سائر القوميّات ، الطّريف في الأمر أنّ الكثيرين ممّن ظنّوا أنّ الولايات المتّحدة كان همّها الأساسيّ إزالة الشّيوعيّة من روسيا  اكتشفوا لاحقاً أنّ الخطر الرّوسيّ على أميركا هو خطر قومي بمعنى آخر هو خطر بلد نووي ممكن أن ينافس أميركا بالقدرة العسكريّة وهذا ما يفعله بوتين اليوم .

أمّا إذا كان السّؤال حول الأمميّة والقوميّة ، أنا أعتقد أنّ التّوقّع حول زوال القوميّات هي من التوقّعات التي تحتاج إلى تفحّص حتى لانقول أنّها سقطت ، ولكن هذا لايعني أنّ القوميّة هي كائن لاتاريخيّ إنّما تصوّر الأمميّة بماهي رفض الانتماء القومي هي فكرة خاطئة هناك فرق كبير بين الانتماء القومي وما تعنية بالنّسبة للوحدة العربيّة مثلا وبين أن تكون أيدلولوجياً قوميّاً بمعنى آخر أنا مع الوحدة العربيّة ولكني لست قوميّاً عربيّاً أي أنّي لست أزعم أنّ هذه الأمّة موجودة منذ بدء التّاريخ وكلّ ماهو في داخلها جيّد وكلّ ماهو خارجها قبيح وكلّ مطالبة بأجزاء منها هو إضعاف لمعنويّات الأمّة .ودعني أقول لك أنّ الاتّحاد السّوفياتيّ ساهم بإنشاء عشرات الأمم التي كانت مستعمرة ومقموعة في فترة من الزّمن وتالياً هو لم يكن بريئاً من القوميّة الرّوسيّة الكبرى

وأنا من الذين كانوا يظنّون أنّه من خلال هذا التّرتيب الفيدرالي أمكن إيجاد حلّ لتعايش القوميّات هذه ولكن تبيّن أنّ هذا التّعايش قائم على السّيطرة وعلى قمع لعدد من العناصر القوميّة.

 مصطلح العولمة هل ينتمي إلى مجال السّياسة أم الاقتصاد أم أنّه مصطلح فلسفيّ ؟

 لا أعتقد أنّه مصطلح فلسفيّ ، العولمة هي ظاهرة من ظواهر الرّأسماليّة وجدت عند توحيد العالم في ثلاث مراحل المرحلة الأولى عند توحيد العالم في سوق تجاري واحد وذلك عند اكتشاف أميركا والثّانية هي العولمة التي تكلّم عنها ماركس وهو نبيّ العولمة بمعنى سيطرة الرّأسماليّة كنمط إنتاج على كلّ العالم وثالثاً هذا الطّور من التّطوّر الرّأسماليّ الذي له خصائص كثيرة سريعة وسهلة أوّلها انتقال الرّأسمال من دائرة الإنتاج إلى دائرة المال وهو موضوع قديم في الرّأسماليّة تكلم عنه لينين عندما تحدّث عن الإمبرياليّة بماهي أحد أطوار هذا الدّور

والعولمة التي نتحدّث عنها هي الانتقال إلى الدّائرة الماليّة كما إنّها توحيد حقيقيّ للعالم بواسطة الإعلام إضافة إلى انتقال الإنتاج من البلدان الغربيّة إلى إعادة توزيعه في بلدان العالم الثّالث وذلك توفيراً للكلفة ، حتى إنّ انتقال الصّناعات الأوروبيّة لتصنع في بلدان العالم الثّالث لأنّ كلفة الإنتاج في أوروبا أصبحت مرتفعة سببه نضالات الطّبقة العاملة وبسبب الخوف من الإشتراكيّة وبسبب الرّأسماليّة الاجتماعيّة.

أنت إذاً أمام ظاهرة نيو ليبراليّة محكومة بلاهوت السّوق وقداسة السّوق وبالتّالي توهمك بتوحّد العالم وهو موحد بنموّ التّناقض و بالتّفاوت بين أجزاء العالم وبالهيمنة . وقد نتج عن الغياب السّياسيّ للاتّحاد السّوفياتي ظهور الهيمنة الإمبراطوريّة للولايات المتّحدة إضافة إلى العداء المتزايد للدّولة الأمّة ونموّ الحركات المناهضة لها سواء كانت فوقها أو تحتها.

 روسيا اليوم هل هي الاتّحاد السّوفياتيّ السّابق بمصطلحات جديدة وخاصّة بعد ما جرى في القوقاز؟

 أعتقد أنّ المدخل لهذا الموضوع هو ما قلته سابقاً أي ان القيّمين على الاتّحاد السّوفياتي  السّابق اعتبروا أنّ فكفكة الشّيوعيّة فيه هو التّنازل الكبير ليكتشفوا أنّ التّحدّي الأميركي الخطر لايكتفي باجتياح الرّأسماليّة للعالم.

وهنا يجب أن لاننسى أنّ حوالي ثلث العالم كان خارج الرّأسماليّة ومن ثمّ دخلها . وهنا اأريد القول أنّ قادة الكثير من الدّول الاشتراكيّة السّابقة وقعوا في الوهم القائل أنّ في حال زوال الشّيوعيّة والاشتراكيّة فلن يكون بينهم وبين الولايات المتّحدة اي مشكلة ليكتشفوا بعد فترة أنّ الولايات تدعو إلى منع أيّ قوة من منافستها عسكريّاً وحتى لو اقتضى الأمر استعمال القوة المسلّحة والقوى المقصود منعها هي روسيا وأوروبا، هذا التّحدّي استثار المصالح التي يمثّلها بوتين وأظهر العصبيّة القوميّة وبالتّالي نحن قادمون على نمط من المقاومة لمحاولة الهيمنة الأميركيّة هذه ومحاولة استفادة الدول من الضعف الاقتصادي الاميركي الحالي،

السّؤال الكبير هو كيف تستفيد روسيا والصّين والهند من الأزمة الرّأسماليّة العالميّة ؟

الشّيوعيّون والماركسيّون في لبنان في العالم العربيّ كيف تقيّمون تجربتهم العقائديّة والفكريّة اليوم بعد كل التّطوّرات التي حدثت منذ أوائل التّسعينات حتى اليوم هل هي في حالة تبلور أم في حالة تدهور؟

لاهذه ولاتلك ، اليسار هو بقايا أحزاب كان دورها فاعلاً ومهمّاً في حياتنا ولعب دوراً أساسيّاً ومشرفاً في حياتنا الّنقابيّة والوطنيّة وبسبب دورها هذا تعرّضت لقمع شديد ، الفراغ الذي نتج عن الضّعف والتّشتّت الذي أصابها جرت تعبئته شعبيّاً بواسطة الحركات الإسلاميّة .

هي ليست في حالة إعادة تبلور فنحن مازلنا في الأطوار شبه الأخيرة من التّحجيم والأذى والسّؤال هنا الذي يطرح نفسه هل هناك حاجة لليسار الجواب نعم وهل تستطيع الأجيال الجديدة من اليساريّين بلورة يسار جديد هذا أمر تتوقّف عليه أمور كثيرة . أوّلها قدرتها على الاستفادة من التّراث الفكريّ الغنيّ الموجود عندها وتجييره لمنافسة الحركات الإسلاميّة على اكتساب الشّعب ، إذاً فالأمر بحاجة لخطاب ذكيّ يخرج من معادلة ياظلامي او علماني ، و لايتخلى عن علمانيّته ولكن يدرجها ببرنامج ديموقراطيّ اجتماعيّ كامل .

حاوره: نبيل المقدّم