العدد السابع والثلاثون - كانون الاول

إذا كان النّفط بهذه النّدرة فلماذا العرب بهذا الضعف ؟(2)

الخميس 11 كانون الأول (ديسمبر) 2008.
 

في ظلّ الأزمة الاقتصاديّة و السّياسيّة التي يشهدها العالم اليوم ، لا يزال النّفط هو السّلاح الفعّال الذي يستخدم للتأثير على القرارات العالميّة و قد استخدم خلال العامين 1973 و 1974 كوسيلة ضغط على المجتمع الدّولي في ظل الممارسات المجحفة التي تحصل بحق فلسطين و أهلها ..

و لكن .. العرب أغفلوا هذا السّلاح اليوم و تجاهلوه فضيّعوا الكثير من الفرص التي قد تساعدهم

في فرض رأيهم على السّاحة الدّولية .. في هذا المقال نسلّط الضوءا ليوم على أهميّة النّفط العربي و علاقته بأحداث 11 أيلول متابعين ما بدأناه في العدد السابق في الجزء الاول من هذه الدراسة . 

 

النّفط العربي :

 إذا كانت كل حقبه زمنيّة تحمل اسم المادة الاأساسيّآ التي برزت فيها فلا ريب أنّ عصرنا الحاضر سوف يعرف بـ ((عصر النّفط)). ذلك أنّ النفط أصبح الوقود الأساسي ، وعلى الاأرجح المادّة الأوليّة الأهمّ والأكثر ضرورة التي عرفتها حضارة التّصنيع المعاصر. ويمثّل النّفط اليوم العنصر الوحيد الأوسع انتشاراً في مجال التّجارة الدّوليّة، إذ يصدَّر منه ماقيمته 250 مليار دولار، أي أنّه يمثّل نحو 10 في المائة من مجمل العمليّات التّجاريّة الدّوليّة، و 40 في المائة من الاستهلاك العالميّ الأساسيّ من الطّاقة التّجاريّة ، كما يعدّ دعامة الصّناعة وقوام النّقل وأهمّ مسبّب للحروب. ولعلّ النّفط أصبح اليوم العامل الأساسيّ في تحديد التّوازن العسكريّ والسّياسيّ والاقتصاديّ في العالم.

وفي حين يتميّز النّفط باستعمالاته المتعدّدة والمنتشرة، فهو ينحصر استهلاكه وإنتاجه في مناطق محدودة وفي أيادٍ قليلة . أمّا من ناحية الطّلب على النّفط، فمن أهم مستهلكيه نذكر إقتصاديّات الغرب الصّناعيّة الضّخمة ،لاسيّما مناطق أوربا الغربيّة الأكثر ديناميكيّة ، ومؤخّراً الولايات المتّحدة واليابان اللّتين برزتا بشكل أساسي كدول مستهلكة للنّفط. إذ إنّ قدرتهما على إنتاج الطّاقة المحلّيّة لاتسدّ حاجاتهما الاستهلاكيّة، الأمر الذي يضطرّهما إلى الاعتماد بنسبة عالية على إستيراد النّفط لتحقيق التّوازن. أمّا من جهة العرض فهناك مجموعة صغيرة من الدّول النّامية والعربيّة بوجه خاص ، تنتج وتصدّر معظم إنتاجها إلى أوربا الغربيّة واليابان والولايات المتّحدة خصوصاً.

أمّا عمليّات إنتاج النّفط والتّنقيب عنه ، ولاسيّما تكريره وتوزيعه ، فتتولاها ، حتى في الدّول المصدّرة للنّفط ، حفنة من الشّركات الضّخمة فوق القوميّة والمدمجة كلّيّاً التي ترفع أعلام الدّول التي كانت حتى وقت قريب البلدان المنتجه للنّفط.

يتوافر النّفط بغزارة في العالم العربي، ويتمّ تأمينه على نحو غير منتظم مع احتمال كبير في تقلّب الأسعار نتيجة عدم الإستقرار السّياسيّ بخاصة ، ولنشوء أزمات في غالب الأحيان من شأنها أن تهدّد بوقف توفير النّفط أو أن توقفه فعلاً . ومع أنّ لائحة تلك الأزمات طويلة ، فهي مألوفه : حركة مصدق عام 1951 ، السّويس عام 1956 ، الحرب العربيّة- الإسرائيليّة عام 1967 ، حرب تشرين الأول / أكتوبر 1973 ، الثّورة الإيرانيّة عام 1979 ، الحرب الإيرانيّة العراقيّة التي دامت طوا ل الفترة 1980- 1988، والاحتلال العراقي للكويت عام 1990 * ،

وحرب الخليج عام1990 واحتلال العراق عام 2003 .

يعدّ إنتاج النّفط وتوزيعه وتحديد أسعاره والتّنقيب عنه ، بمثابة مسائل اقتصاديّة معقّدة . إلا أنّها ليست قضايا اقتصاديّة بحتة ، بل يؤدّي النّظر إليها من النّاحية الإقتصاديّة النّظريّة والعمليّة إلى تكوين وجهة نظر مشوّهة ومضلّلة . فالحكومات تملك معظم الموارد الطّبيعيّة وتتولّى اتّخاذ القرارات الخاصّة بوتيرة التّنقيب عن النّفط وتطويره وبمعدّلات استخراجه في الدّول المنتجة ، حتى إنّ سياسات تسعيره منوطة بدوافع سياسيّة ، أضف إلى ذلك إن تنظيم الصناعة النّفطيّة وفرض الضّرائب عليها مرتبطان بالسّياسة ، كما تنظر الحكومات كلّها إلى تنظيم تدفّق النّفط مثله مثل سائر التّدفّقات الإقتصاديّة بين الدّول ، على أنّه مسألة سياسيّة . فبإمكان النّظريّة الإقتصاديّة أن تلقي الأضواء بوجه فاعل على الجوانب الإقتصاديّة للقضايا المطروحة ولكن الموضوع هنا ليس اقتصاد النّفط بل هو ، على نحو أدقّ ، الإقتصاد السّياسيذ للنّفط.

 


Robert Mabro, "Political Dimensions of the Gulf Crisis" , Oxford Institute for Energy Studies , Gulf and World Oil Serious: Paper 1.

 

 

 

أهميّة النّفط العربي:

يمثّل النّفط العربيّ مخزوناً غير متجدّد وقابلاً للنّفاذ. غير أنّه مخزون هائل (الاضخم في العالم)  يمثّل 63.5% من المجموع الإجماليّ للنّفط العالميّ و ينتج بتكاليف متدنيّة( أدنى منتوجات النّفط كلفة في العالم).

تعود جذور الصّناعة النّفطيّة في البلدان العربيّة في بداية العصر . وقد اكتشف النّفط في العراق عام 1927، ثم اكتشفت تدريجيّاً كميّات النّفط الهائلة في شبه الجزيرة العربية خلال الثّلاثينات . غير أنّ هذه المنطقة لم تعرف الإزدهار ولم تشتهر بكونها المستودع والمصدر الرّئيسيّ للنّفط في العالم إلا مع حلول الخمسينات. واعتباراً من ذلك الحين ، عرفت المنطقة بأنّها المصدر الرّئيسيّ للإمدادات النّفطيّة المتزايدة ، كما أنّها ستواصل تأدية هذا الدّور على نحو متزايد بعدما تستنفذ سائر المناطق ما تملكه من نفط . في الواقع ، تمكّنت سائر الدّول التي أدّت هذا الدّور في السّابق ، مثل المكسيك وبحر الشّمال ، من إنجاز مهمّتها خلال فترة قصيرة من الزّمن ، إذ لم تكن قادرة على إتمامها لفترة طويلة . وفي بداية الخمسينات ، كان الشّرق الأوسط يحوي نحو 50% من إحتياطيّ العالم الثّابت من النّفط وما يقارب 16% من إجمالي إنتاجه . واعتباراً من ذلك الحين ، أخذت كميّات احتياطي النّفط وإنتاجه المطّردين تزداد ازدياداً سريعاً . وفي عام 1990، كانت البلدان العربيّة في الشّرق الأوسط تحتوي على نحو ثلثي احتياطي النّفط العالمي ( انظر الجدول رقم 1 ) ، فبعدما كانت نسبة إنتاج النّفط عام 1938 تقدر بــ 6% ، ارتفعت سريعا لتبلغ 16% عام 1950 ، ثم حافظت على زيادتها الثّابتة حتى العام 1975 حيث بلغت 36% ، وبين عامي 1975 و 1985 انخفض انتاج النّفط في هذه البلدان ، الذي يمثّل نسبة مرتفعة من الإنتاج العالمي ، انخفاضاً ملحوظاً . وفي عام 1985 بلغ 19% فقط . وبعد العام 1985 وفي أواخر الثّمانينات استعادت المنطقة سريعاً دورها كمنتج للنّفط ( أنظر الجدول رقم 2) ومع حلول العام 1990 ازداد حجم إنتاج النّفط ليبلغ 27% ، وفي عام 2002بلغ الإنتاج 31.1%.

جدول رقم (1)

احتياطي النّفط الثّابت في البلدان العربيّة

 

السّنة

عدد البراميل (بالمليارات)

النّسبة من اجمالي الانتاج العالمي (بالمئة)

1951

48

48.8

1970

340

54.8

1975

368

55.5

1980

362

55.3

1985

390

54.2

1990

660

65.2

2000

726.8

63.5

 

Sources: Resources for Freedom (1952); BP Statistical Review (1975, 85, 91, 2004). World Crude Oil and Natural Gas Reserves , Jan 1 , 2000. US Department of Energy.

 

 

 

جدول رقم (2)

انتاج البلدان العربيّة في الشّرق الأوسط

وإنتاج العالم من النّفط (مليار برميل / يوم)

 

السّنة

الانتاج العربي في الشّرق الأوسط

الانتاج العالمي

نسبة انتاج البلدان العربيّة في الشّرق الأوسط من الانتاج العالمي(في المائه)

1938

0.3

5.5

6

1950

1.7

10.4

16

1955

3.2

15.5

21

1960

5.2

21.1

25

1965

8.3

31.3

27

1970

13.8

47.3

29

1975

19.5

54.7

36

1980

18.5

61.6

30

1985

10.7

56.1

19

1990

17.9

66.7

27

2002

23.7

74.7

31.1

 

 

Sources: Damstadder Et.al (1971); BP Statistical Review (1975,85,91).

 

من المسلّم به اليوم أنّ هذه الأرقام الواردة في الجدولين (1) و (2) تقدّر كميّة النّفط المتوافرة في الشّرق الأوسط بأقلّ ممّا هي عليه في الواقع ، كما تقلّل من الأهميّة النّسبيّة للمنطقة في مجال إنتاج النّفط العالمي .وتثبت مجموعة من العوامل هذا الإدّعاء:

1-  إنّ الإرتفاع الكبير في كميّة احتياطي النّفط الثّابت بين عامي 1985 و 1990 الذي يشير إليه الجدول رقم (1) هي نتيجة ارتفاع سُجّل لمرة واحدة في كميّات النّفط الإحتياطيّة الموجودة في أبوظبي والعراق والعربيّة السّعوديّة بما يعادل 245 مليار برميل - أي أكثر من 80 في المائة من المجموع الذي ذكر سابقاً . ويعني ذلك أنّ الأرقام الواردة في الجدول رقم (1) غير نهائية ولا تعكس على الأرجح الصّورة الكاملة أو الحقيقيّة عمّا هو متوافر في المنطقة . ومن المفترض أن تعكس الأرقام الواردة في الجدول رقم (1) بطريقة ما وبصورة مبدئيّة على الأقل ، كميّات النّفط المحدودة تحديداً دقيقاً في جوف الأرض ، التي يمكن استثمارها تقنيّاً واقتصاديّاً بأسعار النّفط المعتمدة وهنا لابدّ من الإشارة إلى أنّ الإقتصاديّين مستاؤون من التّدابير العمليّة التي لا تظهر أيّ تجاوب مع تغيّرات الأسعار .

جدول رقم (3)

نسب إنتاج احتياطي النفط (2002)

المنطقة

الاحتياطي الثابت

(مليارات البراميل)

الاحتياطي/الانتاج

(سنويا)

امريكا الشّمالية

65.5

12.8

أمريكا اللاتينية

100.5

39.6

أوربا وأوراسيا

1004.3

17.6

النّرويج

9.0

7.4

المملكة المتّحدة

3.8

5.5

الشّرق العربي

726.8

95.2

افريقيا

101.7

35.0

آسيا واستراليا

47.5

16.4

العالم

1146.3

42.4

 

Source: BP Statistical Review 2004

 

2-لا تزال تكاليف إنتاج النّفط في الشّرق الأوسط أرخص كثيراً من تكاليف إنتاجه في مناطق أخرى * ومن المتوقّع أن تكون تكاليف إنتاج إحتياطي النّفط غير المستثمر أقل كثيراً من تكاليف إنتاجه في سائر المناطق ، فليس هناك من دافع في ظلّ الأسعار المعتمدة يحثّ على إنفاق المال لإثبات وجود هذا الإحتياطيّ أو تطويره ، ذلك أنّ معدّل مردود تلك الإنّفاقات لا يوافق نسبة الأرباح المتأتّية من الإحتياطي الموجود فعلاً . ويدّعي راديتسكي أنّ تكاليف استثمار الإحتياطي الثّابت الأكثر كلفة من النّاحية الإقتصاديّة في الشّرق الأوسط أقلّ فعلاً من الأسعار التي سادت منذ أوائل السّبعينات**.

تشير الوقائع السّالفة الذّكر إلى أنّ المكانة المرموقة التي يحتلّها العالم العربيّ في سوق النّفط العالميّة لا يرقى إليها الشّكّ ، فاعتماد الدول المستهلكة على النّفط العربيّ كلّي ومتزايد . وينطوي ازدياد واردات النّفط الأمريكيّة من المنطقة على دلالة مهمّة خاصّة ، فمضامينه عديدة وخطيرة قد تؤدّي إلى تغيّرات شديدة الأهميّة في تسعير النّفط وإنتاجه بدأت تتجلّى ا ليوم . وقد يحتجّ البعض بأنّ الولايات المتّحدة عمدت في السّابق إلى "استخدام" الشّرق الأوسط لغرضين رئيسين أولّهما كآليّة لتحويل فائض الدّولارات الأمريكيّة التي تراكمت بين أيدي ألمانيا واليابان- حين كانت أمريكا متورّطة بحرب فيتنام - إلى المصارف الأمريكيّة والأسواق الماليّة وثانيهما كأداة ضغط غير مباشرة تطابق ما سمّاه جورج كينان قوّة "الفيتو" التي تتحكّم في التّطوّرات العسكريّة والصّناعيّة في اليابان وأوروبا.

  M.A. Adelman. "The Competitive Floor To world Oil Prices" Energy Journal. Vol.7, No.4 (OCT 1986); M.A. Adelman, "Oil Resource Wealth of The Middle East". Energy Studies Review, vol 4, no. 1 (1992), pp. 7-22, and J.M. Blair, The Control of Oil (London; Mac millan, 1977).

  Radetzki, p.3.

مع تزايد اعتماد أمريكا على النّفط ، سوف يكتسب الإحتياطي النّفطيّ العربيّ أهميّة حيويّة في تأمين الرّفاهيّة للإقتصاد الأمريكي . وبين عامي 1970 و 1973 ، ارتفعت واردات النّفط الأمريكيّة من 3.2 مليون برميل يوميا إلى 6 ملايين برميل في اليوم الواحد، وهو إرتفاع بنسبة 100 في المائة تقريباً. وهو لايمثّل إلا 35 في المائة من الاستهلاك المحلّي*. ومنذ ذلك الحين أخذ اعتماد الولايات المتّحدة على استيراد النّفط يتزايد ويتعاظم . ففي عام 1990، مثلت تلك الواردات نحو نصف الإستهلاك الأمريكي من النّفط بعدما كانت عام 1985تؤلّف 35 في المائة منه. أمّا مصدر تلك الواردات الاضافيّة فكان عمليّاً منطقة الخليج العربي. ومع حلول العام 1990، أصبح النّفط العربيّ (الخليجي) يمثل 25 في المائة من مجمل واردات النّفط الأمريكيّة . وعام 2002 ارتفعت هذه النّسبة إلى 35 في المائة من واردات النّفط الإجمالي **.

وبناء على دراسة حديثة قام بها مركز دراسات الطّاقة الكونيّة ، من المتوقّع أن يزداد اعتماد الولايات المتّحدة على النّفط العربي (الخليجي) ليبلغ 43 في المائة من مجمل وراداتها النّفطيّة في نهاية هذا القرن إذا ما بقي إنتاج النّفط الأمريكي على حاله. ولكن إذا ما واصل إنتاج أمريكا من النّفط تدنّيه بالنّسبة التي شهدناها خلال الفترة الممتدّة بين عامي 1985و1990( تدنٍ سنوي بنسبة 5 في المائه ) فقد يزداد اعتمادها على النّفط العربيّ (الخليجي) ليصل إلى 57 في المائه .***

 

 

* D.Yergin, "Eergy Security in the 1990" Foreign Affairs, 67 (Fall 1988), pp. 110- 132.

** Fadhil J. Al-chalabi, Comment in : Energy Studies Review, vol. 4 , no. 1 (1992), pp. 40 - 44.

*** Ibid

 

 

لقد حافظت الولايات المتّحدة على علاقة خاصّة تجمعها بالشّرق الأوسط ولا سيّما بالمملكة العربيّة السّعوديّة التي تعدّ منتج النّفط الرّئيسي في منظمة الأقطار المصدّرة للنّفط (أوبيك) ، التي أصبحت عام 1973 المنتج الأهم والأثقل وزناً في العالم كلّه. ذلك أنّ السّعوديّة تستطيع أن تملي الأسعار في سوق النّفط الدّوليّة بما لها من قدرة تقنيّة واقتصاديّة على زيادة إنتاج النّفط أو وقفه بصورة أساسيّة (قد تخفضه إلى نسبة مليوني برميل في اليوم الواحد أو ترفعه إلى أكثر من 11 مليون برميل يوميا). وكما أشار يرفن ، قد ارتفعت نسبة " صادرات العربيّة ا لسّعوديّة العالميّة ارتفاعاً سريعاً ، فقفزت من 13 في المائة عام 1970 إلى 21 في المائة عام 1973، واستمرّت بالارتفاع"* . وكان الإتّجاه قبل زيادة الأسعار جليّاً واضحاً ، فالسّعوديّة ، التي يقلّ عدد سكانها عن 8 ملايين نسمة ، والتي تستأثر بما يزيد على ربع كميّة النّفط العالميّة المعروفة ، تستطيع وحدها أن تحدّد معالم العلاقة المستقبليّة بين العرض والأسعار بهذا المورد الحيويّ بالنّسبة إلى دول الغرب الصّناعيّة واليابان ، فتجني بذلك عائدات تفوق كثيراً قدرتها على الإنفاق (عام 1981 بلغ حجم العائدات النّفطيّة في السّعوديّة 113 مليار دولار في حين لم تتجاوز وارداتها 35 مليار دولار)**.

في المرحلة التي أعقبت موت الملك فيصل (آذار/ مارس 1975)، أعطيت بعداً استراتيجيّاً جديداً للعلاقة الأمريكيّة - السّعوديّة القائمة أصلاً على النّفط و المال

 

*Yergin, The Prize, p. 599.

** Atif Kubrusi, Oil, Industrialization and Development in the Arab Gulf States(London; Croom Helm, 1985), pp. 32-33.

 

 

وقد اتّفق الشّريكان أن يستثمر فائض المردود الذي تجنيه السّعوديّة في مؤسّسات أمريكا الماليّة وصناعاتها العسكريّة . وفي عام 1971، توقف نيكسون عن اعتماد قاعدة الذّهب في الولايات المتّحدة ، الأمر الذي أفضى إلى تدهور سريع في قيمة الدّولار بعدما أدّى التّضخّم المالي الذي تسبّبت به حرب فيتنام إلى تدنّي قيمة العملة الأمريكيّة . وفي هذا السّياق أصبحت العلاقة بين البلدين ، التي أخذت بالتّالي تلقى منافسة في سائر الدّول ا لشّرق الأوسطيّة المنتجة للنّفط ، ولا سيّما الكويت والإمارات العربيّة المتّحدة ، تتمتّع بأهميّة بالغة في توضيح سياسة أمريكا الشّرق أوسطيّة كجزء من السّياسة الإستراتيجيّة الأكثر شمولاً التي تقضي بالمحافظة على تفوّق أمريكا الإقتصاديّ على منافسيها الصّناعيين . وفي الفترة الممتدّة بين عامي 1975 و 1979  ابتاعت السّعوديّة من الولايات المتّحدة * ما قيمته 20 مليار دولار من التّجهيزات العسكريّة ، علماً أنّ معظم هذا الدّخل متأتٍ من تصدير النّفط إلى أوروبا واليابان ، و"استثمرت" القسم الأكبر من فائض أموالها الذي يقدّر بأكثر من 350 مليار دولار كسندات خزينة في الولايات المتّحدة أو في المصارف الأمريكيّة.

ويتحدث البعض أن رؤوس الاموال السعودية المودعة في الولايات المتحدة قد تجاوزت 2 مليار دولار.

 

* N.Safran, Saudi Arabia: - The Ceaseless Quest For Scurity( Cambridge, Mass.:-Harvard University Press. 1985), p.296.

 

 

 

 

أحداث أيلول 2001 وتداعياتها

من الجائز أنّ أحداث أيلول 2001 لم تغيّر العالم ولكنّها أعطت صقور القصر الأبيض الأمريكي الذّريعة لتمرير برنامجهم الذي استهدف "قرناً أمريكيّاً جديداً" دون أي منازع لسلطة الولايات المتّحدة . فالسّعوديّه برزت على أنها موطن مخطّطي ومنفّذي أحداث أيلول ودقّت نواقيس الحذر من الإعتماد الأمريكي المكثف عليها كمصدر للطّاقة والنّفوذ في الشّرق العربي. فالجيوش الأمريكيّة على الأراضي المقدّسة بالقرب من مكّة المكرّمة حرّكت غضب المسلمين فاستغلّها بن لادن في حملته على السّلطات السّعوديّة وعلى الأمريكيّين .

إنّ الحرب على العراق واحتلاله جاء مكمّلاً للإستراتيجيّة الأمريكيّة الجديدة في المنطقة بحيث أصبح العراق البديل النّفطي للسّعوديّة حيث اعتقد الأمريكيّون خطأ أنّ النّفط في العراق مجرّد من الإسلام . كما أنّ ضرب العراق ومحاصرة إيران وفصلها عن سوريا من شأنه أن يعزل الخليج العربي ودوله الصّغيرة عن النّفوذ "والتّهديد " الإيراني والعراقي الذي طالما كان عنصراً أساسيّاً في القرار الخليجي في عدم الإرتهان بالمخطّطات والإملاءات الأمريكيّة. إذ أن دول الخليج الصّغيرة كانت مضطّرة إلى موازنة سياستها مع مصالح ومواقف الدّولتين الأساسيتين في الخليج . فتحطيم العراق وتغيير حكامه ومحاصرة إيران من أفغانستان والعراق أنهت أي دور أساسي لإيران والعراق في الخليج واستفردت أمريكا بكل دولة (بلا استثناء) وبدون منازع.

فالقرار العربيّ في شؤون النّفط فقد استقلاليّته وفعاليّته . فالجيوش والأساطيل الأمريكيّة على أرض الخليج تواجدت فعلاّ لتجريد العرب من هذا السّلاح لأنّ النّفط هو جوهر الإستراتيجيّة الأمريكيّة الجديدة التي استهدفت الإستفراد بالقرار النّفطي واستعماله سلاحاً مشهوراً في وجه حلفائهم بالأمس أوروبا واليابان وأعدائهم المستقبليّين الصّين وكوريا والهند . ولو أنّ دول الخليج كانت تنتج القمح أو البطاطا لما كان هناك حروب ولا تواجد أمريكي في المنطقة .

هل هذا يعني أنّ على العرب إنتظار مائة سنة جديدة ليستعيدوا سيطرتهم على مواردهم والقرار النّفطي ؟ أو هل سينضب النّفط ويستبدل قبل استعادتهم له ؟ هل هناك استراتيجيّة مناهضة لهذا الرّضوخ والاستسلام وما هي عناصرها؟

د. عاطف عبدالله قبرصي

جامعة مكماستر

كندا