العدد السابع والثلاثون - كانون الاول

الدّيمقراطيّة التّعبيريّة

شحادة الغاوي
الخميس 11 كانون الأول (ديسمبر) 2008.
 

اثارت ازمة الحالة الأخيرة موجة نقد للنظام الليبرالي والبديل عنه. بدأ العالم يفتش عن حل جديد خاصة بعد سقوط الشيوعية وتعثر الديمقراطية الغربية.

وهنا دراسة تلقي الضوء على مفهوم انطون سعاده "للديمقراطية والتغيير" كبديل عن الشيوعية والديمقراطية التمثيلية.

 

 

معنى الدّيمقراطيّة وأصولها السّوريّة وعلاقتها بالقوميّة

 

الدّيمقراطيّة كلمة يونانيّة مركّبة من كلمتين: ديمو- قراط. ديمو تعني الشّعب، وقراط تعني السّلطة أو الحكم. وديمقراطيّة تعني سلطة الشّعب أو حكم الشّعب. وهكذا أيضاً يمكن فهم تكنوقراطيّة مثلاً كما أرسطوقراطيّة وأوتوقراطيّة وغيرها.

الدّيمقراطيّة نستعملها أذاً للدّلالة على سلطة الشّعب أو السّلطة التي تكون مستمدّة من إرادة الشّعب، الحائزة على ثقته وقبوله ورضاه واختياره، وليست هابطة عليه من خارجه، مفروضة عليه من إرادة غير إرادته، من نفوذ خارجي أو طغيان محليّ، نتيجة قوّة أو نفوذ مالي او عسكريّ أو إقطاعي أو غيره، أو مستمدّة أيضاً من أمر إلهي (زعماً) لا يكون للشّعب فيه اختيار.

سعادة يعرّفها في كتاب نشوء الأمم ب "سيادة المتّحد وحكمه نفسه".

أمّا تعبير "الدّولة" فهو أشمل من السّلطة. الدّولة شأن ثقافي سياسي اجتماعي (نشوء الأمم - نشوء الدّولة) ليست السّلطة فيه إلا الجهاز التّشريعي والتّنفيذي الذي بيده عنصر القوّة الذي تستعمله الدّولة لفرض النّظام.

نقرأ في نشوء الأمم تحت عنوان "الثّقافتان المادّيّة والنّفسيّة" ما يلي:

"ولعلّ الدّولة أجدر الشّؤون والمظاهر الثّقافية تمثيلاً للحياة العقليّة - لا ينفي كونها شأن سياسي لأنّ الثّقافة تشمل السّياسة ولأنّ الدّولة لا وجود لها إلا في المجتمع المركّب ولو تركيباً بسيطاً، ووظيفتها هي العناية بترتيب علاقات أجزاء هذا المجتمع المركّب بشكل نظام يعين الحقوق والواجبات، وهذا سياسة. الثّقافة إذاً، بهذا المعنى، تشمل السّياسة. وإنّ كون الدّولة شأن سياسي لا ينفي كونها شأن اجتماعي لأنّ السّياسة لا وجود لها دون الاجتماع.

يقول سعاده عن كل ذلك معرّفاً الدولة ووظيفتها ما يلي:

"وبديهي أنّ الدّولة شأن ثقافي بحت، لأنّ وظيفتها، من وجهة النّظر العصريّة، العناية بسياسة المجتمع وترتيب علاقات أجزائه في شكل نظام يعين الحقوق والواجبات إمّا بالعرف والعادة، في الأصل، وأمّا بالغلبة والاستبداد. فهي إذاً شأن من شؤون المجتمع المركّب، لا وجود لها إلا فيه، وهي لذلك شأن سياسي بحت، ومع ذلك فهي ليست شأناً لا إجتماعياً، فكما الدّولة لا وجود لها إلا في المجتمع كذلك السّياسة لا وجود لها بدون الإجتماع." (سعادة - نشوء الأمم- الفصل السّادس).

 

نحن لا نعرف غير سعادة، استطاع أن يعرّف هذا الشّأن الشّامل المعقّد المتشعّب وأن يعطيه حقّه بتعريفه وتعريف وظيفته بعبارات قليلة مكثّفة وبنفس لوقت واضحة جليّة وشاملة.

 

إن تعريف سعاده للدّولة ووظيفتها يشكّل أساساً للنّظر في شؤونها، في أنواعها وصفاتها وتطوّر هذه الأنواع والصّفات. وإذا أردنا التّفكير في مسألة الدّيمقراطيّة ، التي هي صفة من صفات الدّولة، وانبثاق السّلطة وعلاقة الدّولة بالمجتمع والمجتمع بالدّولة، وجب علينا الارتكاز والانطلاق من معنى الدّولة ووظيفتها، وفهم معنى الثّقافة، الثّقافة الماديّة والثّقافة النّفسيّة وعلاقتهما، فهم معنى السّياسة، سياسة المجتمع، السّياسة في المجتمع المركّب لترتيب علاقات أجزائه في شكل نظام معيّن، وبالتّالي فهم المجتمع ومعنى المجتمع واقع إنساني طبيعيّ ينشأ ويتطوّر بتأثير عوامل يجب درسها وفهمها فهماً علمياً يستعمل الحقائق والحقائق فقط، وجب علينا درس نشوء الأمم.

إنّ فهم الدّيمقراطيّة وأنواعها وأجناسها وألوانها وأشكالها يرتكز على هذا الدّرس.

الدّيمقراطيّة وأصولها السّوريّة، بقلم سعادة:

"إنّ الدّيمقراطيّة التي يفخر بها العالم الآن فهي من صنع سوري أيضاً، لأنّ أوّل فكرة ديمقراطيّة تعطي الشّعب حقّه في إبداء الرّأي في سائر شؤونه ظهرت في سورية، وبلا شكّ هي الغرسة الأولى في هذا الباب التي اعطت الثّمار الكثيرة للعالم كلّه، ولا يزال البشر يجاهدون في إيصال هذه الفكرة "حقوق الانسان" إلى حدّ الكمال." (خطاب سنتياغو)

هذا ما قاله سعادة سنة 1940 وكان قد كتب مثله في نشوء الأمم سنة 1937. في كلامه على الدّولة السّوريّة المدينيّة يقول: "في هذه المدينة وضع أساس الحقوق المدنيّة التي ارتقت في قرطاجة وبلغت أوجها في رومة. في المدينة السّورية البحريّة، التي طبعت ثقافتها على البحر المتوسّط كلّه، تحوّلت الرّابطة القبيليّة القديمة إلى الرّابطة الاجتماعية الواسعة. فزال باكراً ذلك الخضوع الأعمى للملك وزالت عن الملكيّة تلك الصّبغة الإلهيّة التي كانت لا تزال ترافق الملك والأسرة المالكة في الامبراطوريّات البرّيّة، وأصبح الملك فيما بعد ينتخب انتخاباً لمدى الحياة، فكان ذلك أصل الدّيمقراطيّة والجمهوريّة. (نشوء الأمم).

أيضاً في مقالة، "ليست سورية في الشّرق، إنّها امد مديترانيّة"، يقول: ""إنّني ألفت النّظر إلى أنّ سوريا هي عنوان الدّيمقراطيّة التي أعطتها للعالم منذ قرون عديدة، والتي كانت مثالاً عديم النّظير في انتخابها ملوكها على طريقة الاستفتاء الشّعبي."

وأيضاً، "وباكراً أسّس الفينيقيّون الملكيّة الانتخابية وجعلوا الملك منتخباً لمدى الحياة فسبقوا كلّ الشّعوب والدّول التّاريخيّة إلى تأسيس الدّيمقراطية" (نشوء الأمم - الاثم الكنعاني)

إنّ الهدف من وضع هذه النّصوص لسعادة في هذه الدّراسة، هي لإعادة الاعتبار ورفع الحيف والظّلم والتّجنّي والكفر الذي لحق بسورية وسعادة على يد من يفترض أنّهم رافعو لواء سوريا وسعادة وهاتفين بحياة سوريا وحياة سعادة. فالدّيمقراطيّة "التي يفتخر بها العالم"، والتي "هي من صنع سوري"، والتي "كانت مثالاً عديم النظير"... الخ، تجد اليوم من يريد أن يدخلها إلى حزب سعادة، كلّ حزب سعادة خال منها، ويريد أن يدخل سعادة "إلى ساحات الدّيمقراطيّة" ويرى "أن الدّيمقراطيّة في الحزب انطلقت من مؤتمر ملكارت". (انظر مجلّة صباح الخير - البناء عدد 962 - تاريخ 06/03/1999 - صفحة 37)

يا للسّخافة، يا للهذيان، يا لخجل سعادة بالبعض من تلاميذه، بل بالبعض ممن أصبحوا رؤساء في حزبه!

يجب أن يكون بديهياًّ ومحسوماً أن يكون الحزب السّوري القومي الاجتماعي حزباً ديمقراطياً بامتياز للذين يعرفون المبادىء الأولى والمعاني الأولى للقوميّة وللدّيمقراطيّة، فها هي القومي ديمقراطيّة والدّيمقراطيّة قوميّة، وعلى لسان سعادة ايضاً:

 

علاقة الدّيمقراطيّة بالقوميّة

 

"وما الدّولة الدّيمقراطيّة سوى دولة الشّعب أو دولة الأمّة، هي الدّولة القوميّة المنبثقة من إرادة المجتمع الشّاعر بوجوده وكيانه".

"إنّ المدينة كانت دائماً أصلح مكان لنموّ الفكرة الدّيمقراطيّة، هكذا نجد مدن ألمانيا وإيطاليا توجد الطّرق اللازمة لنشوء الحركات الاجتماعيّة والسّياسيّة التي اخذت تعدّ السّبيل لعصر جديد في عصور الدّولة، هو عصر الدّيمقراطيّة ونشوء القوميّة."

"وتحت تأثير عوامل القوميّة الآخذة في النّشوء اضمحل النّظام الإقطاعي وقويت الملكيّة المركزيّة لأنّها كانت أقرب إلى الدّيمقراطيّة من سلطة الأرستقراطية المكوّنة من طبقة ممتازة" (الاقطاعيّين).

"الدّولة الحديثة القائمة على مبدأي القوميّة والدّيمقراطيّة المتجانسين."

"القوميّة لم تقف عند حد القضاء على سلطة الإقطاعيّين وتوحيد المرجع في الملك الذي أخذ تفرّده في السّلطة يتعاظم حتى أصبح شديد الوطأة، بل سارت نحو الهدف الذي يبرر وجودها وهو إنّ إقرار السّيادة مستمدّة من الشّعب وأنذّ الشّعب لم يوجد للدّولة بل الدّولة للشّعب، هذا المبدأ الدّيمقراطيّ الذي تقوم عليه القوميّة، فالدّولة الدّيمقراطيّة، دولة قوميّة حتماً".

نحن إذ نورد هذه النّصوص نعرف سلفاً أنّها نصوص قديمة ومقروءة مرّات ومرّات، ولكنّنا نعرف أيضاً أنّ بعض الذين يقرأون لا يجيدون القراءة. ليست القراءة مجرّد تلاوة للكلمات، وليست مجرّد "فكّ حروف"، إنّها عمليّة تلقٍّ، إنّها عمليّة فهم واستيعاب ومعرفة فكرة معينة.

عندما نقرأ الكتاب يجب أن نفتّش عن فكرة معيّنة فيه، نلاحقها، ونتابع تتطوّرها فيه إلى أن نصل إلى الخلاصة والنتيجة التي يريد صاحب النّصّ أن يوصلها إلينا.

نحن نريد من إعادة قراءتنا لتلك النّصوص لسعادة، الواردة أعلاه أن نقارن بينها وبين ما يقوله مسؤولون مركزيّون في مؤسّسة الحزب حالياً ونضع القوميّين والمواطنين أمام حقيقتين اثنتين: حقيقة الفكرة القوميّة الاجتماعيّة الواضحة، وحقيقة التّأويل والسّحر والشّعوذة واصطناع الأدوار وتلبّس البطولات والعبقريّات للذين يقدّمون أنفسهم أنّهم يناضلون ويكافحون ويجاهدون لإدخال الدّيمقراطيّة و"ثقافة الدّيمقراطيّة" إلى حزب سعادة.

 

2- كيفيّة انتقاد سعادة للدّيمقراطيّات الموجودة وسببه

 

قد يقول قائل أنّ هؤلاء الذين يطالبون بإدخال الدّيمقراطيّة إلى الحزب هم يعرفون أنّ عقيدة سعادة ونظرته إلى الحياة هي ديمقراطيّة أصلاً ويعرفون أنّ القوميّة الاجتماعيّة لا يمكن أن تكون إلا ديمقراطيّة، ولكنّهم يعتبرون أنّ الحزب ابتعد عن أصله وعقيدته وابتعد عن الدّيمقراطيّة التي يطالب هؤلاء بإعادتها إليه.

نحن نعرف أنّ هؤلاء يقولون ذلك كلما جوبهوا بحقيقة ديمقراطيّة الحزب الأصليّة "المتجانسة مع القوميّة"، لكنّنا نجد أنّ عنوان حملتهم ليس إعادة الدّيمقراطيّة إلى حزب الدّيمقراطيّة الحقيقيّة - حزب سعادة بل إدخال الدّيمقراطيّة إلى الحزب، هكذا، وبشكل مطلق دون تحديد أي ديمقراطيّة، وأيّ شكل من أشكال الدّيمقراطيّة وكأن الدّيمقراطيّة هي عقيدة واحدة موجودة خارج الحزب وعلى الحزب أن يطعّم عقيدته ونظامه بها.

إنّ الدّيمقراطيّة أو الدّيمقراطيّات الموجودة خارج الحزب قد انتقدها سعادة انتقاداً شديداً كما سنرى لصالح ديمقراطيّة جديدة أفضل منها، تقدّمها النّظرة القوميّة الاجتماعيّة الجديدة إلى الحياة وتشكّل "انقلاباًجديداً تجيء به الفلسفة القوميّة الاجتماعيّة" كما سنرى.

إنّ كلام هؤلاء عن "الدّيمقراطيّة"، هكذا دون تحديد أيّ ديمقراطيّة، قديمها أو جديدها، يعني أنّهم يعيدون الاعتبار لما انتقده سعاده او رفضه، يعني أنّهم ينكرون على سعادة أنّه جاء بشيء جديد، يعني أنّهم لا يصدّقون سعادة، يعني أنّهم لا يؤمنون به.

إنّ كلامنا هذا صحيح ودقيق والدّليل سنراه بعد قليل.

إنّ مطالبة هؤلاء بإدخال الدّيمقراطيّة إلى الحزب هو مجرّد رياء وتزلّف معيب لا يتّفق مع رصانة الفكر القومي الاجتماعي.

ليس هناك أوضح من سعادة، من يريد أن يناقش سعادة فسعادة موجود كلّه معنا، أنّ عباراته منذ ستين سنة هي أحدث وأجدّد وأوضح من عباراتهم وأكثر تحديداً. أنّه يقول:

الدّيمقراطيّة أجناس وألوان وأشكال

"إنّ الدّيمقراطيّة من حيث أنّها تعني أنّ الشّعب هو صاحب السّيادة ومصدر السّلطة هي أساس ثابت لا يزعزعه شيء، أمّا التّلاعب بهذه اللّفظة حتى تعني الفوضى والرّياء والزّلفه فأمر يعيب الأمّة". (مقالة مرشحو الدّيمقراطيّة)

"إنّ الدّيمقراطيّة اسم تنطوي تحته أشكال عديدة، وكلّ شكل له خصائص سياسيّة وإداريّة تعطي نتائج تختلف عن التي يعطيها شكل آخر". (مقالة بحث الدّيمقراطيّة عن عقيدة)

"الدّيمقراطيّة التي خبرتها الشّعوب المتمدّنة حتى اليوم لم تتمكّن من حلّ الأضاليل الإجتماعية - الاقتصاديّة التي نشأت مع تقدّم عهد الآلة وارتقاء التّخصّص في الأعمال وتحديدها." (نفس المصدر)

"السّوريّون القوميّون يجب أن يعرفوا واجبهم في هذه القضيّة الخطيرة، وأن العالم بأسره ينتظر منهم تفكيراً جديداً، ولا سيّما من الوجهة الدّيمقراطيّة التي اصبحت الآن مبهمة، فالسّوري القومي يجب أن يعالجها من جديد ويدفعها إلى العالم كاملة...

فالسّوري المفكّريجب أن يهتمّ بانقاذ الدّيمقراطيّة من الهلاك، وذلك بأن يزيل ما دخل إليها من الفساد ويدخل إليها تفكيراً ينطبق على ما وصل إليه النّاس من العلم والمعرفة فتصير صالحة لنفع الإنسان وتكفّل حقوق الإنسان من كلّ مهاجمة وتعدًّ." (سانتياغو)

"إنّ الدّيمقراطيّة الحاضرة قد استغنت بالشّكل عن الأساس، فتحوّلت إلى نوع من الفوضى لدرجة أنّ الشّعب أخذ يئنّ من شلل الأشكال التي أخذت على نفسها تمثيل الإرادة العامّة وصار ينتظر انقلاباً جديداً. وهذا الانقلاب الجديد هو ما تجيء به الفلسفة القوميّة الاجتماعيّة القائلة بالعودة الى الأساس والتّعويل على التّعبير عن الإرادة العامة بدلاً من تمثيل الإرادة العامّة، الذي هو شكل ظاهري جامد." (نفس المصدر)

"سورية القوميّة تضع أمام العالم اليوم فكرة التّعبير عن الإرادة العامّة بدلاً من فكرة تمثيل الإرادة العامّة التي لم تعد تصلح للأعمال الأساسيّة لحياة جديدة".

"فالتفكير السّوريّ القومي الجديد هو إيجاد طريقة جديدة اسمها - التّعبير عن إرادة الشّعب - وقد يكون التّعبير بواسطة الفرد أو بواسطة الجماعة حسبما يتفّق أن يوجد."

"فهذه الفكرة الجديدة، أي التّعبير عن إرادة الشّعب، هي الاكتشاف السّوري الجديد الذي ستمشي البشريّة بموجبه فيما بعد، هو دستورنا في سورية الذي نعمل به لنجعل البلاد دائماً كما تريد الأمّة."

"التّمثيل أهون من التّعبير، لأنّ التّمثيل شيء جامد يتعلّق بما قد حصل أمّا التّعبير فغرضه الإنشاء وإدراك شيء جديد. هذا هو الخلل الاجتماعي الذي يريد التّفكير السّوري الحديث أن يصلحه، تفهّم إرادة الشّعب وإعطاؤها وسائل التّنفيذ الموافقة."

"إنّنا نشقّ طريقاً جديداً نختاره نحن لأنفسنا ونعتمد عليه في تفكيرنا الخاصّ، وسوف يكون هذا الطّريق من جملة الإنتاج الذي يأخذه النّاس عنّا. إنّ التّفكير الحاضر دخل طور الشّيخوخة في العالم كلّه، والبشريّة بأسرها تنتظر تفكيراً جديداً تنال به سعادتها وراحتها وحريّتها، وهذه البضاعة الجديدة سيخرج أكثرها وأفضلها من سورية بلاد العبقريّة والنّبوغ." (نفس المصدر)

ملاحظة: إنّ خطاب سنتياغو ليس "مجرد خطاب" يمكن أن يسترسل صاحبه ويأخذه الحماس والإثارة وتجاوب الجماهير... فيبالغ.

إنّ سعادة ليس من هذا النّوع، فضلاً عن ذلك فإنّ ذلك الخطاب لم يسجّله أحد عندما ألقي في 8 نيسان 1940. لقد استعاد سعادة أفكاره الرّئيسيّة وكتبه بنفسه ونشره في جريدة سورية جديدة
-  سان باولو - عدد 67 تاريخ 25 نيسان 1940 أي بعد أسبوعين من إلقائه.

نلاحظ أنّ كلّ نصّ من النّصوص الواردة فوق يتضمّن فكرتين اثنتين: نقد للدّيمقراطيّة الموجودة، وذكر البديل الجديد.

إنّ سعادة قد وصف الأشكال الدّيمقراطيّة الحاضرة بنعوت قبيحة ودعا العالم كلّه إلى تغييرها والانقلاب عليها، وذلك بعبارات لا تحمل تأويلاً مثل: "أصبحت مبهمة"، "إنقاذ الدّيمقراطية من الهلاك"، "إزالة ما دخل إليها من الفساد"، الخلل الاجتماعي، "الدّيمقراطيّة الحاضرة استغنت بالشّكل عن الأساس"، "تحوّلت إلى نوع من الفوضى"، "الشّعب أخذ يئنّ من شلل الأشكال التي أخذت على نفسها تمثيل الإرادة العامّة"، "تمثيل الإرادة العامّة هو شكل ظاهري جامد"، "التّفكير الحالي دخل طور الشّيخوخة"، "لم تتمكّن من حلّ الأضاليل الاجتماعيّة الاقتصاديّة"...

كما أصبح واضحاً أيضاً أنّ سعادة أتى بنظرة جديدة وشكل جديد ليحلّ محلّ النّظرة القديمة والشّكل القديم، وذلك أيضاً بعبارات وكلمات واضحة لا تحمل تأويلاً مثل: "بضاعة جديدة"، "طريقاً جديداً"، "تفكيراً جديداً"، "طريقة جديدة"، "فكرة جديدة"، "انقلاباً جديداً"، "معالجة جديدة".

وهذا الشّيء الجديد هو: التّعبير عن الإرادة العامّة بدلاً من تمثيل الإرادة العامّة. هو الاكتشاف السّوريّ الجديد الذي ستمشي البشريّة بموجبه فيما بعد، وهو دستورنا في سورية الذي نعمل به لنجعل البلاد دائماً كما تريد الأمّة.