العدد السابع والثلاثون - كانون الاول

أي سلاح للجيش اللبناني؟

الياس سالم
الخميس 11 كانون الأول (ديسمبر) 2008.
 

يحظى تسليح الجيش اللبناني بإهتمام أميركي وإسرائيلي، إضافة إلى الإهتمامات المحلية والعربية، إذ تتركز الأنظار في المرحلة المقبلة على دورهذا الجيش وإلى أي جانب يكون وبأية عقيدة يؤمن؟، يتفق جميع الفرقاء المتنازعين أن زمن تقسيم الجيش مع وحدة الدولة قد ولّى، وأن لا مجال لتفكيك الجيش كما حصل أعوام 1976 و 1984 و 1988، وأن وحدة الجيش باتت مسلمة أساسية لا يمكن التراجع عنها.

 

تتجاذب التيارات السياسية حول الجيش، كل يحاول شده بإتجاهه وهو يحاول أن يبقى وسيطاً من غير أن تكون نقطة الوسط محددة أو ثابتة، بل هي عرضة للتغيير مع كل تغيير في الواقع السياسي.

منذ إتفاق الطائف (الذي لم يجرؤ أحد على محاولة تعديله) تعرض الجيش لإمتحانات صعبة خرج منها بسلامة ووحدة. وخلال هذه الإمتحانات كان الحديث عن تسليح الجيش يطفو على سطح الحدث الإمتحان.

عام 1991، حصلت مواجهة مسلحة بين قوى الجيش اللبناني وقوى المقاومة الفلسطينية المنتشرة خارج المخيمات في منطقة صيدا وجزين، انتهت بطرد القوات الفلسطينية وإجبارها على العودة إلى داخل مخيمي عين الحلوة والمية وميه، وتمركز الجيش في محيط المخيمات. كان سلاح الجيش حينئذ ضعيفاً، لكنه كان أفضل من سلاح المقاومة الفلسطينية التي كانت لم تخرج بعد من تأثير ضربة الإجتياح الإسرائيلي، وتفكيك البنى التحتية الفلسطينية في الجنوب اللبناني. قيل يومها أن سلاح الجيش يكفي ولا نريد سلاحاً متطوراً يورطنا في نزاعات لا قدرة لنا على تحملها. إن نجاح الجيش لم يحسم الجدل بشأن تسليحه.

عام 1994، واجه الجيش إمتحان إحتمال الصدام مع القوات اللبنانية، لكنه تمكن من السيطرة على مراكزها ودهم مخابئ الأسلحة في ثكناتها التي هجرت، وتمكن أيضاً من توقيف قائدها الدكتور سمير جعجع من معقله في غدراس. كان التحدي سياسياً، لم تستطع القوات مواجهة القرار السياسي المظهر بقرار قضائي جنائي، فكان إنحناؤها قراراً واضحاً إتخذته قيادتها. لم تتأثر وحدة الجيش ولا نسيجه الطائفي بإعتقال جعجع، وبرز التحدي الأمني للجيش ولإستخباراته، هل نحن بحاجة إلى سلاح وآليات قتال؟ أم إلى جهاز مخابرات يستطيع مواجهة تنظيمات تحولت إلى خلايا ليست نائمة بل صاحية وعاجزة عن الحركة بسبب الوضع السياسي.

عاد التحدي العسكري ليظهر مع الإعتداءات الإسرائيلية الكبيرة على لبنان، وخصوصاً عملية عناقيد الغضب في نيسان 1996، ومجزرة قانا، وتصاعد دور المقاومة في الشريط المحتل وقيامها بعمليات نوعية ألحقت الأذى والإهانة بجيش الإحتلال الإسرائيلي. عندها طرحت عدة مسائل منها هل نسلح الجيش كي يستطيع التصدي للجيش الإسرائيلي وتحديداً للطيران الإسرائيلي؟ وهل يمكن للبنان الصغير المساحة والفاقد لأي عمق إستراتيجي خاص به أن يمتلك قوات جوية أو دفاع جوي قادرة على التصدي للطيران الإسرائيلي ومنعه من تنفيذ هجماته فوق لبنان؟ هل نجهز الجيش بأسلحة تقليدية من دبابات ومدافع دون غطاء جوي؟ هل نبقي على وضع الجيش على حاله مع دعم المقاومة كونها الوسيلة التي بدا أنها الأنجع في مقارعة إسرائيل وإيلامها وحثها بالتفكير على الإنسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة؟

كان سلوك قيادة الجيش والقيادة السياسية في مجال التسليح نوعاً من التسوية بين هذه الآراء، بعضها يدعو إلى شراء أسلحة متطورة، وبعضها الآخر لا يحبذ الإنفاق العسكري لعدم قدرة خزينة الدولة على تحملها فاتورة تجهيز الجيش، وبعضها لا يريد جيشاً قادراً على الإمساك بالبلاد خوفاً من أن يفسر ذلك بأنه دعوة لخروج الجيش السوري. لقد تمثل هذا السلوك بتجهيز الجيش بآليات قتال من ناقلات جند م 113 نحو آلف وآليات تكتية شاحنات وجيبات جميعها مستعملة ومن بقايا الآليات الأميركية في القواعد التي أخلتها أميركا في ألمانيا الغربية. تجدر الإشارة هناأن القوة النارية للجيش ولغاية تاريخه معظمها مقدمة هبة من الجيش السوري نحو 200 دبابة و 140 قطعة مدفعية، وهي من طراز قديم جداً يعود لأيام الستينات، لكنها كانت تخدم بشكل عادي وترمي وتتحرك بشكل عادي، لكنها لم تكن بأي حال من الأحوال قادرة على مواجهة الترسانة الإسرائيلية المتطورة.

جاء الإندحار الإسرائيلي عام 2000 ليضع الجيش وجهاً لوجه أمام إسرائيل، وعلى الخط الحدودي مباشرة. ومع إنسحاب إسرائيل، طرحت الولايات المتحدة ومن يدور في فلكها سلاح حزب الله على البحث، وتصاعدت التساؤلات والإقتراحات لماذا يبقى سلاح المقاومة طالما أن التحرير حصل، والمقاومة أنجزت مشكورة تحرير الأرض المحتلة؟ هل هناك ضرورة لسلاح المقاومة، وما هي وظيفته؟ وبالمقابل لم يطرح بالحماس نفسه موضوع سلاح الجيش، هل يجري تسليح الجيش بأسلحة متطورة، تصلح للدفاع عن لبنان ضد الإعتداءات الإسرائيلية المحتملة؟ من يتصدى للخرق الجوي شبه الدائم للأجواء اللبنانية، وإذا كان البعض طرح شعار بسط سلطة الدولة على جميع الأراضي اللبنانية، طالباً بذلك نزع سلاح المقاومة، ونشر الجيش في الجنوب، فما هي الإقتراحات المقدمة لتعزيز قوة الجيش؟ ثم من يبسط سلطة الدولة على الأجواء اللبنانية المستباحة؟.

لم يحظ تسليح الجيش بالإهتمام الذي حظي به نزع سلاح المقاومة، حتى أن إسرائيل شنت حرب 2006 من أجل نزع سلاح المقاومة، في الوقت الذي لم تضع الحكومة اللبنانية ولا حلفاؤها تصوراً لما يجب أن يكون عليه سلاح الجيش.

في ظل فشل إسرائيل في تحقيق أهداف حرب تموز، وفشل الحكومة اللبنانية في تعزيز الجيش بالأسلحة المتطورة، ظهرت مشكلة مخيم نهر البارد بعدما إنطلقت شرارتها بالإعتداء على مراكز الجيش المحيطة بالمخيم، وقتل عدد من العسكريين، مما حتّم على الجيش الرد بقوة على هذا الإعتداء، وتطور الأمر إلى حرب مفتوحة على تنظيم فتح الإسلام التكفيري المتحصن داخل المخيم.

لم يستطع الجيش حسم الأمور بسرعة لإفتقاره إلى التسليح اللازم من أجل مهاجمة المخيم، وإكتفى بإستعمال المتوافر من الأسلحة المدفعية والدبابات. طالت المعركة وزادت خسائر الجيش وبلغت نحو 170 شهيداً ومئات الجرحى.

كل ما فعلته الولايات المتحدة هو أنها سمحت بتزويد الجيش بقذائف مدفعية 155 من مصر وقطر والأردن، في حين لم تقدم الولايات المتحدة سوى ألبسة عسكرية وأحذية ومناظير وإطارات للآليات، وذلك إستمراراً لتنفيذ قرار الكونغرس بمنع تزويد لبنان بأسلحة قاتلة قد تستخدم فيما بعد ضد إسرائيل.

خرج الجيش اللبناني مثخن الجراح من معركة نهر البارد، وشاء الحظ أنه لم تتفجر أي معركة أخرى في البلاد، في الوقت الذي كان منشغلاً في هذه المعركة، مما وفّر على البلاد الكثير، ذلك أن الجيش لم يكن قادراً على خوض أكثر من معركة واحدة.

واليوم ما زال الجيش محط إهتمام الولايات المتحدة وأوروبا ودول الإعتدال العربي، وهو محط إهتمام وربما أكثر من قبل إيران وسوريا والمقاومة. الجميع يريد الجيش ويريده حسب ما تفرض مصلحته.

هل ترضى الولايات المتحدة وإسرائيل أن يكون الجيش قوياً، ومجهزاً بأسلحة مضادة للطائرات تتصدى للطلعات الجوية الإسرائيلية، وبأسلحة مضادة للدبابات تدافع عن الحدود ضد أي خرق إسرائيلي؟ هل تسمح بتوجيه سلاحها أو سلاح حلفائها إلى إسرائيل؟ في الوقت نفسه ثمة من يقول أن الولايات المتحدة ترغب فعلاً بوجود جيش قوي قادر على نزع سلاح حزب الله وبسط سلطة الدولة على الأراضي اللبنانية، خصوصاً وأن كلاً من سوريا وإسرائيل لم يعد لهما وجود عسكري في لبنان، لكن يبدو أن الولايات المتحدة لا تثق بالجيش اللبناني أو لا تتوقع منه أن يتورط في معركة ضد حزب الله بغية نزع سلاحه، وعدم الثقة هذا هو السبب الأساس الذي يمنع تجهيز الجيش بأسلحة متطورة. وهكذا تتضح الإستراتيجية الأميركية تجاه الجيش اللبناني: أميركا تريده متماسكاً سليماً قادراً على حفظ الأمن في الداخل وغير مستعد للتورط بحرب مع إسرائيل.

مع ذلك يزداد الكلام عن تسليح الجيش، وتعلن واشنطن عن مبلغ 410 ملايين دولار لتسليح الجيش، ولا أحد يعلم من أين يبدأ هذا المبلغ وأين ينتهي؟.

كثرت زيارات مسؤولي البنتاغون إلى لبنان، كذلك مسؤولو وزارة الخارجية، والجميع تحدثوا عن دعم الجيش، لكن عملياً لم يتلق الجيش أي دعم ملموس.

ثمة من يقول أيضاً أن المقاومة تريد جيشاً ضعيفاً غير قادر على نزع سلاحها، لكن الوقائع لا تدعم هذا القول، فإيران مثلاً حليف حزب الله عرضت تسليح الجيش بأسلحة متطورة، ولم تقبل الحكومة اللبنانية بذلك. هل تخاف المقاومة الجيش القوي، وترتاح للجيش الضعيف؟ الوقائع أيضاً لا تدعم ذلك نظراً للعلاقة الوثيقة بين الجيش والمقاومة والتي تتجلى في الأزمات ومؤخراً أحداث مار مخايل و 7 أيار وقبلها نهر البارد وغيرها.

يتداخل تسليح الجيش مع عقيدته. هل العقيدة الوطنية عائق أمام تسليح الجيش؟ أم هل الجيش القوي والقادر يشكل عائقاً أمام المقاومة؟

أسئلة كثيرة تطرح دون أن ننسى الكلفة الباهظة لتجهيز الجيش بالأسلحة. والجواب المستمد من الواقع هو أن الجيش ليس ضعيفاً، لكنه ليس قوياً، ومن المرشح أن يبقى على حاله يوازن ما بين فرقاء النزاع في لبنان لحين حصول متغيرات كبيرة في المنطقة تحدد مسار الأزمات والبلاد