العدد السابع والثلاثون - كانون الاول

الطّائفيّة بوصفها عقيدة سياسيّة لبنانيّة

ميشال شيحا نموذجاً
الخميس 11 كانون الأول (ديسمبر) 2008.
 

كنا قد نشر في العدد 35 من تحولات الحلقة الاولى حول الطّائفيّة بوصفها عقيدة سياسيّة لبنانيّة، للباحث محمود حيدر حيث تناول في الحلقة الاولى فلسفة ميشال شيحا اللبنانية، وفي هذا العدد نستكمل الموضوع ويتناول الكاتب مقومات الايديولوجية اللبنانية.

 

 

مقوِّمات الأيديولوجيّة اللّبنانيّة

  فتح انهيار الأمبراطوريّة العثمانيّة المجال لتحوّلات جذريّة في لبنان والمنطقة، أدّت إلى صدام مباشر بين فكرة لبنان الكبير وفكرة الدّولة العربيّة الكبرى، فناصر الفكرة الأولى عدد كبير من رجال السّياسة والدّين والأعمال الموارنة في حين ناصر الفكرة الثّانية عدد كبير من رجالات سوريا السّياسيّين والعسكريّين، ومعظم السّاسة المسلمين في المناطق التي ضُمّت في ما بعد إلى جبل لبنان.

  كانت فكرة الدّولة العربيّة مجسّدة بقيادة الشّريف حسين الذي كان قد أسّس حكومة في دمشق. أمّا السّاسة الموارنة، فاستندوا إلى تجربة المتصرفيّة الناجحة نسبيّاً للمطالبة بتوسيع حدود الكيان اللّبنانيّ وضمّ بعض السّواحل الخصبة وسهل البقاع إليه. وفي إثر المجاعة التي ألمّت بالجبل خلال الحرب الكبرى، والتي أودت بحياة أكثر من ربع السّكان، تصاعدت حدّة المطالبة بتوسيع حدود لبنان بحجّة توفير الأمن الاقتصاديّ والغذائيّ. وبعد فترة من الأخذ والرّدّ تجاوبت السّلطات الفرنسيّة مع المطالب المارونيّة، وكان تجاوبها لإرضاء الموارنة وتطمينهم من ناحية ولإضعاف الحرمة العربيّة من ناحية أخرى. فأعلنت فرنسا إنشاء دولة لبنان الكبير عام 1920، الذي ضمّ مناطق من ولايات طرابلس ودمشق وصيدا سابقاً إلى منطقة جبل لبنان، فضلاً عن ضمّ بيروت. وقد رحّب أكثريّة من المسيحيّين بهذا القرار في حين ندّد به أكثريّة المسلمين.

  وفي مرحلة ما بين الحربين قامت مجموعة من المثقّفين، كان يتصدّرها ميشال شيحا، بمحاولة بلورة هويّة أو حتى عقيدة وطنيّة تتناسب مع الدّولة الوليدة المتعدّدة الطّوائف. فالفكرة اللّبنانيّة التي قوّمها شيحا وزملاؤه كانت تقول بلبنان ليبرالي يأوي جميع الأقليّات، وتتشارك السّلطة فيه الطّوائف والمجموعات المختلفة، وتتفاعل على أرضه المسيحيّة مع الإسلام والغرب مع الشّرق بشكل سلميّ وإيجابيّ؛ وتقول بلبنان الذي يعود إلى الفينيقيّين ذلك القوم المغامر المتاجر، المتعدّد الأعراق والأجناس، الذي نقل الحرف إلى جميع أنحاء العالم. ولكن فكرة الهويّة الفينيقيّة لم تلق جمهوراً واسعاً، في حين أنّ الفكرة القائلة أنّ لبنان بلد متعدّد الطّوائف ويتحلّى بالحريّة السّياسيّة واللّيبراليّة الاقتصاديّة لاقت قبولاً وانتشاراً واسعين في مرحلة ما بعد الاستقلال. وعلى الرّغم من كلّ ما حصل خلال السّبعينات والثّمانينات فلا تزال هذه المجموعة من الأفكار والأوصاف عن لبنان هي الأكثر قبولاً وانتشاراً، وهي تلخّص بعض الأسس والمبادئ التي يجتمع عليها عدد كبير من اللّبنانيّين.

 لم يأخذ بعض الزّعماء المسيحيّين بالنّظرة الشّيحاويّة للبنان، فتعلّقوا أكثر بالجذور الطّائفيّة أو المذهبيّة لفكرة لبنان وبمسألة أمن المسيحيّين في وجه أكثريّة مسلمة سائدة في المشرق العربيّ، في حين مشت أكثريّة النّخبة الحكوميّة المسيحيّة مع الطّرح الشّيحاوي. وقد تبيّن أنّ المخاوف حول المصير المسيحيّ والأمن المسيحيّ كانت أقرب إلى كونها مشاعر المسيحيّ العادي. فالأحزاب التي ركزت على مخاوف المسيحيّين لاقت تجاوباً ومشاركة شعبيّة أكبر من التّجاوب والمشاركة اللّذين لاقتهما أحزاب وزعامات أكثر اعتدالاً.

 في الحالين لم تقدِّم الفكرة اللّبنانيّة الكثير إلى المجموعات المسلمة. ولا ريب في أنّ النّاحية اللّيبراليّة للفكر الشّيحاوي لاقت تجاوباً في أوساط الطّبقات العليا والوسطى لدى جميع الطّوائف، لأنّ نشاطها التّجاري والاقتصاديّ يتجانس مع الطّرح اللّيبراليّ. ولكن بوجه عام لم تلاق مفاهيم مثل الأمن المسيحيّ أو الدّعم الغربيّ أو الخصوصيّة اللّبنانيّة قبولاً وترحاباً ملحوظين لدى الأوساط المسلمة، فترك الفكر اللّبنانيّ فراغاً كبيراً لدى مجموعات واسعة من اللّبنانيّين، وقد ملأ هذا الفراغ في مراحل مختلفة فكر القوميّة العربيّة أو القوميّة السّعوديّة أم الماركسيّة الثّوريّة أو الاشتراكيّة النّاصريّة أو الأصوليّة الإسلاميّة.(2)

 لم يكن الوجه المميّز لمنظومة ميشال شيحا الفكريّة في ما تقدّمه من أطروحات في حقول الوطنيّة والقوميّة السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماع والعلاقات الدّوليّة والدّين والأخلاق فحسب، وإنّما في تقديم منهجيّة متكاملة لما سُمِّي بـ "الفكرة اللّبنانيّة". وهي الفكرة التي ذهب عدد من المفكّرين المعاصرين إلى إعطائها بعداً فلسفياً تأسيسيّاً للبنان. وعلى ما يبيِّن الباحث والمفكر اللّبنانيّ فوّاز طرابلسي(3) فإنّ الفكرة اللّبنانيّة هذه تصبح مكتملة القوام في ما يطلق عليه بـ "الجبريّة الجغرافيّة".

  وتتمثّل هذه الفكرة بالدّمج بين الدّور الاقتصادي والكيان اللّبنانيّ، وبلورة مجموعة من المبادئ في اللّيبراليّة الاقتصاديّة المغالية التي جرى تفصليها على مقاس الاقتصاد اللّبنانيّ ذي الوجهة الخارجيّة والقاعدة الخدماتيّة (...).

  وبهذا أرسى شيحا - حسب طرابلسي - منظومة فكريّة سوف تشكّل مرجعاً ودليل عمل لعقود من الزّمن.

  وفي حين قُدِّر له أن يضع موضع التّنفيذ عدداً لا يستهان به من أفكاره والمشاريع، بات يعرف بأنه أحد المهندسين الرّئيسيّين للنّظام السّياسيّ والاقتصادي الذي أرست قواعده في العهد الاستقلاليّ الأول.

  كان ميشال شيحا الدّاعية الكبير للفكرة الكيانيّة. وكان يريد للبنان أن يكون قيمة وجوديّة قائمة بذاتها. وقد تبلورت هذه الرّؤية انطلاقاً من قاعدة جيو-فلسفيّة تقول "أنّ الجغرافيا تخلق التّاريخ وتتحكّم بمصائر الأمم واستراتيجيّاتها"، وهذا ما يسمّيه أيضاً بـ "طبيعة الأشياء"(4).

  وهكذا تقوم منظومة شيحا الفكريّة على ما يمكن تسميته بالنّظرة الجغرافيّة الشّموليّة إلى العالم والحياة. وهي نظرة تقول بمبدأ رئيسيّ لتفسير الظّواهر والأحداث، وتدّعي وجود علِّية حاسمة للتّاريخ وحتميّة وحيدة الوجهة، وهو مبدأ يصلح وضعه في إطار مبدأ "الحتميّة الجغرافيّة".(5)

  يقول شيحا في تعريفه للبنان "أنّه بلد لا يشبه إلا ذاته. هذا ما يجب أن ندركه مرّة واحدة وإلى الأبد، إنه بلد متفرِّد، وحيد نوعه وجنسه.(6)

  هذا التّعريف سوف يشكل النّواة اللّبنانيّة. إذ عليها ستقوم منظومة الأحزاب المسيحيّة الكبيرة في ما بعد، كحزب الكتائب، والوطنيّين الأحرار، والكتلة الوطنيّة. ناهيك عن الأحزاب والتكتّلات والمجموعات الحزبيّة التي نشأت في بدايات الحرب الأهليّة في العام 1975.

  ولو نحن عرضنا بصورة إجماليّة للمفاصل الأساسيّة التي انبنت عليها العمارة الأيديولوجيّة لتلك الأحزاب لوجدناها متماهية ومتناغمة مع ما ذهبت إليه منظومة ميشال شيحا الفكريّة، وهي المنظومة التي ركّزت على تعريف جغرافيّ مزدوج للبنان:

الأوّل: أنّ لبنان بلد يقع على مفترق الطّرق لقارات ثلاث هي أوروبا، آسيا وأفريقيا.

الثّاني: أنّ لبنان هو كيان قائم على وحدة البحر والجبل.(7)

 في التّفسير الذي يقدّمه الباحثون للفكر الكياني الشّيحويّ، أنّ المكانة الاستثنائيّة التي يحتلّها البحر ورمزيّته في منظومة ميشال شيحا الفكريّة، بل في محاولته التّوليف بين رمزيّتي الجبل والبحر في إطار من التّراتب في الأولويّات بينهما، يكمن إسهامه المميَّز في تكوين الفكر والأيديولوجيا الكيانيّة اللّبنانيّة. وبهذا المعنى يتحكّم الموقع والمكوّنات الجغرافيّة للبنان عنده بحضور جوهريّ وثابت على امتداد التّاريخ. فلبنان الأبديّ الحضور في التّاريخ هو بلد "قديم قِدَم العالم"، والماضي اللّبنانيّ دائم الحضور في حاضره، وسوف يستمر حاضراً في مستقبله كما في مستقبل العالم.(8)

 لم تكن الصّفة الرّساليّة التي منحها ميشال شيحا للبنان مجرد عارض كلامي اقتضته شروط السّجال الذي احتدم بين النّخب المسيحيّة اللّبنانيّة عشيّة التّحضر للاستقلال في العام 1943.. بل هي بالنّسبة لفلسفته السّياسيّة كائن جوهري لا يستقيم الكيان الجديد من دونه. واللاّفت أنّ شيحا وعدد آخر من المفكّرين المسيحيّين أمثال يوسف السّواد وميشال قرم وسواهما راحوا يعملون على إجراء توليف ومصالحة بين نزعتين متناقضتين في بناء الدّولة والمجتمع، هما العلمنة والدّين. وهو الأمر الذي بدا بوضوح في إحدى المحاضرات ألقاها شيحا حيث لاحظ أنّ الكنيسة قد تنفصل عن الدّولة، ولكن لن يستطيع أحد أن يفصل الدّولة عن الله. ويضيف، أنّه فيما يتعدّى الجماعات والأحوال الشّخصيّة يوجد في الدّولة، الحضور الضّروري للذّات الإلهيّة الخالدة.(9)

  مثل هذا التّوليف الذي وجد نظائره في الجدل الذي اشتعل في أوروبا مع بدايات التّنوير في القرن السّادس عشر بين اللاهوت المسيحيّ الرّسمي والمفكّرين العلمانيّين، سوف يوظّفه شيحا ورفاقه في إطار التّنظير للأيديولوجيّة الطّائفيّة. أي باعتبار الطّائفيّة هي مبرّر وجود لبنان.

  ولسوف نجد لو نحن عرضنا بإيجاز إجمالي فلسفة الكيانيّين الأوائل، ما يمكن اعتباره القواعد النّظريّة التّأسيسيّة للفكر الطّائفيّ في لبنان. وهو الفكر الذي سينتقل من جيل إلى جيل بأشكال وتوظيفات مختلفة منذ الاستقلال وحتى اللّحظة اللّبنانيّة الحاليّة.

  وبهذا المعنى يمكن القول، إنّ المساهمة الرّئيسة لميشال شيحا في المجال السّياسيّ الدّاخلي تتعلّق بمفهومه للطّائفيّة التي يرفعها إلى مصافّ الرّؤية الكونيّة ونمط حياة ومبرّر وجود. وهذا ما تعبّر عنه صيغته الشّهيرة "إنّ لبنان هو بلد الأقليّات الطّائفيّة المتشاركة".(10)

  ومع ذلك، فلا بد هنا من الإشارة إلى قضيّة غالباً ما توقّف حيالها الباحثون إشكاليّات الطّوائف اللّبنانيّة في سنوات الثّلاثين، عبّر عن تشكّكه في إمكانيّة بناء وطن على الطّوائف، ففي رأيه أنّ كلّ ما تكسبه الفكرة الطّائفيّة، تخسره الأمة. ولكنّه مع مرور السّنوات، بدا أنّه تجاوز شكوكه تلك ونمت الطّائفيّة لديه، خلال عقدين من الزّمن، لتصير نظرة شاملة إلى الكون والحياة. فتجده يعلّق على جلسة نقاش في مجلس النّواب خصّصت للبحث في إلغاء الطّائفيّة، في كانون الأول (ديسمبر) 1953، على شاكلة مرافعة حماسيّة دفاعاً عن النّظام الطّائفيّ تحت عنوان معبّر: "فلسفة الطّائفيّة في لبنان".

 من جهة ثانية، يشير الباحثون إلى أنّه يجب أن يسجّل لميشال شيحا أنّه، بمجرّد التزامه الفلسفة الطّائفيّة، رفض أن يشارك في التّكاذب التّقليديّ بين السّياسيّين اللّبنانيّين حول إلغاء الطّائفيّة. وهو التّكاذب الذي يجعل فريقهم المسلم يدعو إلى إلغاء الطّائفيّة السّياسيّة فيردّ عليه فريقهم المسيحيّ داعياً إلى العلمانيّة الكاملة، الأمر الذي يرفضه الأولون بدعوى أن الزّواج المدنيّ يتعارض وأحكام الشّرع. فيبقى الأمر على ما هو عليه، إذ يسهم الفريقان، كلّ من موقعه وبواسطة حججه في الحفاظ على النّظام الطّائفيّ بمجمله.