العدد السابع والثلاثون - كانون الاول

أناشيد الحب في سومر والعهد القديم

الاب سهيل قاشا
الخميس 11 كانون الأول (ديسمبر) 2008.
 

للانسان عواطفه وميوله في كل زمان وكل مكان ولا تختلف تقريباً الا باختلاف الممارسات وطرق التعبير بحسب لغات الشعوب وثقافاتهم، وكمّ كبير من القصص والروايات في تراثنا القديم والعريق تؤرخ لتلك الأناشيد والأغاني، وتلك الممارسات والتعابير على سبيل المثال وليس الحصر:

قصة حب البعل وعنات في آداب اوغاريت.

ادونيس وعشتروت عند الفينيقيين.

اوزريس وازيس عند المصريين.

إنليل وآيا، ودموزي (تموز) وإنان (عشتار) وغيرهم عند السومريين.

الحبيب والحبيبة في كتاب نشيد الأناشيد العبري...

في كل من هذه الأداب تركيز على الجمال الجسدي والقوة الجنسية والسحر الجذاب بين الحبيبين.

وسنكتفي بعرض المقارنات والمشابهات وان صح القول والمقايسات بين النصوص السومرية مع قصيدة نشيد الأناشيد العبرية...

ان كتاب نشيد الأناشيد بالرغم من اعطائه معنى روحي من قبل احبار اليهود، وبالتالي من قبل معلمي الكنيسة للدلالة على دالة الانسان وعلاقته بالله. يبقى كتاب حب بشري محض، يروي قصة غزل ومغامرات وصال عميق بين شاب وشابة في مفرداته وتعابيره وتصاويره. من هذه الزاوية نبحث في نصوصه ونقارنها بالأناشيد السومرية. هذه المقارنات تتضمن اموراً كثيرة متشابهة متطابقة ومنها:

 

وصف مفاتن الجسد

 

الشاعر العبري في قصيدته "نشيد الأناشيد" يصف جسدي الحبيب والحبيبة، وصفاً شاملاً ومفصلاً، من فوق الى تحت ومن تحت الى فوق، واصفاً كل عضو بأجمل العبارات والاستعارات وبطريقة مثيرة. في هذه القصيدة يصف كل من الحبيب والحبيبة جسد الآخر، فالحبيب يصف حبيبته ب:

عيناها كحمامتين... شعرها كقطيع ماعز... او كالأرجوان، واسنانها كقطيع خراف... شفتاها كالقرمز... خداها كالرمان... عنقها كالبرج... نهداها لينين بيض كخروفين ولدوا حديثاً، او كالعناقيد... خاصرتاها كعقد .. بطنها ابيض كغمر حنطة... هذا بالاضافة الى زينة الحبيبة والحلي والعطور التي تطيب جسدها وتشد الحبيب اليها.

كذلك الحبيبة ترى في حبيبها ظبياً وسيماً يجذبها صوته. هو ابيض اصهب، شعره كسعف النخل، عيناه كحمامتين، خداه كروضة اطياب، شفتاه كالسوسن، بطنه كالعاج، ساقاه كعمودي رخام، وطلعته كلبنان... هو شهي بجملته. (الفصول 5-7).

هذه الأوصاف كمفاتن الجسد ليست بعيدة عن تلك التي ترد في النصوص السومرية وتصف جمال لحية الحبيب ورأسه وجسده:

هو: تمثال ذهب، تحفة فنان، صورة ذهبية ذات اغراء. وكذلك غدائر شعر الالهة انانا المزيّن بالجواهر، نهداها كحقل مخصب، وفرجها رطب ريان، انانا هي نعجة الاله دوموزي، وصوتها يدغدغه ويجذبه.

فكلا الحبيبين في كلا المصدرين السومري والعبري هما رعاة، والراعي او الراعية هي الكلمة المحبة للدلالة على الحبيب والحبيبة كما يظهر في نشيد الأناشيد وقصيدة الزواج المقدس في بابل.

 

 

دلائل الوصال ورموزه

 

غالباً ما يلجأ كتاب نشيد الأناشيد الى التورية في وصف للعلاقة الحميمة بين الحبيبين، فان الكلمات المستوحاة من الطبيعة والتي تشير الى الخمر والفاكهة والمأكولات الطيبة تدل عادة على اللذة الجنسية اة تلك التي تعطي قوة تجعل اللقاء اكثر متعة.

ان ممارسة الحب اطيب من الزبيب والتفاح، وقبل الحبيب ومداعباته اطيب من الخمر، وصوته يهز القلب والكيان بكليته. ان جسد الحبيبة هو جنة خاصة للحبيب، ملىء بكل انواع الثمار والأكياب والزهور، الرمان والتفاح والعناقيد والسوسن والنردين والزعفران...

فليأت الحبيب ويرعى اين وكيفما شاء...

ان لذة التقبيل يعبر عنها بكل ما هو حلو سائل لزج من عسل وقطر وشهاد وعصير رمان... شفتا الحبيبة تقطران شهداً وتحت لسانها عسل ولبن وحليب.. وشفتا الحبيب تقطران مرّاً سائلاً...

هذه الرموز والدلائل ليست غريبة ايضاً عن الأدب السومري: فهي مستعملة بكمية كثيرة او قليلة بطريقة متشابهة بقدر ما تسمح اللغة وتركيباتها، واسلوبها. لا يخضع التعبير عن الحب وممارسته لأي مراقبة في النصوص السومرية. فالكاتب لا يكتفي بالتلميح فقط بل يلجأ الى التصريح بعبارات حقيقية واقعية، كما في نشيد الأناشيد حيث لكل كلمة مدلولها ان في تسمية الأعضاء او في وصف لقاء الحبيبين.

 

مكان وزمان الوصال

 

في نشيد الأناشيد نجد عدة امكنة للقاء الحبيبين وممارسة الحب:

هناك الخدر اي غرفة العروسين الخاصة، وهناك السرير الريان المزيّن والمهيأ. ولكن المكان المفضل هو البرية بعيداً عن المدينة والناس، بين الأشجار والأزهار والكروم تحت نور الشمس، وفي الهواء الطلق، بين اريج الرمان واللفاح، هناك تعطي الحبيبة للحبيب حبها وتقدم له الثمار الحديثة والقديمة التي ادخرتها له...

اما زمان الوصال فهو في بدء الربيع، بعد انقضاء البرد والشتاء في البرية المعشوشبة والطقس الجميل، والهواء المنعش... في اطار كهذا تأتي الحبيبة معطرة بكل عطور التاجر جاذبية لجذب حبيبها بصوتها ونظراتها، فتسند رأسها على شماله وهو بيمينه يضمها ويداعبها، يلامسها، يبيت بين ثدييها، يشتهيها وتشتهيه، يقبلها وتقبله، ويختلط نفسه بنفسها، هو لها وهي له... هذه قوة الحب وسهامه الملتهبة التي لا تستطيع المياه الغزيرة ان تطفئها.

المكان المفضل للقاء دوموزي وانانا هو ايضاً البرية والحظيرة، وعلى ضفاف النهر حيث القطعان والزروع والأشجار، وليس في القصور، ففي الطبيعة حرية وعفوية في الوصال لا تتوفران في القصور وبين الناس. اللقاء مع الحبيب، في النصوص السومرية، هو عيد يجعل الوجوه مشرقة والأجساد لينة والخطى رشيقة.

بعد هذا العرض السريع والمختصر لأهم العناصر المشتركة في كتاب نشيد الأناشيد ونصوص سومرية في ما يتعلق بالحب والجنس نرى من المفضل ان نضع جدولاً مقارناً بين هذين المصدرين بغية توضيح اوجه الشبه وقراءة النصوص بحد ذاتها.

يدور الكلام في نشيد الأناشيد بين الحبيب والحبيبة او عنهما، كذلك الكلام في النصوص السومرية يدور بين الهين حبيبين دوموزي وانانا (تموز عشتار).

 

 

نشيد الأناشيد

النصوص السومرية

ليقبلني قُبَل فمه، ملاطفك خمور اشهى (1:3)

انانا، يا آسرتي، انت خمري الأشهى .

دعني يا حبيبي، امنحك ملاطفاتي وملامساتي. فمك كان يضغط على فمي، وعلى فمك انضغطت شفتاي.

حبك اولى من الخمر بالذكر (1:4)

قبلات فمك تهزني

اسمك طيب مراق لذلك احبتك الصبايا

يا ملتهم النساء، يا ذا الوجه الجميل، كم كان اغراؤك عذباً دعنا نتمتع بجمالك الرائع.

ادخلني يا من تحبه نفسي، اين ترعى، اين تربض عند الظهيرة (1:4)

اقترني بالراعي يا اختاه، لذيذة قشدته.

 

ما اجمل بالقطرين خديك، وبالعقد جيدك (1:10) سنصنع لك عقوداً ذهبية ونرصعها باللجين (1:11)

كافأني سيدي بمنحي عقداً ذهبياً وخاتماً من اللجين.

حبيبي مرة مر بين نهدي يبيت (1:13)

الحبيب الذي دعوته الى قلبك، فليركن طويلاًعلى صدرك الجذاب. كم هو مريح النوم ويدي في يده.

كم هي كلية اللذة حين يلتصق صدره بصدري... دوموزي يتأوه لذة على صدرك يا انانا.

 

 

 

مما سبق اعلاه نجد عمق التشابه والمقتبسات في التعابير والألفاظ والصور، في نشيد الأناشيد وفي النصوص السومرية، نابع من المشاعر، والأحاسيس الانسانية المشتركة عند كل انسان وفي كل زمان من جهة، من تأثير حضارة بلاد ما بين النهرين على الشعب العبري وبالتالي على ادبه، من جهة اخرى. ان السبي لليهود ومكوثهم لزمان طويل في تلك البلاد لا بد من ان يجعلاه يتأثر بطبيعتها ولغتها وادبها التقليدي والشعبي معاً. فالعبرانيين بدأوا واعادوا صياغة كتبهم بعد عودتهم من بلاد الرافدين الى بلاد كنعان. فغداة هذه العودة لا بد من ان ينطبع الأدب العبري بما عاشه وتأثر به العبرانيون، وهم العائدون من حضارات المدن التي عرفوها: بابل واشور واكاد وسومر ونينوى وغيرها.