العدد السابع والثلاثون - كانون الاول

الأزمة الماليّة العالميّة: وقائع وتجارب

الخميس 11 كانون الأول (ديسمبر) 2008.
 

إنّ الأزمة الماليّة أو الكارثة أو أزمة القروض العقاريّة العالية المخاطر التي مرّت بها الأسواق العالميّة والتي وصفت بأنها الأسوأ منذ "الكساد الكبير" عام 1929 والذي ضرب الاقتصاد الأميركيّ وأدّى آنذاك إلى الانكماش ، بدأت فعليّاً منذ بداية آب 2007 ،بعد الازدهار الكبير لسوق العقارات الأميركيّة بين 2001 و2006 والذي شجّع البنوك والشّركات منح قروض ضخمة لمقترضين لديهم سجل ائتمانيّ ضعيف، حينها قامت بعض البنوك المركزيّة في العالم بضخّ العشرات من مليارات الدّولارات لمساعدة المصارف التي عانت من نقص في السّيولة نتيجة القروض الكبيرة المتراكمة (التي بلغت قيمتها مع بداية الأزمة أكثر من 100 مليار دولار) وعدم قدرة المقترضين على سداد قروضهم بعد ارتفاع معدّل الفوائد . وتعاقبت الأحداث مع انهيار المصرف التّجاريّ "ليمان براذرز" Lehman Brothers Holdings Inc (مصرف تجاري تمّ تأسيسه في ألاباما عام 1850على أنّه مؤسّسة خدمات ماليّة دوليّة ويقع مكتبه الرّئيسيّ في نيويورك وقد أعلن إفلاسه في 14 أيلول 2008 بسبب الخسارة التي حدثت في سوق الرّهن العقاريّ) وعمليّة الاندماج بين "ميريل لينش" و "بنك أوف أميركا" وتحوّل آخر و أكبر مصرفين مستقلّين في وول ستريت "مورغان ستانلي" و "غولدمان ساكس" إلى مجموعتين مصرفيّتين قابضتين، والتّدخل الاستثنائيّ للدّولة الأميركيّة لإنقاذ مجموعة التّأمين العملاقة "أيه إي جي" ، وأصابت العالم أجمع بخسائر بلغت قيمتها أكثر من 4 تريليونات دولار من قيم أسواق المال العالميّة في أيّام معدودة، حتى أنّ دولاً كأيسلندا أعلنت إفلاسها ، ما دفع العديد من الخبراء الماليّين والاقتصاديّين للقول بضرورة إعادة النّظر بإدارة النّظام الماليّ العالميّ.

وإذا أردنا أن نعدّد الأسباب الرّئيسة لهذه الأزمة فيمكن تلخيصها بما يلي:

  أقدمت البنوك الأميركيّة على تقديم ديون عقاريّة كبيرة لم تستطع استردادها بعد تخفيض سعر الفائدة لغاية 1% عام 2003 وذلك لتشجيع الاستهلاك وسياسة الإقراض العشوائيّة وخاصّة العقاريّة ما زاد الطلب عليها وأدّى إلى رفع سعر العقار في الولايات المتّحدة الأميركيّة. وانتقلت الأزمة إلى شركات التّأمين التي تملك من بين موجوداتها الكثير من سندات التّمليك العقاريّة، فلم تعد قادرة على بيع أيّ من الموجودات الأخرى لتسديد الخسائر النّاجمة عن السّندات العقاريّة التي قدّرت بأكثر من 40 مليار دولار. والمشكلة الأخرى، أنّ البنك المركزيّ الأميركيّ لا يستطيع التّدخل عبر تقديم الدّيون لشركات التّأمين لأنّ ذلك ليس من وظائفه. ولم تجد شركات التّأمين مصارف تقبل بتقديم الدّيون لها مقابل موجوداتها لتقوم هذه المصارف بتقديم الموجودات إلى المصرف المركزيّ كي تستدين منه.

  الرّهون العقاريّة الأقلّ جودة Subprime

  الزيادة الهائلة في توريق الدّيون securitization ،أي، وحسب د. إبراهيم البدوي الخبير الاقتصاديّ في البنك الدّوليّ، أنّ المؤسّسات الماليّة تشتري سندات ماليّة securities بضمان الدّيون العقاريّة وهذه السّندات الماليّة يتمّ إعادة إنتاجها وإعادة بيعها في السّوق الموازية  secondary market عدّة مرّات طالما أنّ هناك من يشتريها أي أنّه يتمّ تداول القروض العقاريّة في الأسواق بدون ضوابط وبلا رقابة. 

  انعدام الرّقابة أو الإشراف على المؤسّسات الماليّة الوسيطة.

ولتفادي هذه الأزمة الكارثة، أقرّت الولايات المتحدة الأميركيّة 700 مليار دولار لإنقاذ القطاع المصرفيّ من الانهيار. وقد اتّخذ اجتماع باريس الذي انعقد بتاريخ 12 تشرين الأول 2008 والذي خصّص لدراسة الأزمة الماليّة قرارات عدة أبرزها التزام الحكومات في توفير الضّمانات للقروض لخمس سنوات ابتداء من كانون الثّاني 2009 من أجل تجاوز المخاوف التي تمنع البنوك من منح القروض، كما التزمت الحكومات بتعزيز رؤوس أموال البنوك وذلك عن طريق امتلاك الدّول لأسهم في رؤوس أموال البنوك مع احترام قوانين السّوق، وإعادة تجديد رأس مال البنوك التي تواجه مصاعب لمنع إفلاس المؤسّسات الماليّة، والتّخلي عن معايير المحاسبة الجديدة التي تفرض على الشّركات تقييم أسهمها بحسب أسعار السّوق وليس على أساس أسعار الشّراء.

وفي الوقت الذي كانت فيه العديد من الدّول العربيّة تعاني ممّا أصابها نتيجة الأزمة (مصر،السّعودية، دبي، أبو ظبي...) خاصّة وأنّ مستثمرين عرب كبار وصناديق سياديّة عربيّة لا سيّما الخليجيّة منها،يستثمرون في الأوراق الماليّة والأسهم التي تصدرها المؤسّسات الماليّة الدّوليّة ويتمّ التّعامل معها في البورصات الأجنبيّة،وحسب معهد التّمويل الدّوليّ، فإنّ دُول مجلس التّعاون الخليجيّ كانت قد استثمرت في أصول أجنبيّة في أوروبا وأمريكا، في حدود 530 بليون دولار في السّنوات الخمس الماضية، منها 300 بليون في الولايات المتّحدة وحدها. أمّا الاستثمارات العربيّة في الأصول الماليّة، فقد بلغت 322 بليوناً، منها 308 بليون دولار تعود للمملكة العربيّة السّعوديّة ودُول الخليج العربيّة الأخرى، و11 بليون من مصر، و1.2 بليون من المغرب، أمّا الـ 12 بليون الأخرى، فجاءت من الأردن ولبنان وتونس، وقد اختلف حجْـم التّأثر تَـبعا لنَـوع الاستثمار.

 إلا أن القطاع المصرفيّ اللّبنانيّ أثبت صلابته و نجاحه لعدم تأثّره بالأزمة الماليّة العالميّة لأنّ الآليّات الوقائيّة التي وضعتها الإدارة النّقديّة والماليّة في مصرف لبنان بالتّعاون مع القطاع المصرفيّ منذ سنوات تحوّلت نموذجاً بدأت أوروبا وأميركا تعتمدها لحلّ الأزمة من خلال استيعاب الدّيون بتملّك المؤسّسات المصرفيّة والشّركات المتضرّرة. وقد أكدّت تقارير صندوق النّقد الدّولي ارتياحه لأداء القطاع الماليّ اللبنانيّ من خلال النّمو في الودائع بحوالي 12% والذي يرافقه ارتفاع في أرباح المصارف وفي الأموال الخاصّة التي ستتجاوز السّبعة مليارات دولار وبلوغ نسبة الملاءة حوالي 11 % بينما المطلوب دوليّا ً8%.من هنا، فإنّ أيّ تأثير للأزمة على القطاع المصرفيّ اللّبنانيّ سيبقى تأثيراً هامشيّاً.

ما هي بعض التّأثيرات الاقتصادية النّاجمة عن الأزمة الماليّة العالميّة؟

  مدير الأبحاث الاقتصاديّة بالمركز الوطنيّ للأبحاث العلميّة "إيلي كوهين" يعتبر أنّ الخسائر المصرفيّة التي ظهرت ستزيد الحاجة إلى رؤوس أموال يصعب إيجادها، وانّ النّموّ في منطقة اليورو سيصل إلى 1%في 2009 قبل أن يتحسّن في الرّبع الثّاني على أقرب تقدير. ويجدّد كوهين مخاوفه من حصول تضخّم وانعكاس ارتفاع الأسعار على شكل زيادة الأجور الأمر الذي سيدفع المصرف المركزيّ الأوروبي على رفع نسب الفائدة مجدّداً.

  الخبير الاقتصادي "في المرصد الفرنسيّ للوضع الاقتصاديّ" اريك هاير توقّع ، و بعدما حقّقت استثمارات الشّركات ارتفاعاً بمعدّل 1.3% في السّنة بين 1995 و 2005، أن تتراجع بنسبة 9.1% عام 2009 ما يهدّد بعض الشّركات بالإفلاس.

  هناك صعوبة في تحديد حجم الخسائر وإن كان الاحتياطيّ الفيدراليّ الأميركيّ يقدّرها بين 50 إلى 100 مليار دولار مقابل إجمالي الدّيون في القطاعات غير الماليّة الأميركيّة يصل إلى نحو 30 تريليون دولار.

  الانكماش الذي يتميّز بنموّ اقتصاديّ سلبيّ على مدى فصلين متتاليين يهدّد العديد من البلدان.

  تراجع قويّ في السّوق العقاريّة بسبب ارتفاع معدّلات الفائدة وتشدّد المصارف في معايير الإقراض.

  تغيير الطّريقة التي تعمل بها المصارف والمؤسّسات الماليّة الأميركيّة بوضع ضوابط أكبر على عمليّات الإقراض العقاريّ وعلى عمليّات بيع القروض بين البنوك كأصول مستثمرة.

  تغيير جذري في عمل الأسواق والنظام الماليّ الدّوليّ

 و قيام نظام نقديّ دوليّ جديد لتنظيم الأسواق الماليّة.

  العودة إلى الفلسفة الاقتصاديّة القائلة بضرورة عودة الدّولة إلى التّدخل في عمل الأسواق الماليّة والمصرفيّة والاقتصاديّة بدل أن تكون الإدارة قائمة على السّوق

بدايات الأزمة

شباط 2007

ارتفاع عدد المقترضين غير القادرين على دفع مستحقّات قروض الرّهن العقاريّ الأمر الذي أدّى إلى إفلاس مؤسّسات مصرفيّة متخصّصة.

حزيران 2007

أوّل بنك كبير يعاني من خسائر قروض الرّهن العقاريّ Bear Stearns وهو مصرف استثماريّ أميركيّ

آب 2007

البنك المركزيّ الأوروبيّ ضخّ 94.8 مليار يورو من السّيولة

الخزينة الفدراليّة الأميركيّة ضخّت 24 مليار دولار

كما تدخّل العديد من البنوك الأخرى مثل بنك اليابان والبنك الوطنيّ السّويسريّ.

أيلول 2007

بنك انكلترا يمنح قرضاً معجّلاً لمصرف Northern Rock لتجنّبه الإفلاس

تشرين الأول 2007

انخفاض قيمة موجودات مصرف UBS السّويسري بحوالي 4 مليار فرنك

كانون الثاني 2008

الخزينة الأميركيّة الفيدراليّة تخفض نسبة الفائدة الرّئيسيّة بشكل استثنائيّ بثلاثة أرباع النّقطة لتصل إلى 3.50 %

آذار 2008

الخزينة الفيدراليّة الأميركيّة تقدّم حوالي 200 مليار دولار لمجموعة محدودة من البنوك الكبرى.

JP Morgan Chase العملاق المصرفيّ الأميركيّ يشتري مصرف Bear Stearns الذي يعاني من صعوبات ضخمة بمساعدة ماليّة من مجلس الاحتياطي الاتّحادي.

نيسان 2008

صندوق النّقد الدّولي يعلن أنّ الخسائر المحتملة للرّهون العقاريّة في الولايات المتّحدة سيرتفع إلى 945 مليار دولار أميركي

عدد الحالات التي سجّلت خسائر نتيجة أزمة الائتمان والرّهون العقاريّة بلغت 193 حالة، نحو نصفها أو 95 حالة في الولايات المتّحدة الأميركيّة، 80 حالة في أوروبا، 10 حالات في اليابان، وحالة واحدة في منطقة الخليج، والباقي موزّعة على دول أخرى. 

تموز 2008

الضغط يشتدّ على مؤسّستي Freddie Mac  و Fannie Mae الأميركيّتين المتّخصّصتين في إعادة تمويل القروض العقاريّة والخزينة الأميركيّة تعلن عن خطّة لإنقاذ القطاع العقاريّ.

أيلول 2008

-  وزارة الخزانة الأميركيّة تعلن عن وضع مؤسّستي      Freddie Mac و Fannie Mae تحت الوصاية الحكوميّة.

-  انهيار مصرف الأعمال "ليمان براذرذ" تحت وطأة ديون بلغت قيمتها 600 مليار دولار

-  "مصرف اميركا" يشتري "ميريل لينش"

-  مجلس الاحتياطي الاتّحادي و والحكومة يؤمّمان مجموعة التّأمين الأميركيّة "AIG " عن طريق تقديم مساعدة بقيمة 85 مليار دولار في مقابل 79.9% من رأس المال.

-  أوروبا: مصرف الرّهن العقاريّ "هاليفاكس بانك أو سكوتلاند" يباع لمنافسه "ليودز تي اس بي".

-  السّلطات الأميركيّة تعلن عن خطة تطهير الأصول الماليّة "السّامة"، تضمن بموجبها الخزانة الأميركيّة أصول الأموال النّقديّة التي تصل قيمتها إلى 50 مليار دولار. وبعد هذا الإعلان انتعشت سوق الأسهم بشكل مذهل.