العدد السابع والثلاثون - كانون الاول

مفهوم التّبنّي عند فرانسواز دولتو

الخميس 11 كانون الأول (ديسمبر) 2008.
 

التّبنّي حالة إنسانيّة راقية لها مفاهيم إجتماعيّة ودينيّة تختلف من مجتمع لآخر حيث تتمّ تربية الأطفال بالتّبني  بطرق تقليديّة تؤدّي بهم إلى الإعاقة والضّياع. لكن مع "فرانسواز دولتو", لم يعد يُنظر لهؤلاء الأطفال نظرة فوقيّة ولا بشكل ٍ ثانويّ, بل يُنظر إليهم من الدّاخل, بأقرب ما يكون من العقل الباطن وباقرب ما يكون من حقيقتهم. فهم قبل ذلك كانوا يعتقدونهم غير قادرين على تقرير ما يخصّهم, فيخفون عنهم حقيقة تاريخهم وأصولهم. وبما أنّ هذا الطّفل هو فرد مستقلّ بالكامل, و تربيته تعني إحترامه بجسده,  وبإيقاعاته, وبرغباته, وتعريفه منذ نعومة أظفاره بهوّيته ووضعه المدنيّ حتى في حال غياب والديه,  يجب علينا أن نعلّمه الحقيقة بما يخصّ تاريخه مهما كانت الأوضاع مأساوية. وفي كلّ مرحلة من حياته ينبغي أن نعلّمه الأمور التي تخصّه.   فمثلا ً الطفل المتبنّى لا يقول " أنا متبنّى" بل يقول:"كان لي أم اخرى بالولادة".

 

يحتاج هذا الطفل مبكراً وبشكل ٍ أساسي إلى الأمان. الأمان الذي يجده عند متبنيه, إنه بحاجة إلى هذا الأمان بشكل ٍ مستمر، ساعة بعد ساعة، وبشكل ٍ ثابت ومتساوٍ بدون أيّ نقص. إذ بفضل  الشّعور بالأمان يمكن له أن يُبنى وينمو ويتطوّر بالتّربية الصّحيحة. والتّربية وفق المعجم هي:

إنشاء وتكوين طفل فتي، وتنمية مواهبه الفيزيائيّة والنّفسيّة والذّهنيّة. والخطورة بالنّسبة إلى الطّفل المُتبنى في كثير من المجتمعات أن تصبح عملية التّربية عمليّة إعاقة! إعاقة الحياة وتطوّر المواهب.

التّربية هي فنٌّ وعلمٌ في آن ٍ معاً. إنّها إيقاظ الذّكاء والقوى الإبداعية عند الطّفل متزامناً مع إعطائه حدوده الخاصّة به كي يشعر بأنه حرّ في التّفكير والشّعور والمحاكمة بطريقة تختلف عن الكبار. أي أنّ التّربية لا تقوم على فرض سلسلة من التّصرفات على الطّفل, بل على مساعدته في بناء ذاته وذلك بتعليمه أوّلا ً احترام نفسه الذي لا يمكن له أن يكتسبه إلا إذا احترمه المحيطون به. واحترام الطّفل يبدأ باحترام ولادته ووراثته التي يعرفها عقله الباطن تماماً والتي ينبغي على المربّي الذي يتبناه التّعامل معها بواقعيّة ووضوح.

فتربية الطّفل المتبنّى ينبغي ان تحرِّض على سلوك إيجابي، لإكتفاء الطّفل وإعجابه بنفسه إذا سمع وأطاع َ من تبنّاه, والذي ينبغي عليه الا يسبّب له تناقضاً يؤدّي به الى عقد نفسيّة تدمّر حياته. كلّ طفل في هذا الكون هو كائن أصيل، له إيقاع شخصيّ وذو مواهب تتناسب مع طبيعته، ووراثته، وصحّته. فالتّبنّي ليس عمليّة عاطفيّة فحسب بل ينبغي قبل البدء فيها أن تتمّ تهيئة الأشخاص الذين يريدون التّبنّي, من قبل أخصائيّين في علم التّربية والتّحليل النّفسيّ كي ينمو هذا الطّفل بشكل سليم.

 

 

 

إنّ البنوّة الرّمزيّة عند البشرهي الغالبة بالنّسبة إلى البنوّة الدّنيويّة, فالأطفال بالتّبنّي، والأبوان المتبنّيّان، مرتبطون بعلاقة رمزيّة ترسخ فيها العفّة أكثر ممّا هي عليه مع الأولاد الحقيقيّين، وهذا لا يوجد إلّا في القانون البشري، وهو غير موجود عند الحيوانات اللّبونة,  مدجّنة كانت أم متوحّشة.

ليس الأبوان هما فقط اللّذان يخلّفان الطفل ومن ثمّ يُعرف باسمهما, بل الذين يعتنون به, ويقدّمون له حضوراً, وكلاماً, وانتباهاً ومحبّة شخصيّة.

 

 

إنّ الأطفال الذين لم يعرفوا آباءهم الحقيقيّين جاهزون بشكل طبيعي ليحبّوا ويرتبطوا بمن يحبّهم, بشرط أن يكونوا مستَقبَلين بحرارة في مركز حيويّ , بما هم عليه من وضع وأن يُحتَرَم ماضيهم.

 فللتّبني أصول وقوانين ينبغي احترامها وممارستها بدقّة ومعرفة حتى ينمو الطّفل المتبنّى بدون رضوض نفسيّة تعيق تطوّر شخصيّته.

 

قد يتساءل بعضهم, كيف يتمّ احترام الماضي الذي ربما يكون مجهولاً في أغلب الأحيان؟

نلجأ هنا إلى تحليل منطقي للحدث:

إنّه من غير الممكن لجنين أن يعيش, إذا لم يكن هناك ثلاث رغبات لاشعوريّة للحياة, هي في أصل الكائن البشريّ : رغبة الأب الوالد بالإمرأة التي أخصبها؛ ورغبة المرأة بالحمل , ورغبة مرافقة لها منذ الطّفولة منطبعة على صورة والدتها او والدها, هذا إن لم تكن رغبة واقعيّة لوجود المخصّب؛ ورغبة الولادة عند هذا الكائن البشري الذي سيأتي إلى العالم والذي لا نعرف عنه شيئاً.

 

من المستحيل الاعتقاد بأنّ كائناً بشريّاً يمكن أن يولد بدون وجود رغبة وحبّ مشاركين هذه الولادة. قد لا يكون هناك حبّ أثناء الحمل بطفل نتيجة عمليّة اغتصاب, مثلاً, لكن أصبح هنالك حبّ اثناء مدّة الحمل, لقد استطاعت الأم أن تحمله كل فترة الحمل الطبيعيّة, ورضيت أن تسلّمه لقدره, أي لمؤسسة أيتام, او لعائلة تتبنّاه وترعاه. لكن هناك حالات مؤلمة أكثر من ذلك, وهي عندما لا تتمكّن الأمّ من الاحتفاظ بطفلها والقيام برعايته وتربيته, لأسباب اقتصاديّة بحتة. فمع ذلك فإنّ تسعة أشهر من الحياة التّكافليّة ليست بالأمر اليسير!

 

ينبغي أن يؤكّد الأبوان المتبنّيان للطّفل أنّه كان ثمرة حبّ بين والديه الحقيقيّين, واللذين لأسباب خارجة عن إرادتهما لم يتمكّنا من الاحتفاظ به وتأمين معيشته وتربيته.

 

قد يبدو كل ذلك متناقضاً بالنسبة إلى أبوين لم يحصل لهما أن كانا طفلين متبنّيين. يبدو لهما ذلك متناقضاً ومعاكساً لرّاحة الطّفل. فهما يتمنّيان أن ينسى الطّفل كل شيء, وألّا يعرف شيئاً عن ماضيه, لاعتقادهما ان الكائن البشريّ لا "يعرف" عن تاريخه إلا ما رويَ له أو ما يتذكّره ذهنيّاً. لكن اللّاشعور يعرف, وهم إذا لم يحدّثوه عن ِ تاريخه بكلمات, فإنّ الحياة الرّمزيّة للطّفل تصبح على قواعد غير أمينة.

وإذا فضَّل الأبوان المتبنّيان  الصّمت بخصوص الماضي, فذلك لأنهما يضعان نفسيهما موضع الطّفل ويشعران بشعوره, ويعتقدان بذلك أنّهما سوف يجرحان مشاعره وكرامته إذا هما حدّثاه عن والدته التي حملته, وعن الأشهر الأولى من عمره.

عند الطّفل حدس دائم لتاريخه: فإذا قيلت له الحقيقة, فهي سوف تساهم في بناء شخصيّته البناء السّليم. والكلمات التي تقال له, خصوصاً إذا قالها أبواه بالتّبنّي والذي جلب لهما هذا التّبنّي فرحاً عظيماً, هذه الكلمات الصّادقة الحقيقيّة هي على العكس مما يُظَن, تكون دعماً للحبّ الانساني، ولرغبة هذا الطّفل لأبويه, ولرغبة هذين الأبوين بهذا الطّفل, حيث يكون الأبوان والطّفل سويّة متأكّدين بأن اختيار بعضهم لبعض كان صحيحاً, وبتبادلهم الغبطة والسّرور لأنهم تعارفوا في يوم من الأيّام, يوم يُحدَّد ويُعلَن تاريخه ومكانه, كما يُعلَن عن تاريخ الولادة الأساسي الشّرعي, فيكون للطّفل بدل العيد الواحد عيدان لميلاده يحتفل فيهما ويرمزان لمعنى هذه الشّخصيّة.

 

ينبغي أن تُقبَل الأصول بحبّ واحترام للأمّ التي حملت الطّفل ووضعته في هذا العالم حيث تسنّى للأبوين المتبنيّين معرفته والفرح بحبّه.

إذا لم يكن هذا المفهوم واضحاً بالنّسبة إلى الأبوين المتبنيّين, فقد لا يفهمان ما هو أساسي في احترام الاسم وما يرمز إليه. فعندما يخفيان عن الطّفل أنّه مُتبنى, أو أنّهما لا يتكلّمان بحبّ وعرفان عن الوالدة الأصليّة, التي يجهلانها كما يجهلها الطّفل, فذلك لأنّهما يعتقدان أنّه سينزعج من ذلك وتتضرّر نفسيّته تماماً كما لو أنّهما كانا في مكانه , لكنه لم يكن في الظّروف نفسها, إذ أنهما قد ترعرعا في كنف أبوين حقيقيّين وهذا ما ينبغي أن يفهماه. هذه الغيريّة هي التي ينبغي أن تكون حاضرة بشدّة في ذهن الأبوين حتى تصبح البنّوة الرّمزيّة قويّة جدّاً وبالتّالي طمأنينة وأماناً لوجود وحياةالطّفل المتبنّى الذي لا يقول " أنا متبنّى" عندما يوحى إليه بذلك, بل  يقول:"كان لي أم اخرى بالولادة"؛ فينبغي إذاً تعريفه منذ نعومة أظفاره بهوّيته ووضعه المدنيّ وأن نعلمه الحقيقة بما يخصّ تاريخه مهما كانت الأوضاع مأساويّة.

 

هناك مسألة العمر الذي يتبنّون فيه الطّفل, فبعمر العشرين شهراً بإمكان الطّفل أن يبدي رغبته بالتّبنّي وبمن يتبنّاه,  مثلما ينتقي المتبنّون بدورهم من يرغبون بتبنّيه. فعندما يتعلّق الأمر بطفل ٍ قد اكتسب نوعاً من الاستقلاليّة الحركيّة وأصبح يتكلّم, فإنّه من المهم جداً ان يُقال له ما ينتظره, منذ البداية, وعليه هو أن يقر بموافقته او برفضه. ففي المؤسّسات, يهيّئون الأطفال لمثل هذه المواقف أمّا بالنسبة إلى الأبوين بالتّبنّي, فيبدو أنّه من المهمّ جدّاً ان يُقال لهم أمام الطّفل, خلال جلسات التّهيئة, أنّ عليهم ألّا يغيّروا أسم هذا الطّفل الأصلي, وألّا يخفوا عنه لاحقاً, أنّهم قد تبنّوه, ولا المكان الذي تلاقوا فيه واختاروه, يمكنهم بالتّأكيد إشراك اسم الطّفل الأصلي مع الاسم الذي يريدون تسميته به حسب تقاليد عائلتهم كما لو كان ابنهم الحقيقي من لحمهم ودمهم, لكن هذه الأسماء المضافة لاسمه الحقيقي تصبح أسماء شرعيّة لهذا الطّفل الرّمزي لهاتين العائلتين المتبنّيتين وسلالتهما, بشرط أن تُشرَح له لاحقاً, لأنها الدّلالة على أنّ جدوده بالتّبنّي هم أيضاً حاضرون في حياته الرّمزيّة, اعتباراً من اليوم الذي أصبح فيه ينتمي لهذه العائلة بواسطة أبويه بالتبني.

غير أنّه غالباً ما تُطلَق الأسماء الجديدة بدون العودة للتّقاليد الأسريّة. وينبغي ألا يُغيَّر اسم الطّفل مطلقاً, لما في ذلك من تأثير ضارّ لا يمكننا توقّع مداه. لكن ما نعرفه أننا نتدخّل في أساس البنيّة النّرجسيّة الأوليّة, أي في التّرابط الرّمزي "جسداً - لغةً", في وجوده المنطوق حقيقة, منذ ولادة هذا الإنسان إلى أن يقبل الاسم الذي أُعطيَ له بالتّبنّي, فيقبل بذلك حكم "القانون" ونظامه.

هذا التّرابط الرّمزي ينبغي ألا يُشَوَّه أبداً, وأفضل طريقة لعدم تشوهه, هو احتفاظ الطفل باسمه الحقيذقي وإعلامه ان أبويه بالتّبنّي يعترفان بوالدته الحقيقيّة وبوالده اللذين خلفاه ووهباه الحياة. وتبنّيه هو الدّلالة على وجود تضامن وتكافل إنساني وعلى الأهمية التي أعطاها المجتمع لوجوده منذ ولادته, ولرغبته بحب رجل ٍ وامرأة, الشأن الذي يقرّه القانون, يربّيانه ويجعلانه بدوره رجلاً أو إمرأة ضمن عائلة تعترف به على أنّه من سلالتها.

 

الدكتورة ماري شهرستان