هل كسرت الفضائيات العربية طوق العزلة؟

العدد 1 - تموز 2005 : هيام الجندي
الثلاثاء 5 تموز (يوليو) 2005.
 
في مجتمعات لم تكن تملك من وسائل الاتصال، والترفيه إلا القليل, كالجلوس في المقاهي ولعب الورق أو مشاهدة التلفزيونات المحلية. ومن جراء التهميش الطويل للمواطن العربي نجده تواقاً لرؤية ما يجري من أحداث سياسية، وقضايا اجتماعية، تختلف ولو نسبياً عن المتاح. وذلك نظراً لتاريخ طويل من التعتيم الإعلامي الرسم.

في حقيقة الأمر منذ بداية ظهور الفضائيات اعتبرت شريحة واسعة من المجتمع أنها إحدى وسائل الترفيه بالدرجة الأولى ومن ثم الاهتمامات الأخرى وذلك نظراً لضعف الوعي العام.

الصدمة:

نظرة بسيطة إلى الوراء لنتذكر كيف تابعنا الفضائيات بدهشة وارتباك ولم نكن قادرين على الفرز بين الحنطة والزؤان، وباعتبار أن المتلقي ليس نسقاً واحداً وجدنا أن لكل نوع من الفضائيات جمهورها، فالجزيرة التي سبقت منذ بداياتها الاهتمام بالشأن العام شدت إليها شريحة من المهتمين بالثقافة والسياحة وقد كنا نتشوق لسماع ورؤية برامج تطرح قضايا هامة كالديمقراطية والحرية. رغم ما ينقله لنا فيصل القاسم من توتر في برنامجه (الاتجاه المعاكس), وهناك العربية التي جاءت مادتها أقل كثافة وعمق من الجزيرة/ والمستقبل تلك القناة امتلكت اعلاماً متوازناً لحد معقول, برامج حوارية هامة وساخنة تخص الساحة اللبنانية والعربية (كالاستحقاق) و (خليك بالبيت) لزاهي وهبي الذي استضاف عدداً كبيراً من المثقفين العرب وأضاء حياة بعض الشخصيات, مع الإقرار بتفاوت المستوى الأدائي بين حلقة وأخرى. حتى جاء مفصل هام في حياة تلك القناة وهو اغتيال رفيق الحريري فوقعت بارتباك كبير. وهناك من الشرائح من اتجه للقنوات التي تختص بالسينما مثل (2) وشريحة من الشباب ساهم الفيديو كليب بصياغة ذوقها الفني والجمالي. بداية لا بد من الاعتراف بوجود أزمة ثقة بين الفضائيات الحكومية ومن في حكمها, التي تقف ورائها سياسة محدودة، فغالبيتها يستند إلى وجهات نظر مسبقة وايدلوجيات معينة، دون مراعاة الحد الأدنى من الأصول المهنية سواء في صلب المادة أو طريقة عرضها أو انحيازها لتلك الجهات المتعددة الأيديولوجيات، ويبدو أن الحياد بالمطلق أمر بالغ الصعوبة، ولكن بالامكان مراعاة الحد الأدنى من الموضوعية. تحت ضغط المتغيرات العالمية اضطرت هذه الفضائيات أن تمارس شيئاً من الانفراج. رغم السيطرة الأيديولوجية عليها. ولم تكن تلك القنوات تشعر بضرورة خطاب الآخر كالمنار رغم تعاملها الذكي والمميز مع القضية الفلسطينية إعلامياً والذي ينم عن فهم عميق للذهنية الصهيونية. ولكن هل هذا الانفراج كاف ليعطي الفضائيات مادة إعلامية جيدة ومقنعة في المادة الحوارية, يغلب عليها الطابع السطحي للمعالجة والاكتفاء بملامسة الموضوع ملامسة دون الخوض في العمق، عدا عن عدم تعاملها باحترام مع زمن الضيوف والمشتركين من خارج الاستوديوهات. وهنا نسأل ألا يحق لضيوف البرامج الحوارية أخذ كفايتهم من الوقت لبلورة وجهات نظرهم ـ يصرخ فيصل قاسم: معك دقيقة واحدة ويترك المشاهد معلق.

الفضائيات والتراث.

عندما حاولت تقديم مادة بعيدة عن السياحة, كالتراث, نجدها تعاملت معه ومع آثارنا الخالدة على اعتبارها مادة للدعاية السياحية والإعلانية دون التعاطي معها كمخزون فكري وثقافي يحدد الكثير من ملامح شعوبنا الثقافية والاجتماعية والسيكولوجية, . وخير مثال على ذلك الفضائية السورية, كم تمنيت أن أسمع أسئلة توجه للأجانب السواح أقل سذاجة من هل أنت مبسوط؟! هل أعجبك الأكل؟ّ.

صياغة الذوق:

ثمة نوع من الفرجة يستسهلها العقل، رغم ابتعادها عن الهم الحقيقي للمجتمع والفرد ولا يمكن تكرار أثرها الاجتماعي وتأثيرها في صياغة الذوق على المدى البعيد صعوداً وهبوطاً. فتحت شعار الترفيه انتشرت موجة من أغاني الفيديو كليب يحار المشاهد ماذا يسميها تراثية ـ شعبية ـ نوعا من السيرك؟!. أتخيل نفسي اترجم إحدى هذه الأغنيات لمواطن أجنبي فماذا عليّ أن أقل.

الارتجالية.

لم تترافق فكرة انشاء بعض الفضائيات مع أهداف واضحة متبلورة لذهن منشئيها وإداراتها. حتى البرامج الجيدة التي حققت انتشاراً جماهيرياً واسعاً كسوبر ستار والمستقبل الذي يسعى لصناعة النجوم التي لا تشع حتى تخمد دون أثر يذكر. نجد أن براءة الاختراع ليست عربية وإنما مستوحاة من برامج أجنبية. فيما يخص البرامج البرامج الاجتماعية تبدو متقاربة ومستهلكة سطحية لا تلعب دوراً تغييرياً في الواقع بل إن عدد كبيراً من تلك الفضائيات ذات الطابع الديني يقف موقفاً واضحاً من فكرة التغيير والانفتاح, تحديداً على القيم الغربية, بهذا المعنى فإن تلك الفضائيات تقدم بعض الاقتراحات عن السائد لكنها لا تتناقض معه.

إعادة صياغة:

ثمة ضرورة ملحة لإعادة صياغة العلاقة بين الشعوب، سواء الخاصة منها أو الحكومية. لتكون علاقة مجدية ومفيدة عبر العمل الجاد باتجاه تبني إستراتيجية ثقافية ضمن مشروع يستند إلى بنى اقتصادية اجتماعية تناهض البنى السائدة القائمة على الاستهلاك والتقليد، والبعيدة عن روح الإبداع. ونشر العقلانية إطاراً فكريا وأسلوبا في العمل من خلال إيجاد الكادر المثقف الحر وإلا سنبقى نعطي وهم الثمرة لا الثمرة.