العدد السابع والثلاثون - كانون الاول

غسّان شربل يكشف أسرار الصّندوق الأسود

النّقّاش وحبش وكارولوس وحداد: شخصيّات بلا أقنعة "إرهابيّة"
الخميس 11 كانون الأول (ديسمبر) 2008.
 

"وديع حدّاد"، "أنيس النّقّاش"، "كارلوس"، و"جورج حبش" شخصيّات مثيرة للجدل. وضع إلى جانب مسيرتها السيّاسيّة واللّوجستيّة العديد من علامات الاستفهام. فهناك من وصفهم ب "الإرهابيّين". وآخرون اعتبروهم "مناضلين". والبعض التبس عليه الأمر! رغم انخراطهم "التّامّ" في المقاومة الفلسطينيّة ولو على طريقتهم الخاصّة.

 

هنا يفتح غسان شربل رئيس تحرير جريدة "الحياة" صندوق أسرار تلك الشّخصيّات. ينبش فيه عن حقائق ضائعة أو مطمورة بفعل الزّمن أو قرار سياسيّ "أمني"، فيعثر في الصّندوق الذي وصفه بالأسود على ما لم يكن يتوقعه!

ولعل ما يجعل من هذا الكتاب صندوقاً أسود بالفعل هو ما ينطوي عليه من حقائق ذاتيّة عن حياة هؤلاء المتمرّدين، الذين طمحوا إلى العدالة في هذا العالم. ومع ذلك لم يكن سهلاً الإقتراب من هذه الحقائق التي جمعها الكاتب من مصادر عدّة، فالتقى شربل كما يقول في كتابه: "بالرّجل الذي كان إلى جانب سرير وديع حدّاد لدى وفاته. وسألته إن كان مات مسموماً". "والتقيت الرّجل الذي تولّى القيادة بعده، والرّجل الذي شارك في خطف جورج حبش من سجنه في سوريا، والرّجل الذي تسلّم من ألماني غربي هبط في مطار بيروت حقيبة تحوي خمسة ملايين دولار مقابل الإفراج عن طائرة (لوفتهانزا). كما التقيت من شارك في عمليّة (مطار الثّورة) في الأردن وعملية (عنتيبي)، ومن شارك في التّخطيط لعمليّة (اللّد)." والتقيت الرّجل الذي أشرف على تدريب كارلوس في (معسكر جعار) في اليمن الجنوبي. وحكى هؤلاء عن علاقة (المجال الخارجي) بالعراق وليبيا والجزائر".

ولقد نجح غسان شربل في اختبار الحياديّة عند تقديم مادة كتابه التي صنّفها ب "الصّحفيّة". فقدّمت نفسها بدون أن يقحم رأيه فيها. فبدت جذّابة ومغرية وكأنّها نصّ دراميّ محبوك مشوّق، خصوصاً أنّ شربل رفض أن يفرغ مادّته من محتواها الإنسانيّ وظروفها المعقّدة التي يتعذّر تقويمها بالمقاييس السّياسيّة التي غالباً ما تخفي أجزاء حيويّة من الحقيقة!

 

الإنطلاق

كانت بداية عمل شربل على كتابه مع شخصيّة "كارلوس". ولكن اتّصل به مجهول قائلا: "أنت تنشغل بكارلوس وتنسى من جعله نجماً. القصّة الفعليّة موجودة لدى رفاق وديع حداد". فكلّفت هذه النّصيحة شربل ساعات من العمل والبحث المضني التي ولد من بعدها كتابه الذي قد يعتبره القارىء للوهلة الأولى كتاباً عن وديع حدّاد الشّخصيّة الأبرز في "الجبهة الشّعبيّة لتحرير فلسطين" المنبثقة عن "حركة القوميّين العرب" أمّا باقي الشّخصيّات فتدور في فلكه.

 

رفاق وديع حدّاد

"أصدقاء قساة خطفوا طائرات. احتجزوا رهائن. زرعوا عبوات. زوّروا باسبورات، وتحايلوا على المطارات. اختاروا أسماء مستعارة، وعاشوا في ظلّها. تمرّدوا على الظّلم، وطاردوا العدوّ في كلّ مكان، وعادوا من الرّحلة. هذا أصيب في روحه وقهرته الأيّام. وذاك أصيب في جسده ويعيش مع الأدوية والذّكريات. وثالث دفن على بعد أميال من التّراب الذي كان يناديه". كما يقول شربل في كتابه. فهؤلاء الرّفاق وعلى رأسهم وديع حدّاد كانوا يسعون من خلال عملهم إلى توسيع دائرة المعركة مع إسرائيل إلى كل مكان. وهكذا أقر مبدأ خطف الطّائرات.

 

وديع حداد

هو الشّخصيّة "الجدليّة" الأهمّ في صندوق شربل الأسود، فحاول الإجابة عن أسئلة غامضة بقيت بلا أجوبة بعد 23 عاما على وفاته. أهمّها: هل مات مسموماً ؟ لماذا سلك طريق العمل السّريّ؟ لماذا خطف الطّائرات؟ وكيف كان يعيش؟

ولكن شاءت الأقدار أن يغيب وديع حدّاد مصطحباً معه أسراره. وانطلاقاً من حقّ "جيل الإنتفاضة" كما سماه شربل أن يعرف تجربة حدّاد بدلاً من أن تشوّهها الكتب الإسرائيليّة قرر البحث في ذاكرة من عرفوه عن قرب.

 

 

كارلوس

هو الشّاب الفنزويلي الذي انضم إلى "الجبهة الشّعبيّة" دعماً لحركات التّحرّر في العالم وإيماناً بالقضيّة الفلسطينيّة. هو من اقتحم مؤتمرأوبك واحتجز وزراء ورهائن ونقلهم في طائرة وضعت في تصرفه. فاعتبر أشهر المطلوبين في العالم. فسعت دول لاسترضائه منعا لتنفيذ هجمات على أراضيها. وسعت دول أخرى إلى استمالته لتوظيفه أو التّنصّت على حركاته. وفي عام 1994 أصبح أشهر سجين في العالم بعد أن قبضت عليه أجهزة الأمن الفرنسيّة في الخرطوم.

 

أنيس النّقاش

هو شاب لبناني تشرّب في منزله القضايا الوطنيّة القوميّة. وانتسب إلى التّنظيم الطّالبي لحركة فتح ، ثم خضع لتدريب عسكريّ ليعمل مع مجموعة وديع حدّاد. وشارك في عملية "فينّا". ودفعته علاقته المتينة بالثّورة الإيرانية إلى حد ترؤس الفريق الذي حاول اغتيال رئيس الوزراء الإيراني السّابق شهبور بختيار في باريس عام 1980 لكن تمّ توقيفه. وحكم عليه بالسّجن المؤبّد. إلّا أنّ الرّئيس الفرنسي السّابق فرنسوا ميتران أصدر قرارا بالعفو عنه وأطلق سراحه عام 1990 وعاد إلى طهران.

 

جورج حبش

قدّم غسان شربل د. جورج حبش الأمين العام ل "الجبهة الشّعبيّة لتحرير فلسطين" بصيغة مختلفة عن باقي شخصيّات الكتاب. فجاءت سيرته الذّاتيّة في صيغة أجوبة يرويها حبش بنفسه، حيث تحدّث عن بدايات نواة حركة القوميّين العرب، وكيف اقتحم عالم السّياسة ومعترك النّضال، والمحطّات الأهمّ في مسار الحركة والثّورة الفلسطينيّة في عمان وبيروت.

 

على كل حال تخلع شخصيّات "الصّندوق الأسود" أقنعة لم تصنعه.ا فأثبتت أنّها من لحم ودم رغم أنّها انقلبت على الأمر الواقع واستخدمت العنف في فترة طغت فيها الإيديولوجيّات لإيصال رسالة مرعبة إلى العالم!

أسماء وهبة