العدد السابع والثلاثون - كانون الاول

لغز الحادث القاتل الذي أذهب بزعيم اليمين "هايدر"

هل قصّ سكّين "الموساد" رأس اليمين النّمساوي؟
الجمعة 12 كانون الأول (ديسمبر) 2008.
 

فجر يوم 11 أكتوبر 2008  وقع حادث سير مروّع  في النّمسا في قرية كوتمانسدورف بالقرب من كلاينفورت عاصمة اقليم كارينثيا، ذهب ضحيّته رئيس حزب "الاتّحاد من أجل النّمسا" النّمساوي يورغ هايدر.

 تقرير الشرطة الرّسمي يقول بأن سيّارة فولكسفاغن نوع فيتون كان يقودها هايدر قد خرجت من الطّريق وتدحرجت من الجسر وانقلبت، مسبّبة جروحاً بالرّأس والصّدر. هايدر كان خارجاً من نادٍ ليلي وفي طريقه إلى تجمّع الأسرة للإحتفال بعيد ميلاد والدته ال90، وكان لوحده بالسّيارة الحكوميّة ولم تكن هناك سيّارة أخرى تعترضه، وقد كانت السّرعة التي يقود بها هايدر سيّارته هي 142 كم بالسّاعة ( 88 ميلا بالساعة) ما يعني أكثر من ضعف السّرعة القانونيّة وهي 70 كم بالساعة (43 ميلا بالساعة) ، التّحقيقات الأوليّة تقول بعدم وجود أي بوادر مؤامرة. فتلك النّظريّات حول وفاة هايدر قد رفضت لاحقا وبشدة من قبل الشرطة النمساوية.

لكن هل كان في التّاريخ مؤامرة اعترفت بها الجهات الرّسميّة؟ لا سيّما اذا كان المشتبه به الموساد الإسرائيلي في بلد يحمل عقدة ذنب تاريخيّة تجاه اليهود كالنّمسا التي كانت تحت الحكم النّازي أيام هتلر؟

يورغ هايدر سياسي نمساوي عريق ولد في 26 يناير 1950 في مدينة كلاينفورت النّمساوية، وهو حاكم اقليم كارينثيا ورئيس "حزب الاتّحاد من أجل مستقبل النّمسا". وقد انتسب هايدر إلى حزب الحرّيّة اليميني في العام 1977 ليصل إلى رئاسته، ولينتخب في سن ال29 عضوا في البرلمان النّمساوي، قبل أن يتنحى عن زعامة الحزب في العام 2000 نتيجة الضّغوط الدّوليّة الهائلة، ثم يطرد منه على يد زعيمه هيلمر كاباس ليؤسّس حزبه الجديد في ابريل من العام 2005 أي حزب "الاتّحاد من أجل مستقبل النّمسا".

يعود الكره والحقد الإسرائيليان على هايدر، إلى الفكر اليميني المتشدّد الذي حمله والذي دعا الى إيقاف الهجرة إلى النّمسا وعدم قبول المهاجرين إليها، وعدم الاعتراف بوجود محرقة لليهود الأوروبيّين في الحرب العالميّة الثّانية والتّأكيد على أنّ الحركة الصّهيونيّة ضلّلت العالم هي وإسرائيل في موضوع المحرقة. كما كان هايدر يفضّل أيضاً عدم مشاركة النّمسا في الاتّحاد الأوروبيّ ويدعو إلى سياسة متشدّدة تجاه العمل والتّشغيل في النّمسا ويطرح مواقف يمينيّة اجتماعيّة واقتصاديّة في بلاده.

هذا الفكر اليميني معطوفاّ على لقائه بالرّئيس العراقي الرّاحل صدّام حسين في العام 2002 والذي قال هايدر عنه أنّه كان موقفاً إنسانيّا محضا دعا فيه إلى رفع الحظر المفروض على العراق وتفعيل دوره إقليميّا ودوليّا، بالإضافة إلى ارتباطه بعلاقات بالرّئيس اللّيبي معمر القذّافي وابنه سيف الإسلام الذي حضر الجنازة، ضاعف الغضب الأميركي والاسرائيلي عليه، وجعل أعين الموساد مفتوحة عليه على وسعها.

وتعود أولى شرارات الكراهية اليهوديّة لهايدر إلى العام 1991، حين أجبر على الاستقالة من منصبه كحاكم لإقليم كارنيثيا بعد أن أدلى بتصريحات امتدح فيها السّياسات النّازية الألمانيّة، قبل أن يعاد انتخابه عام 1999 كحاكم للإقليم.

ثم كان أن حصد حزب هايدر 27% من أصوات النّاخبين في انتخابات تشرين الأول 1999 ، ثم شارك في العام 2000 على اثر نيله نسبة عالية من الأصوات، في تشكيل حكومة ائتلافية فجنّ جنون إسرائيل أولاً والحركة الصهيونيّة العالميّة ثانياً والولايات المتّحدة ثالثاً، ودعت تل أبيب الشّعب النّمساوي الى "أن ينظّف نفسه من هذه اللوثة". كما هدّدت الدّول الأوروبيّة بمقاطعة النّمسا، وتجميد عضويّتها في الاتّحاد الأوروبي، ما أثار خلافات داخليّة حادّة في حزب الحريّة، فآثر هايدر مصلحة حزبه، وقدّم استقالته، ثم شكل حزب "الاتّحاد من أجل مستقبل النّمسا".

وفي الانتخابات العامة التي أجريت في أيلول 2008 حصد حزب "اتّحاد مستقبل النّمسا" بزعامة هايدر، 11% من مقاعد البرلمان، بينما فاز حزب "الحرّية" بـ 17.5%.

وبذلك أصبح بمقدور الحزبين اللذين يحملان أفكاراّ يمينيّة مشتركة تشكيل حكومة ائتلافيّة جديدة، فجنّ جنون الحركة الصّهيونيّة واسرائيل وواشنطن من جديد، وهدّدت تل أبيب بسحب سفيرها من فيينا (قبل أسبوع من مقتل هايدر)، ووصفته ب"النّازي المعادي لإسرائيل وللحركة الصّهيونيّة". وبذلك، من غير المستبعد أبداً أن تكون الأيادي اليهوديّة قد امتدت لتتخلّص من هايدر قبل أن يصل إلى كرسي رئاسة الوزراء التي صرّح أنّه يتطلّع إليها قبل مقتله، ويرسم سياسة نمساويّة جديدة في أوروبا ويشجع الأحزاب الأخرى التي تحمل شعارات أو أفكاراً مشابهة على تصعيد وزيادة نشاطاتها للفوز بالمزيد من المقاعد البرلمانيّة والوصول إلى الحكم.

ولم تخف إسرائيل شعورها حيال هايدر، فقد نشرت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيليّة في 29 أيلول بعد فوز حزب هايدر بالانتخابات، بياناً رسميّا أصدرته وزارة الخارجيّة الإسرائيليّة عبّرت فيه عن قلقها الشّديد من نهوض قوّة زعماء نمساويّين يحملون أفكاراً تنفي وجود "المحرقة" وتدعو إلى أفكار نازيّة تستهدف اليهود. كما ذكر النّاطق باسم الخارجيّة الإسرائيليّة أن "فوز هايدر بهذه النّسبة عن طريق حزب جديد يشكل تطوّراً مزعجاً و أنّ الخارجيّة الإسرائيليّة تتابع هذا التّطوّر عن كثب وباهتمام".

حزب مخترق من الموساد

لم يكن حزب هايدر حزبا صافيا ونقيا تماما، ما يعزّز الشّكوك حول بصمات للموساد في مقتله. فقد كشف الامين العامّ السّابق لحزب الحرّيّة بيتر زخروفكي الذي شغل أيضاً منصب نائب هايدر في أثناء تولّيه رئاسة الحزب، وتولى منصباً وزاريّاً في الحكومة الائتلافية النّمساويّة، أنّه كان عميلاً للموساد الإسرائيلي خلال فترة تولّي يورغ هايدر. وقد تبيّن لاحقاً بعد استقالة الحكومة أنّه يهوديّ يحمل الجنسيّة الإسرائيليّة إضافة إلى النّمساويّة.


كما أقرّ هايدر في أكثر من مناسبة أنّه خدع بذلك الوزير وأنه يريد نسيان الأمر.

وقال زخروفكي في لقاء منحه لصحيفة "بروفيل" النّمساويّة، أنّه تعاون مع الموساد "لمساعدة إسرائيل خلال الفترة التي أجرى فيها هايدر اتّصالات ومحادثات مع الرّئيس العراقي السّابق، صدّام حسين وقادة عرب في الشّرق الأوسط".

كما كشف زخروفكي أنّ اسرائيل أرادت استخدام هايدر "كجسر إلى الدّول العربيّة"، مضيفاً: "لست جيمس بوند ولم افعل أي امر سيء، لقد تعاونت مع الموساد حتى استقالتي".

وبعد مقتل هايدر، قام النّاطق باسمه ستيفان بيتزنر ليصرّح بأنّ "مستوى كميّة الكحول الموجودة بدم هايدر أعلى من الحدود المسموح بها لحظة حصول الحادث".

فما المانع أن يكون بيتزنر يسير على خطى زخروفكي في العمالة للموساد، وقد أطلق تصريحاته في اطار ابعاد الشبهات التي دارت حول الموساد اثر الحادث؟

وما المانع أن يكون ما نشرته مواقع اخباريّة في النّمسا والمانيا وروسيا عن وقوف الموساد الصّهيوني خلف "عملية الاغتيال" صحيحاً؟ وما العائق الذي قد يعيق موساداً خبيراً ومتمكّناً ومحترفاً، عن استبدال سيارة هايدر بأخرى شبيهة لها يتم التحكم بها وتحريكها خارج سيطرة الزعيم اليميني؟