العدد السابع والثلاثون - كانون الاول

الرقص بين تحليق الروح الإنسانية وتحرر الجسد الفني

الجمعة 12 كانون الأول (ديسمبر) 2008.
 

 

لماذا نرقص؟ ولماذا نستمتع بمراقبة ذاك الرقص المتفجر طاقة وتعبيرا وفكرا على كافة أشكاله من الباليه والسالسا والرقص المعاصر والتعبير وغيره. فهل الرقص هو مجرد حركة جسد ترتقي وصولا إلى حرية ذلك الجسد أم إنه يبقى ضمن إطار التشكيلات الحركية والجمالية فقط؟

 

يعتمد الرقص التعبيري على فن "الكريوغرافيا" والذي هو حسب المعجم المسرحي فن تصميم الرقصات. وتطلق تسمية "كريوغرافر" على مصمم الرقصات والمسؤول عن التنظيم العام للحركة في العرض، أو إنه بدقة علم الخطوة وصولا إلى معرفة كيفية تصميم الحركة والخطوة الراقصة.

وكما هو سائد فإن الرقص التعبيري ينقسم إلى فرعين أساسين: كلاسيكي ومعاصر. إلا أن مدارس الرقص هي أكثر من هذا التصنيف مثل الجاز والكلاسيك والباليه مودرن والمعاصر. كما أن لكل مدرسة تكنيك معين، أما الرقص المعاصر فيتمتع الجسد خلاله بحرية أكثر للجسد.

,وفي القرن العشرين أخذت "الكوريوغرافيا" بعدا جديدا مع الباليه الروسي الذي جعل من تصميم الرقصات جزءا من تصميم اللوحة العامة للعرض، وعنصرا من العناصر التي تؤدي إلى تحقيق لوحة مشهدية متكاملة، خاصة وأن الباليه الروسي خلص الباليه من شكله الكلاسيكي المتقون بحركات نمطية، وحوله إلى وسيلة تعبيرية أكثر حرية. أي أًصبح لدى الرقص معنا جديدا بعيدا عن تكنيك الرقصة.

 

تعريف الرقص

أما الرقص فهو كما تقول مصممة الرقص ناي معوض "إبهار الجسد وليس حس الجسد فقط. وهو وسيلة ربط الجسد بالروح والتعبير عن المشاعر النابعة منها باستخدام لغة الجسد. فالرقص هو تحريك أعضاء الجسد بأسلوب متناغم مع الموسيقى يأتي من أعماق الروح لنوحي إلى ما نريد".

 

سيرورة تاريخية

وتؤكد الرسومات القديمة أن الرقص كان من ضروب العبادة مارسته الأمم القديمة كوسيلة للتقرب من الآلهة. ففي الهند كانت بعض الفتيات العذارى يرقصن تبجيلا للآلهة. كما أن العرب قبل الإسلام كانوا يرقصون عند تقديم القرابين والنذر إلى الآلهة هبل وعز واللات. كما كان سكان أفريقيا يرقصون من أجل سقوط المطر أو طلب المساعدة من خطر يحدق بهم. وكان الهنود الحمر يقومون برقصة "بقرة الوحش" التي يؤديها مجاميع كبيرة من الرجال والأطفال والنساء حيث يلبسون أقنعة مصنوعة من الجمامجم لإخافة الأرواح الشريرة الحاملة للمرض لطردها، والتي تدل على حب البقاء والتمسك بالحياة.

كما ظهر الرقص عند بعض الشعوب كوسيلة للتعبير عن الطبقات المضطهدة. وهذا ما يرويه لنا تاريخ رقصة "الفلامنكو"، حيث سن الملك فرناند وزوجته الملكة إيزابيل قانونا يقضي على أن كل سكان أسبانيا يجب أن يكونوا من المسيحيين الكاثوليك. وبالتالي يجب على المسيحيين غير الكاثوليك واليهود والمسلمين التحول إلى المذهب الكاثوليكي وإلا كان عقابهم الرمي بالرصاص. لذلك هرب المضطهدون إلى غرناطة التي كانت تحت سيطرة المسلمين وظهر غناء ورقص "الفلامنكو" الحزين الذي يعتمد على الإيقاع وسرعة ضربات الأرجل المعبرة عن الغضب والإستياء.

من هنا فإن الرقص كثيرا ما كان يعبر عن حضارات الشعوب، وهو وسيلة للتعرف إلى تراثها وفنها في حين أن العالم العربي حسب معوض لا يقدر الرقص، على الرغم من أن التعبير بالجسد يمثل رؤية إنسانية لحالات الحزن والفرح. وهو الجانب الآخر من الحياة الذي لا نعيشه. ويمثل ثقافة جسدية بامتياز. وتتابع قائلة: "فمن خلال الرقص أستطيع استعمال ثقافتي والتعبير عنها عبر جسدي بشغف وإحساس عاطفي كبير. لذلك فالرقص لغة عالمية تجمع الشعوب دون حاجة إلى ترجمان. وأجمل شعور لدي عندما أقف على المسرح وأبدأ بعزف أنشودة جسدي من خلال الرقص الشيء الذي يساعدني على اكتشاف جسدي ومفرداته".

 

جهل معرفي

وتؤكد معوض أن أحد المشاكل التي نواجهها في عالمنا العربي اليوم هي نقص معرفتنا بثقافة الجسد والتي يعتبر الرقص أحد أركانها، "مما لا يجعلنا قادرين على تطويعه ليكون لسان حالنا ومعبرا عنا حين تعجز الكلمات عن ذلك". و تجزم معوض بأن الراقص من خلال جسده هو حامل رسالة إنسانية والدليل المهرجانات العالمية الراقصة التي تنظم تحت شعارات مثل "لا للعنصرية" أو "لا للإيدز" وغيرها من شعارات التوعية لأن الرقص كما تقول "صاحب جمهور عالمي عريض، وهو البطل الأول في حياتنا"!