العدد السابع والثلاثون - كانون الاول

الى راحلة ما بعد الغمام

الجمعة 12 كانون الأول (ديسمبر) 2008.
 

صحَّ الصَّحيح وانقطع الرَّجاء ياعمَّتي!

القلم سقط، والكلمات تبعثرت، وافتقد اهل التَّربية إنسانةً كبيرة في مجال التَّعليم .

أمَّا الأبناء والأهل والأصدقاء، فقد شعروا بالفراغ الذي تركه غيابك الكبير.

ولكن، هي مشيئة العليّ الذي، نفخ فنضح الإناءُ بالزِّيت، وهي كذلك، مشيئته فنفد الزَّيت وعاد التُّراب إلى الأرض، والرُّوحُ صافيةً نقيَّة طاهرةً إلى جوار باريها.

فأنت الآن في نعيمك من خلود الأرواح البريئة العائدة إلى العلاء، النَّاعمةِ بجميل البقاء بعد غربة الشّقاء، الأرواح التي تصفَّت وتخلَّصت من رجس التّراب وأدران الحياة بين الآدميين.

ونحن في فرقة مع الدّنيا. لا نقوى على التخلّص منها لأنّنا بشر. ولأنّه مكتوب علينا في أجسامنا الألمُ والمرضُ والانكماشُ والرّجفةُ الدّائمة التي لا تنقضي أِلاَّ في عتمة القبور.

أنت قويَّةٌ لا يطولُك في الأخرى شيء من حمق الفانية وغرور أبنائها في كبريائهم وبغضائهم ونتانة لذَّاتهم.

ونحن دونك أيَّتها الغالية يا مَن غِبتِ عنَّا، همّنا مزدوِجٌ ثقيل. ليس ما يزحزحه عن كواهلنا أو ما يخفّف عن أعماقنا ويُلاشيه. إنّه هَمّ المرارة من فرقتك، وهمّ الوجود ومفاجآته ومراميه من نَأْينا عنك.

أشهر قليلة أيَّتها الغالية تقضّت على غيابك عن أنظارنا وكأنها يوم أمس الذي عبر. فلا الخيال توقّف عن تمثّلك في مختلف الوقفات والحالات، ولا العاطفة استرخت عن توجّع وتحرّق والتياع لأنكِ لستِ بيننا أيَّتها الحبيبة!

أَلا، فاسألي من عليائك لنا كلِّنا، اسألي في ذكراك أن نتعزّى عن نواك. اسألي لنا الخالق الذي تنعم روحُك الطيِّبة برؤيته ورحاب جنانه، أن ندركَ، بكِ، وبغيابكِ، حقيقة الخلود التي لا يرقى إليها شكّ في الرّوح هذه مع العليّين، فنؤمنَ بالمبدع الذي خلق ولا نسترسلَ مع الألم لأنه مظهرُ كفْرٍ بالله، بل أن نثق ثقةَ المؤمن، بأنَّ الموت نهايةُ مطاف مع تعب الوجود وعذابه. إنَّه خلاص النّفس الخالدة من أَسْر المادّة وحدود الفناء.

فكن لنا يا رب مُعينًا لنغلبَ ضعفنا من غياب هذا الملاك الذي نبكيه عن دنيانا.

بتول مرعي