العدد السابع والثلاثون - كانون الاول

أزقّتنا في كلّ مكان

الجمعة 12 كانون الأول (ديسمبر) 2008.
 

القانون دولي، المحاكمات، الملاحقات القانونيّة، العدل، التّاريخ، المجازر...مصطلحات يشعر حين يسمعها كلّ لبنانيّ بأنّه على "أرض آمنة"!

بمعنى آخر، هذه "مصطلحاتنا".

وحين تأتي جمعيّة أمم للتّوثيق والأبحاث بورشة عمل وندوة تحت عنوان"حرب بلا جرائم؟ في الملاحقة القانونيّة"، نستبشر خيراً، لأنّنا وفي مكان ما، نبغى "شوي أكتر" من ن نستمع، ونطلب "شوي أكتر" من التّصرّف.

ولكن ومجدّداً، اللّبنانيّون الذين حضروا النّدوة، وشاهدوا مقتطفات من فيلمين يوثّقان تجربتين في تدبّر الماضي من خلال الملاحقة القانونية، قاموا بأفضل ما يجيدون القيام به: الدّخول في الأزقّة، وتسييس الحوار، فالقضيّة المطروحة التي لا نبالغ إن قلنا بأنّنا ما زلنا "صغار جدا" على استيعابها

 

ريتا باروتا 

 

"القاضي والجنرال"  فيلم يعرض بعض وقائع محاكمة أوغستو بينوشيه؛ "صدّام حسين: قصّة محاكمة معلنة"، وعرض لعدد من العناصر القضائيّة والسّياسيّة التي أحاطت بمحاكمة صدّام؛

فيشعر الحضور بغبطة

لعلّ التّاريخ لا ينسى. ولعلّ العدل من الممكن تحقيقه. ولعلّ القوانين الدّوليّة وضعت "فعلا" لتحقيق العدالة.

 

"قوس التّاريخ طويل لكنّه ينحني نحو العدالة"، قالها في كلمته الخبير الدّوليّ دايفيد تولبرت.

هذا القول المأثور لمارتن لوثر كينغ ساعده على التّشديد على أنّ جميع "الإنجازات" التي تحقّقت في محاكمة الطّغاة كانت "من فعل المحاكم الدّوليّة، التي شهد دورها تطوّراً كبيراً خلال العقد الأخير، حيث تمكنّا من وضع حدّ للإفلات من الجرائم". 

 

وتلا عرض المقتطفين، حواراً.

تصحيح: نحن لا نعترف بهذا المصطلح. فهو خارج نطاق تغطية "عقولنا".

لذلك، طرحت الأسئلة ليجيب عليها كلّ من عضو مجلس نقابة المحامين في بيروت ماجد فياض، الخبير الدّوليّ دايفيد تولبرت و ماريكه فردي، من مركز الدّوليّ للعدالة الانتقالية

 

تصحيح آخر: لم تطرح الأسئلة.

بل تتالت "التّصريحات". وكلّ يغني على ليلاه، وكلّ يطرح وجهة نظره.

"من حاكم صدّام حسين؟ وهل يُعترف بهذه المحكمة أساساً ؟ ومن سيحاكم من يقومون بتقطيع العراق إرباً، كلّ يوم؟"

 

وهنالك طبعا الموقف "الشّيعيّ" :"كان يجب تقطيع صدام حسين إرباً إرباً.

لم يكد ذاك الشّيخ الذي دُعي بغية تحقيق "التّعايش المشترك اللّبنانيّ العتيد"- أعني تواجد كلّ شرائح "طوائف وأحزاب لبنان- ينقل موضوع النّقاش
-  
الكبير "شوي" على اللّبنانيين"- إلى خندقه السّياسيّ، حتّى غادر الفريق الذي يمثّل قوى 14 آذار، وهو "ينقّط سمّاً". 

 

طيّب، أدخلتم لبنان في دائرة النّقاش (اعذروا التّعبير مرّة أخرى. ولكنّني احترم جوهر ما أراده القيّمون على النّدوة!)، أقلّه اطرحوا أسئلة لها علاقة بالقانون الدّولي، وبالمحاكم الدّوليّة التي أخذت على عاتقها ملفّ الرّاحل رفيق الحريري.

أقلّه اسألوا: ما هو عمل مركز العدالة الانتقاليّة، التي تفتح مكاتبها في بلدان عاشت نكبات متتالية

 

ولكن، أعوذ بالله من شيطان الأسئلة الحقّة.

وأعوذ بالله من النّقاش "المتحضّر".

وأعوذ بالله من إمكانيّة أن يلتقي لبنانيّان في مكان واحد، من دون أن تشتعل الغرائز (يا ليتها جنسيّة! فهي صحيّة أكثر!)

 

كلمة أخيرة: كنت هناك.

وأردت أن أعلّق وأن أصرخ بدوري: متى ستعون بأن لا محاكم دوليّة ولا مراكز عدالة إنتقاليّة، ولا حتى عدل يمكنه أن يرفق بحالنا؟

متى ستعون بأنّنا أصغر من أن نطرح مسائل تتخطّى "منخارنا"؟

ومتى ستعون بأنّنا لن نرتقي إن لم نتناول عقاقير تحضّر، تخلّصنا من الوحل "الجردوني" اللّون الذي يزيّن أزقّتنا؟ 

 

جيّد ما تقوم به جمعيّة أمم. وجيّد أن نحاول المحافظة أوّلا على التّاريخ. وجيّد أن نحاول طرح مواضيع تتخطّى استيعاب اللّبنانيّ.

ولكن، يا حضرات، ما نحنا صغار كتير ولووو!!!!