العدد الثامن والثلاثون - كانون الثاني

الاتفاقية الأمنية... حلقة ضمن السيناريو الأميركي

الاربعاء 14 كانون الثاني (يناير) 2009.
 

منذ نهاية ثمانينات القرن الماضي بدأ السيناريو الأميركي للسيطرة على العالم وجعل القرن الحالي أميركياً بامتياز، منذ انهيار المعسكر الاشتراكي، ثم الحرب على العراق في العام 1991 وفرض الحصار الاقتصادي لمدة ثلاثة عشر عاماً عليه وما تركه من آثار مأساوية وكارثية على الشعب العراقي وتأخير عجلة تطوره وتقدمه، ثم صدور ما يسمى (قانون تحرير العراق) الذي شرعته إدارة كلينتون الديمقراطية في العام 1998. وعندما تسلم الجمهوريين إدارة البيت الأبيض بدأت سلسلة الأكاذيب والحجج الواهية والباطلة عن امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل وتهديده للأمن والسلم العالمي وعلاقته مع تنظيم القاعدة، ثم حلقة الغزو العسكري التي جاءت مخالفة ومتحدية للشرعية الدولية والقانون الدولي ومنافية لكل القيم الإنسانية. فتم احتلال العراق وحل كل مؤسسات الدولة وتدمير البنى التحتية، تلته إنشاء عملية سياسية قائمة على أساس المحاصصة الطائفية والعرقية لتقسيم البلد وتحويله إلى كانتونات متناحرة للسيطرة عليه وإشعال الفتنة الطائفية بين مكونات المجتمع وتنصيب ما يسمى بال(حكومة توافقية) محسومة الولاء للمحتل من الذين جاؤوا معه على ظهور الدبابات، عبر عملية يطلق عليها "انتخابية" وفق أجندة المحتل، وتمرير دستور بائس ومرفوض من كل أطياف الشعب العراقي، وصولاً إلى الحلقة التي حسمت نهاية تشرين الثاني المسماة بال(الاتفاقية الأمنية) في مسرح البرلمان بعد مباحثات ومداولات استمرت لعدة أشهر.

لقد أثير موضوع الاتفاقية قبل ستة أشهر وكانت تحت مسمى (المعاهدة) حيث لاقت في حينها رفضاً شعبياً واسعاً لما تحمله من بنود مجحفة بحق العراق والعراقيين، وتكريس للاحتلال، حتى لم تتبق أي حجة لدى حكومة المنطقة الخضراء تقنع فيها الشعب لتمرر "المعاهدة" . عندها، عمدت إدارة البيت الأبيض إلى إجراء تغييرات وتعديلات لفظية في بنودها لتبدو كأنها مغايرة عن تلك المعاهدة، واستبدلت تسميتها بـ(اتفاقية سحب القوات الأميركية من العراق) لتحظ بقبول لدى الرأي العام. وركزت في دعايتها على ما يسمى ب"جدولة انسحاب القوات الأميركية وحماية العراق من الاعتداءات الخارجية"، فيما حقيقتها وجوهرها ومراميها التي تخدم إستراتيجية السياسة الأميركية بقيت على ما ورد في المعاهدة مثل بقاء جزء من القوات العسكرية حسب متطلبات الظروف الأمنية وصلاحيتها وقواعدها العسكرية والقوانين التي ستخضع لها. ومما يثير الشك في هذه الاتفاقية هو حق الأميركيين في بناء السجون والمعتقلات حفاظاً على الأمن، واعتقال من يهدد الأمن والسلم دون الحاجة لموافقة الحكومة العراقية. كما تتضمن الاتفاقية - وبطلب من الحكومة العراقية - محاربة الإرهاب وفلول النظام السابق، مما يعني أن حالة الحرب ستكون مستمرة ودائمة، الأمر الذي يتطلب تواجد القوات الأميركية.

ان طريقة السلق التي تم فيها التصويت على الاتفاقية دون أن يكون هناك مجالاً للتوضيح أو الاستفسار وعرضها على الرأي العام، وما سبقها من عقد صفقات بين أطراف الحكومة وإدخال وثيقة (الإصلاح السياسي)، كفيلة بأن تجعل هذه الاتفاقية مثار شك وريبة لدى المتابعين والمراقبين. ومن جانب آخرـ فإن امتناع إدارة بوش عن عرض الاتفاقية على مجلس النواب الأميركي (حسب صحيفة انترناشيونال هيرالد تربيون) بنسختها الانكليزية، والاكتفاء بترجمة الاتفاقية التي نشرتها جريدة الصباح الناطقة باسم الحكومة العراقية، هو أمر يثير الشك في أن يكون هناك شكل آخر للاتفاقية وبنود لم يعلن عنها. ومما يجدر ذكره أن قائد القوات الأميركية في العراق يقول أن اسم الاتفاقية هو (ترتيب وضع القوات الأميركية في العراق) وأن تكاليف الحماية سوف تدفع من العراق على شكل منافع أي استخدام القواعد والمعسكرات والأجواء، أو بعقود نفطية مفضلة.

ان الأمر المثير للسخرية في ظل هذه العاصفة التي أحدثتها الإدارة الأميركية وصنيعتها الحكومة العراقية، هو أن الرئيس المقبل (باراك أوباما) قد حدد نهاية العام 2011 جدولاً زمنياً لانسحاب القوات من العراق؛ فلماذا إذن توقيع اتفاقية؟ وهل تحتاج عملية الانسحاب إلى اتفاقيات، أم أن في الموضوع أمر آخر؟

ان الاتفاقية لم ولن تخدم العراق كبلد مستقل ذي سيادة وطنية، ولن تلبي طموحات شعبه في الحرية، بل جاءت وفق أجندة الولايات المتحدة الأميركية ولحماية حكومة المنطقة الخضراء. وبعدها، ستشهد الساحة العراقية مخاض حلقة أخرى مكملة لسابقتها هي (قانون النفط والغاز) ضمن السيناريو الأميركي الذي سعت إدارة بوش عبر الحكومة العراقية إلى تمريره قبل أشهر عدة، وارتطم برفض واسع بإطار جديد بغية الاستيلاء على ثاني أكبر احتياط للنفط العالمي.

 

 

عبد الرحمن هزّاع

كاتب وصحافي عراقي