العدد الثامن والثلاثون - كانون الثاني

2008 عام الانهيارات والنهايات - 2009 وعام البشارات والبدايات

منصور عازار
الاربعاء 14 كانون الثاني (يناير) 2009.
 

هل يمكن ان نطلق على العام المنصرم، عام 2008، عام النهايات؟ أم ننعته بالفضيحة المدوية، أم نصفه بالسقوط الاستثنائي؟

في العام 1990، شهدت البشرية سقوط الاتحاد السوفياتي، القوة العظيمة الثانية، التي عاش العالم تحت شراكتها في القطبية الثنائية؟ حوالي نصف قرن. ومعها سقطت اسطورة الأفكار التي تقودها دكتاتورية منغلقة دموية، الى حتفها.

في ذلك العام، سقطت الامبراطورية الماركسية - اللينينية الأولى، وتيتمت الأحزاب الماركسية والحركات التحررية والأنظمة "التقدمية" ايضاً... وفي ذلك العام بات العرب عراة في النظام الدولي الجديد، ولايزالون.

في العم 2008، سقطت الأمبراطورية المالية العالمية، وبات الكوكب برمته على قاب قوسين من الانهيار والافلاس. بل قد لا نبالغ، ان قلنا، ان الرأسمالية المتوحشة، ونظام النهب السوبرامبريالي، قد قاد البشرية الى المزيد من المجاعة والتصحر والتهجير والحروب والاستغلال والقمع.

في العام 2008 انتهت "نهاية التاريخ" الى الأبد، وتراجعت "حروب الحضارات وصراعاتها" الى الخطوط الخلفية، لتشهد البشرية، كيف ان الرأسمالية المجنونة، بالربح والوهم، والأرصدة الرقمية ومضاربات الأسهم، تأكل ابناءها، وتفترس من تخلف عنها، وتقتل من لم يكن في قيادتها.

انه عام السقوط المريع، ولعله المريح، لهذا النظام الرأسمالي الدولي، الذي قاد العالم الى الافلاس، وزاد الهوة بين الفقراء والأغنياء، وجعل من السوق الهاً ومن المال رباً، ومن الانسان آلة، ومن الصلاة سلعة ومن القيم الانسانية وحقوق الانسان خدماً لطغيانه واجتياحاته.

وفي العام الفائت ايضاً، سقطت بالضربة الانتخابية، قيادة المحافظين الجدد للولايات المتحدة الأميركية الذين هندسوا اجتياح افغانستان، واحتلال العراق وتطويع دول الخليج، وخلخلة باكستان، وتعريض جورجيا ومحاصرة روسيا، والخضوع لاسرائيل، في حروبها ضد الفلسطينيين.

سقطت أقنعة اميركا، بل، سقط وجهها الحقيقي الذي له سحنة المقاتل والشرطي، والحرابي والمافيوزي وتاجر الأسلحة وقرصان المدن، ومعسكر الفضاء، و...

مع ذلك لم يولد البديل بعد.

برغم هذه الانهيارات، لا يبدو ان العام القادم الى اقامة نظام دولي جديد، يقوم على الشرعية الدولية الحقيقية، وليس المصطنعة او الموظفة وفق الأجندة الأميركية، يقوم على حقوق الشعوب والدول في الحرية والسيادة والاستقلال والتنمية والمشاركة، يقوم على حقوق الانسان الناصعة غير الموظفة الموظفة في رسائل بريد السياسات العدوانية والابتزازية.

لم يولد البديل بعد، لأن القوى الفكرية الفاعلة مقصرة في اوروبا عن ابداع هذا التوجه والسير فيه بعدما راهنت متأخرة على اللحاق بالقطار الأميركي وفق بطاقة مرور الى السوق ............................. باتجاه واحد: الاستهلاك.

لم يولد البديل بعد، من دول العالم الثالث، الذي انشغل اما بالاستدانة، او بسداد الديون. فغرق في دوامة ............................... فبات غذاؤه من دمه وعرقه وكرامته.

ولا تستطيع الانتفاضات في غير بقعة من العالم ان تبشرنا بامكانية التغيير.

 وكما الحسن يظهر حسنه الغد، كذلك القبح. فالأصولية الأميركية التي زحفت شركاتها العملاقة. وجيوشها النابحة، ودبلوماسيتها الفاجرة، وضغوطها المستفحلة وابتزازاتها اللاأخلاقية، أنتجت او ترافقت مع أصوليات اشد وطأة وأقل تدميراً. أكانت أصوليات دينية او مذهبيةز

إن هذا العالم يقوده الجنون بكل وعي وتصميم وإدراك.

إن هذا العالم تكون، بعدد لا يحصى، من هولاكو وتيمورلنك وهتلر وستالين. فهؤلاء لم يموتوا، بل ما زالوا احياء يرزقون في المؤسسات الدولية، التي اضفيت عليها، اشكال الديمقراطية وزينت "بقيم" حقوق الانسان، و"فضائل" الشرعية الدولية.

ومع ذلك، فاليأس السياسي ممنوع.

فلنبدأ من عندنا.

لبنان، اجتاز امتحان الفتنة، وخرج يشبه اتفاق يجنب اللبنانيين الانزلاق مجدداً الى الحروب العبثية. وهو مذهل، ان يجتاز امتحان الانتخابات بهدوء ولئن كانت نتائجها لن تضيف سطراً الى نص الاصلاح المفقود الا ان ما يطمئن ان المقاومة خرجت سالمة من كل هذه الامتحانات. وهي على استعداد، لتقوم بواجبها الوطني والقومي اذا اقتربت ساعة المواجهة والتحدي.

ولبنان برغم ضعفه. اجتاز الأزمة المالية وعليه ان يتفرغ للأزمة الاقتصادية وارتدادات الأزمة المالية عليه خصوصاً بعدما ضربت الخليج و ألزمت الاقتصاد الخليجي المنفوخ، بالعودة الى طبيعته. كما وليس امام لبنان الا اعادة تأهيل دورة انتاجه الزراعية الصناعية والسيايحة.

وما يمكن ان نلتفت اليه في لبنان، هو الدعوة الى تحصين قوة لبنان ومناعته وتحديداً في احتضان مقاومته، والاهتمام بتوسيع دائرة ثقافتها الوطنية.

اذ لا يمكن ابداً البحث عن "استراتيجيا دفاعية" ومن المنظور العسكري البحت. فهذا الأمر على الرغم من اهميته يبقى دون الاهتمام بالأساس: وهو تحديد العدو.

اذا كانت اسرائيل، في عرف الفرقاء اللبنانيين جميعهم هي العدو، فهل البحث في توفير القواعد اللزمة لحماية لبنان وتحرير ما تبقى من ارضه اولاً ثم يسهل البحث في احياء هذه المقاومة كواحدة من عناصر القوة الضرورية في المنطقة.

فلبنان القوي، يحضر بثقله في القضايا الاقليمية، ولا يكون تابعاً او مقيداً. ولبنان القوي، يستطيع ان يحمي قراراته السياسية ويوفر لدبلوماسيته رافعة تجعل منها قولا وفعلا.

لقد نجح لبنان في ان يصرّف حرف لا، في وجه اسرائيل واميركا برغم انقسام اهله. وهو مؤهل كذلك لأن يقول اكثر الى زمن قوة لبنان في ضعفه. ان قوة لبنان في مقاومته.

ليس لنا ان نتفاءل كثيراً بالتعبير الدولي، لاقامة نظام بديل. انما نتفاءل بمداواة النظام القائم بالقليل من الانسانية.

ان لبنان، فيؤهل ليكون نموذج المنطقة بعدما حاولت دول عديدة إدخاله في "الاعتدال العربي" و"الصف الأميركي".

عام 2009 لن العام الفائت. حتماً سيكون عام بدايات التعبير او التعديل........ انما الخلاص لا يزال بعيداً.