العدد الثامن والثلاثون - كانون الثاني

الاتجاهات العالمية 2025

تقرير المجلس الوطني للاستخبارات في الولايات المتحدة
الاربعاء 14 كانون الثاني (يناير) 2009.
 

أصدر المجلس الوطني للاستخبارات في الولايات المتحدة تقريراً يقع بنحو مائة صفحة بعنوان: الاتجاهات العالمية عام 2025 عالم قد تغير. يتألف المجلس من وكالات الاستخبارات المختلفة في الولايات المتحدة ويعهد اليه بالقيام بعمليات التقدير الاستخباري ويقدم تقاريره الى رئيس المجموعة الاستخبارية. تعنى التقارير بمسائل تدخل في نطاق اختصاص وصلاحيات جميع وكالات الاستخبارات ويترأسه حالياً بيتر لافوي ونائبه ستيفن كابلان.

يهدف التقرير المنوه عنه الى اثارة التفكير الاستراتيجي حول المستقبل عن طريق تحديد اتجاهات اساسية ومفصلية، والعوامل التي تتحكم بهذه الاتجاهات والقوى المحركة لها (مثل الديموغرافيا، العولمة، صعود قوى جديدة، ترهل المؤسسات الدولية، التغييرات المناخية، جيوبوليتيك الطاقة).

الاتجاهات العالمية عام 2025 هو التقرير الرابع بعد تقرير الاتجاهات لعام 2010 ولعام 2015 ولعام 2020.

 

كيف تبدو صورة العالم عام 2025؟

 

-  ينبثق نظام عالمي متعدد الأقطاب مع صعود الصين والهند وغيرهما وتزداد القوة النسبية للاعبين غير الدول اي الاقتصاد والأعمال، القبائل، المنظمات الدينية وحتى الشبكات الاجرامية.

بحلول عام 2025 لن يعود هناك مجموعة دولية متماسكة مؤلفة من دول - أمم. سوف تتوزع القوة على لاعبين جدد وفق قواعد جديدة وتزداد مخاطر ضعف الأحلاف الغربية.

وسوف تنجذب دول عديدة الى نوذج الإنماء الصيني.

يستمر الانتقال غير المسبوق لتوزيع الثروة والقوة الاقتصادية من الغرب نحو الشرق، وفيما تصبح بعض الدول اكثر اهتماماً بالإستثمار في اقتصادها الخاص، تزداد بصورة واضحة الدوافع نحو الاستقرار الجيوبوليتيكي. هذا التحول سوف يقوي بعض الدول مثل روسيا التي يبدو انها تريد تحدي النظام الغربي.

-  سوف تبقى الولايات المتحدة أقوى قوة متفردة في العالم لكن هيمنتها ونفوذها سوف يتراجعان.

ان تراجع الامكانات الاقتصادية والعسكرية سوف يرغم الولايات المتحدة على الاختيار بين الشؤون المحلية واولويات السياسة الخارجية.

-  استمرار النمو الاقتصادي مع زيادة عدد السكان نحو 1,2 مليار نسمة مما يفرض ضغوطاً على الطاقة والغذاء وموارد المياه.

ان نمط الابتكارات التكنولوجية ونوعيتها سوف يكونان المفتاح للنتائج المنتظرة في تلك الفترة.

 جميع التكنولوجيات المعاصرة لن تنفع في الأحلال مكان وضع الطاقة التقليدي الموجود حالياً.

-  سوف يقل عدد السكان الشباب في الدول الواقعة في "قوس عدم الاستقرار" لكن نمو الشباب في الدول التي تعتمد على عنصر الشباب سوف يبقى متسارعاً.

اذا لم تتغير اوضاع العمالة بشكل دراماتيكي وتزداد الوظائف في الدول التي تضم عدداً كبيراً من الشباب مثل افغانستان، نيجيريا، باكستان، اليمن، فإن هذه الدول سوف تصبح عرضة لعدم استقرار مستمر في ظل وضع الدولة الفاشلة.

-  سوف يزيد زخم النزاعات معتمداً على التغيرات السريعة في الشرق الأوسط الكبير وانتشار وسائل الدمار القاتلة.

هناك حاجة لأن تتعرض الولايات المتحدة كعنصر توازن اقليمي في الشرق الأوسط كما ان بقية اللاعبين مثل روسيا والصين والهند سوف يمارسون ادواراً اكبر مما هو عليه الحال في الوقت الحاضر.

-  ليس من المتوقع ان يختفي تهديد الارهاب عام 2025 لكن مظاهره سوف تتراجع اذا ازداد النمو الاقتصادي في الشرق الأوسط وتراجع عدد العاطلين عن العمل. بالنسبة للارهابيين الفاعلين فإن انتشار التكنولوجيا سوف يضع امكانات خطيرة بين أيديهم.

سوف تزداد فرص حصول اعمال ارهابية تستخدم الأسلحة الكيميائية والبيولوجية او بدرجة اقل النووية وذلك مع انتشار التكنولوجيا والطاقة النووية وربما الأسلحة النووية. ان عواقب هذه الهجمات سوف تزداد في جميع انحاء العالم.

 

النظام العالمي

 

ان النظام العالمي كما انشئ بعد الحرب العالمية الثانية لن يحظى بالاعتراف ولا الاحترام وذلك بسبب صعود قوى جديدة ونشوء اقتصاد معولم انتقال الثروة من الغرب الى الشرق وتزايد تأثير اللاعبين غير الدول. لكننا لن نتجه نحو انهيار تام للنظام الدولي كما حصل في 1914 - 1918 وعلى أي حال سوف تحمل العشرون سنة القادمة تنافساً استراتيجياً يتمحور حول التجارة والاستثمار والابتكارات التكنولوجية لكننا لا نستبعد سيناريو القرن التاسع عشر من سباق الأسلحة والتوسع الاقليمي والتنافس العسكري.

 

النمو الاقتصادي يزيد من نشوء القوى الصاعدة

 

يجري انتقال الثروة والقوة الاقتصادية من الغرب الى الشرق دون سابقة تذكر في التاريخ ويعود ذلك لسببين:

1 - زيادة اسعار النفط والبضائع سوف تحقق ارباحاً كبيرة لدول الخليج وروسيا.

2- ان كلفة الانتاج المنخفضة بالاشتراك مع السياسات الحكومية سوف تسهم بنقل مكان التصنيع والخدمات الى آسيا.

يشير النمو الاقتصادي لكل من البرازيل وروسيا والهند والصين الى انها سوف تعادل مجموعة السبعة الحالية. اذا استمرت الاتجاهات الحالية فان الصين سوف تصبح ثاني اكبر اقتصاد عالمي كما تصبح قوة عسكرية اساسية... الهند سوف تستمر بالنمو وتكافح من اجل نظام متعدد القطبية تكون فيه احد هذه الأقطاب. لدى روسيا الامكانات لتكون اكثر غنى واقوى في عام 2025 اذا استمرت العنصر البشري وتوسعت في اقتصادها. لكنها قد تفشل في اتخاذ هذه الخطوات اذا بقي سعر النفط يتراوح بين 50 - 70 دولار للبرميل.

لن تتبع الصين والهند وروسيا النموذج الغربي في الاقتصاد بل ستعتمد نموذجاً جديداً هو رأسمالية الدولة.

سوف تبقى دول جنوب الصحراء في افريقيا الأكثر تعرضاً للانهيارات الاقتصادية والنزاعات الأهلية وعدم الاستقرار السياسي.

مع ان عدداً من الدول الأساسية في اميركا اللاتينية سوف تتمتع بدخل متوسط الا ان بعضها مثل هاتين يتجه الى مزيد من الفقر والى الابتعاد عن الاستقرار السياسي. وبالإجمال سوف تكون اميركا اللاتينية خلف آسيا في النمو الاقتصادي.

 

 

 

 

الجدول الانتقالي

 

تبقى مسألة الموارد مهيمنة على جدول اعمال المجموعة الدولية يجري التركيز على الموارد ذات الطبيعة الاستراتيجية العليا مثل الطاقة والغذاء والماء.

سوف يتراجع استخراج النفط والغاز ويكون العالم في منتصف مرحلة انتقالية بين النفط والغاز والفحم نحو بدائل جديدة في الطاقة.

يقدر البنك الدولي ان الطلب على الغذاء سوف يزداد 50% بحلول العام 2030 نتيجة لزيادة عدد السكان والانتقال نحو النموذج الغربي في الطعام عند الطبقة الوسطى. من المتوقع ان يصل النقص في المياه الى حدود حرجة وخصوصاً مياه الري وسوف تزداد النسبة سوءاً مع توسع المدن وزيادة عدد سكان العالم 1,2 مليار نسمة.

اليوم يعتبر الخبراء ان هناك 21 دولة يبلغ عدد سكانها 600 مليون نسمة تعاني ندرة في المياه العذبة وفي امدادات الغذاء. وسوف تستمر هذه الأزمة سوءاً لتصبح عام 2025، 36 دولة يبلغ عدد سكانها 1,4 مليار نسمة يعانون من ندرة المياه وامدادت الغذاء.

 

 

التغير المناخي

 

من المتوقع ان يفاقم التغيير المناخي ندرة الموارد وخصوصاً الماء والغذاء. ويكون التغيير متفاوتاً بين منطقة واخرى في العالم وفي بعض المناطق سوف تلحق اضراراً بالغة في الانتاج الزراعي. واكثر الدول المتوقع خسارتها الموارد من جراء تغيير المناخ هي الواقعة جنوب الصحراء الافريقية. وكذلك الأمر سوف يعاني العديد من الدول النامية خسارة كبيرة في الانتاج الزراعي يكون وقعها خطيراً نظراً لاعتماد معظم السكان على الانتاج الزراعي كمورد رزق لهم.

 

التكنولوجيا الجديدة

 

يمكن ان تظهر تكنولوجيا جديدة توفر حلولاً لمشكلة الطاقة وتحل مكان النفط والغاز ما يؤدي الى التغلّب على التراجعات المتوقعة في الغذاء والماء. على أي حال فإن كل التكنولوجيات الحالية لا تستطيع الحلول مكان النفط والغاز بعد. وفي حال اكتشاف مصادر جديدة للطاقة فانها لا يتوقع لها ان تدخل الاستعمال التجاري قبل عام 2025. ان نمط الابتكارات والاختراعات التكنولوجية سوف يكون المحك لأي تطور على صعيد الطاقة البديلة.

لكن لا يمكننا استبعاد حصول تغيير في واقع الطاقة قبل عام 2025 بشكل يمكّن من توفير التكاليف الباهظة لمنشآت توليد الطاقة وتكرير الوقود.

إن اكبر احتمال وأسرعه في الانتقال في الطاقة هو زيادة استثمار الطاقة الشمسية والرياح كمصادر للطاقة مع حصول تطويرات هامة في مجال صناعة البطاريات اي خزن الطاقة، وهذا يؤدي حتماً الى تراجع المنشآت الضخمة للطاقة امام بروز مشاريع فردية تمكن اللاعبين الصغار في الاقتصاد من تطوير اجهزة تحويل الطاقة لتخدم مصالحهم التجارية في تزويد المنازل والمكاتب بالطاقة الكهربائية. كما ان مشاريع تحويل الطاقة مثل الخطط المعدة لانتاج الهيدروجين وتحويله محلياً وداخل المنزل باستخدام وسائل بسيطة سوف تشهد رواجاً.

 

 

 

 

الارهاب

 

يبقى الارهاب في طليعة الاهتمامات الدولية مهما بلغ تأثير ندرة الموارد. من غير المتوقع انتهاء الأعمال الارهابية بحلول 2025 لكن يمكن تراجعها اذا حصل نمو اقتصادي في دول الشرق الأوسط وازدادت فرص العمل الأمر الذي يحمل الشباب على الابتعاد عن الانخراط في المنظمات الارهابية وعن مفهوم الانتقام والسعي للاستشهاد الذي تحركه دوافع عديدة.

وفي غياب فرص العمل وحرية التعبير السياسي سوف يستمر انخراط الشباب في المنظمات الارهابية. من المتوقع ان تكون المنظمات الارهابية بحلول عام 2025 خليطاً من منشقين عن منظمات عريقة يأخذون معهم خبرتهم التنظيمية والقيادية والتدريب اللازم لتنفيذ هجمات ارهابية مع مجموعات جديدة من الغاضبين والمقموعين الذين يتحولون نحو الراديكالية. وسوف يتوافر لهذه المجموعات امكانات خطيرة جداً تصبح بمتناول أيديهم.

يمكن لهم حيازة أسلحة بيولوجية او باحتمال أقل سلاحاً نووياً يؤدي الى دمار شامل.

مع أن حيازة ايران للأسلحة النووية أمر لا يمكن تجنبه فإنه قد يدفع دول أخرى في الجوار بأن تقيم ترتيبات أمنية بالاشتراك مع قوى خارجية وتستحوذ على مزيد من الأسلحة المتطورة وتنفذ طموحاتها النووية ايضاً.

ليس واضحاً ما اذا كانت علاقة الردع المتبادل التي سادت بين الدول الكبرى في الشرق الأوسط خلال فترة الحرب الباردة سوف تبقى على حالها مع وجود ايران كدولة نووية. واذا لم يتم رسم خطوط حمر بين الدول المشاركة فإن الحديث عن نزاعات محدودة تحت مظلة نووية قد يؤدي الى تصعيد غير مقصود ونزاعات واسعة النطاق في المنطقة لذا فان رسم خطوط حمر امر هام جداً.

 

ايديولوجيا النزاعات

 

من المتوقع ان يكون للايديولوجيا قوة اكبر في العالم الاسلامي وخصوصاً في العالم العربي. في تلك الدول سيتم استخدام الشباب للنضال والكفاح داخل أنظمة ضعيفة ودول مهترئة مثل باكستان وافغانستان ونيجيريا واليمن. ومن المتوقع ان تكون الغلبة للاسلام السلفي الراديكالي يمكن انبثاق نزاعات جديدة حول الموارد وفي اسوأ الأحوال يمكن حصول نزاعات داخل الدولة الواحدة.

ان الهواجس الأمنية البحرية سوف تشكل دافعاً لدول مثل الصين والهند من اجل تطوير قواتها البحرية وزيادة عددها الأمر الذي يؤدي الى تنافس وتوترات متزايدة لكنها يمكن ان تؤدي الى تعاون في مجال حماية الخطوط البحرية التي تستخدمها سفن الدول المعنية. ومع ندرة موارد المياه سوف يصبح صعباً على دول الشرق الأوسط أن تتعاون في مجال توزيع الثروات المائية.

 

استخدام السلاح النووي

 

مع ان خطر استخدام السلاح النووي يبدو ضعيفاً خلال العشرين سنة القادمة فإنه من المحتمل ان يكون اكثر مما هو عليه اليوم.

ان انتشار التكنولوجيا النووية والخبرات اللازمة يولد قلقاً من بروز دول جديدة تملك السلاح النووي واحتمال وصول هذه الأسلحة الى أيدي المنظمات الارهابية. ان النزاع المستمر بين الهند وباكستان يتصاعد ويرفع من احتمال تحول المواجهة بينهما الى استخدام السلاح النووي.

ان احتمال تغيير أنظمة دول مثل كوريا الشمالية يطرح اسئلة حول قدرة مثل هذه الدول على السيطرة على سلاحها النووي.

إن اجري استخدام الأسلحة النووية خلال الخمسة عشر عاماً المقبلة فإن البشرية معرضة لصدمة اقتصادية وتداعيات سياسية وعسكرية اضافة الى الخسائر البشرية والبيئية.

كما يؤدي استخدام الأسلحة النووية الى حدوث تغييرات جيوبوليتيكية وخصوصاً عندما تسعى بعض الدول غير النووية لإنشاء تحالفات مع دول نووية لتأمين حمايتها فيما تدعو دول أخرى الى نزع عالمي شامل للسلاح النووي.

 

نظام دولي اكثر تعقيداً

 

سوف يتسارع توزع النفوذ والقوة على الصعيد الدولي الى عدد اكبر من اللاعبين ومن ضمنهم لاعبين من غير دول. ان تعدد اللاعبين على المسرح الدولي يمكن ان يؤدي الى ملأ الفراغ الناشىء عن المؤسسات الهرمة التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية سوف تصبح المنظمات غير الحكومية جزءاً من المشهد السياسي على المسرح الدولي لكن لا يتوقع ان تحدث تغييراً وذلك بغياب اية جهود حكومية او مؤسسات دولية قادرة.

 

 

الولايات المتحدة قوة أقل هيمنة

 

بحلول العام 2025 سوف تجد الولايات المتحدة نفسها انها واحدة من عدد من اللاعبين الهامين على المسرح العالمي. مع انها الأقوى بينهم، حتى في المجال العسكري سوف تستمر في التفوق على الآخرين لكن التقدم الذي يحرزه الآخرون في مجال التكتيكات الجديدة ونشر أسلحة دقة عالية بعيدة المدى والتقدم في الحرب الالكترونية، سوف يشكل قيوداً على حرية العمل العسكرية للولايات المتحدة.

وهذه القيود سوف يكون لها تداعيات سياسية كبيرة. وعلى الرغم من الصعود الأخير للعداء لأميركا Anti - Americanism  فإن الولايات المتحدة سوف تبقى عنصر التوازن الضروري في الشرق الأوسط وآسيا. سوف تستمر الولايات المتحدة بلعب دور بارز في استخدام قوتها العسكرية ضد الارهاب العالمي وعلى صعيد مسائل التغييرات المناخية سوف تبقى القيادة الأميركية على حالها من عرقلة الحلول بترويجها لأفكار مختلفة. ان التطورات الحاصلة في بقية العالم بما في ذلك التطورات الداخلية في الدول الأساسية مثل روسيا والصين سوف تشكل عناصر حاسمة في تحديد سياسيت الولايات المتحدة.

 

 

الياس سالم