العدد الثامن والثلاثون - كانون الثاني

التعبير بدلاً من التمثيل - الديمقراطية التعبيرية

شحادة الغاوي
الاربعاء 14 كانون الثاني (يناير) 2009.
 

كنا قد نشرنا في العدد السابق دراسة تلقى الضوء على مفهوم انطون سعاده "للديمقراطية والتغيير " كبديل عن الشيوعية والديمقراطية التمثيلية ، وفي هذا العدد ننشر جزء من دراسة للكاتب شحادة الغاوي عن الديمقراطية التعبيرية .

 

لقد استعرضنا شيئاً من الأسباب العامة التي تجعلنا نقول ان الديمقراطية الحالية والتفكير الحالي قد دخل في طور الشيخوخة، بقي هناك سبب خاص ينطبق علينا نحن في سورية وفي المجتمعات التي تشبهنا من ناحية حاجتنا وحاجتها للنهوض والتغلب على انقساماتنا العمودية، لاستعادة هويتنا القومية وتركيز وعينا لوحدة حياتنا ووحدة مصالحنا في هذه الحياة، حاجتنا للتطور الاجتماعي الاقتصادي والخروج من تحت الاحتلال والسيطرة الأجنبية، وتوحيد وطننا وبسط سيادتنا على انفسنا وعلى موارد حياتنا في وطننا الواحد.

إن ذلك يحتاج "لقيادة صالحة" تتوفر فيها "الشروط المؤهلة للقيادة" وهذه الشروط تتخطى بكثير، بما لا يقاس، مجرد أن تأتي بها أكثرية الشعب، أن تأتي بالانتخاب - الاقتراع - التصويت، وتنال أكثرية المقترعين.

إن ذلك يحتاج بكل تأكيد لقيادة تحوز على ثقة الشعب وتأييده ورضاه وقبوله أكان ذلك عن طريق الانتخاب ام عن غير طريق الانتخاب، لكن الأهم أن تحوز على المؤهلات والقدرات والصفات والمواهب التي تجعلها قادرة على الفعل والتكييف والتغيير والتطوير و"إنشاء شيء جديد" حسب تعبير سعاده.

الديمقراطية التمثيلية، حتى تلك الخالية من الخداع والدعاية والأضاليل والمؤثرات المادية والاعلامية هي دائماً تنتج سلطة تمثيلية، تمثل مجتمعها كما هو وليس عندها لا الإرادة ولا القوة والقدرة لتكييفه وتطويره وتغييره ونقله نوعياً الى حالة اخرى افضل. لذلك يقول سعاده إن التمثيل هو دائماً أهون من التعبير لأن التمثيل شيء جامد يتعلق بما حصل، أما التعبير فغرضه الانشاء وإدراك شيء جديد، ويزيد: هذا هو الخلل الجتماعي الذي يريد التفكير السوري الحديث أن يصلحه، تفهّم إرادة الشعب واعطاؤها وسائل التنفيذ الموافقة.

فما هو التفكير السوري الحديث، ما هو التعبير عن الارادة العامة، كيف يؤدي التعبير الى إنشاء الشيء الجديد ويعطي ارادة الشعب وسائل تنفيذها الموافقة؟

 

ما هو التعبير؟

 

يجب الانتباه هنا أن "الديمقراطية التعبيرية" عبارة لم ينطق بها سعاده. سعاده لم يستعمل هذا المصطلح بل استعمال مصطلح "التعبير بدلاً من التمثيل" والتعبير عن الارادة العامة بدلاً من تمثيل الارادة العامة. "الديمقراطية التعبيرية" اسم جئنا به نحن، تلاميذ سعاده، لنصف ديمقراطية سعاده الجديدة، نظرته الجديدة للديمقراطية، لنسميها مقابل اسم الديمقراطية التمثيلية، وأن هذا الاسم الجديد ينطبق تماماً على ما اراده سعاده للديمقراطية من أن تكون التعبير عن الارادة بدلاً من تمثيل الارادة العامة التي تؤدي اليه الديمقراطية التمثيلية.

عندما يستعمل سعاده كلمات معينة ليدل بها عن أفكار جديدة، يجدر بنا الانتباه جيداً الى المعنى الفلسفي لهذه الكلمات وعدم الاكتفاء بمعناها القاموسي. القاموس يفيد ولكنه لا يعطي معنى الفكرة الجديدة من الناحية الفلسفية. لنصل الى معنى الفكرة الفلسفية ونفهمها يجب ان نستعرض كل استعمالات سعاده لهذه الكلمة ونفهم عما كان يتكلم وعن ماذا كان يريد ان يعبّر وأي فكرة كان يريد ان يوصل للناس. الفلسفة هي خلاصة، يصوغها الفلاسفة بعبارات قليلة، بعناوين، بكلمة او كلمتين. هكذا هي المدرحية، وهكذا هو الانسان - المجتمع، والفرد مكانية انسانية، وهكذا هو التعبير بدلاً من التمثيل.

إذا راجعنا جميع استعمالات سعاده لكلكمة تعبير، عندما كان يتكلم عن نظرته الجديدة للديمقراطية، نجد انه استعملها ليدل على الفعل والانجاز والتنفيذ والقدرة على التكييف والتطوير والتغيير وإنشاء شيء جديد وجعل البلاد دائماً كما تريد الأمة.

إذاً التعبير بالمعنى الفلسفي الجديد والنظرة الجديدة للديمقراطية لم يكن المقصود به مجرد ان يحسن أحدنا التعبير عن رأيه، ليس هو التعبير الحسن عن الرأي، فيمكن أن نعبّر عن رأينا ولا نستطيع تحقيق إرادتنا بتنفيذ هذا الرأي. يمكن أن نعبّر جيداً عن رأينا ونعجز عن فعل شيء لتحقيق هذا الرأي.

التعبير المقصود في النظرة الجديدة ليس مشتقاً من "عبارة" أي الكلام المفهوم، بل من فعل "عبر" ، من عبور. ولعلّ العبارة نفسها هي مشتقة من فعل عبر بمعنى العبور أي الانتقال من مكان الى آخر او من حالة الى اخرى.

نعتقد أن هذا هو ما أراد سعاده ان يوصله، سعاده معني بتطوير المجتمع ونقله من وضعية الى اخرى، العبور به من حالته الحاضرة الشيئة الى حالة جديدة أفضل، سعاده معني بفعل وانجاز وتحقيق وتنفيذ اشياء جديدة.

هكذا يصير التعبير عن الارادة العامة يعني تنفيذ الارادة العامة وتحقيقها، "اعطاؤها وسائل التنفيذ الموافقة"... "لجعل البلاد دائماً كما تريد الأمة". وهكذا نفهم لماذا يكرر سعاده كلمات الجمود والشلل، الشيء الجامد والشكل الجامد وشلل الأشكال، عندما ينتقد فكرة تمثيل الارادة العامة. وهكذا نفهم لماذا يستعمل ويكرر عبارات إنشاء شيء جديد وجعل البلاد دائماً كما تريد الأمة واعطاؤها وسائل التنفيذ الموافقة، عندما يريد الاضاءة على فكرة التعبير عن الارادة العامة.

يجب أن نلاحظ ان سعاده يستعمل عبارة الارادة العامة وليس المصلحة العامة وليس الرأي العام. الارادة أقوى من الرأي، أقوى من المصلحة، المصلحة بحاجة لإرادة تحققها وتؤمنها. أما الارادة العامة فهي أن نفعل ونحقق وننفذ ما يريده الشعب وليس مجرد أن نشرح ونبيّن ونعرف ماذا يريد الشعب.

القادة التعبيريون ليسوا هم الذين يحسنون شرح وايضاح ماذا يريد الشعب، في البرلمان، ليسوا من يجيد التعبير عن رأي الناس وما هي مصالح الناس، وحسب، بل القادة التعبيريون هم الذين يتفهمون ارادة مجموع الشعب وعندهم القدرة ووسائل التنفيذ لتحقيق تلك الارادة.

وما هي الارادة العامة أصلاً؟ الارادة العامة هي ما يريده الشعب بالاجماع وليس ما تريده أكثرية او أقلية. الارادة العامة هي ما يتوحد حوله الشعب ويكون مطلبه كله. يقول سعاده:

"ان الأمم كلها تريد الخير والفلاح ولكن المشكل هو في ايجاد التعبير الصالح عن هذه الارادة. فالارادة العامة اذا لم تجد التعبير الصحيح في فكرة واضحة وقيادة صالحة تصبح عرضة لأن تقع فريسة المآرب التمثيلية". (من خطاب سنتياغو 1940)

سعاده يريد ديمقراطية تمكن من ايصال قيادة صالحة، صالحة لماذا؟ صالحة للفعل ولجعل البلاد دائماً كما تريد الأمة. ولكي تكون هكذا وجب ان تتألف من اشخاص مؤهلين للفعل، جديرين كفوئين يتمتعون بقوى عقلية معرفية وقوى نفسية ممتازة تمكنهم من الفعل وتحقيق الارادة العامة وتنفيذها.

قيادة ديمقراطية وتعبيرية، يعني قيادة جائزة على قبول الشعب ورضاه وثقته، من جهة، ويتمتع اشخاصها بقوى وقدرات ومؤهلات تمكنهم من تحقيق ما يريده الشعب، من جهة اخرى. هذا هو معنى الديمقراطية التعبيرية وهذا هو الفرق الحاسم بينها وبين الديمقراطية التمثيلية.

القيادة التمثيلية هي ديمقراطية ولا شك، لأنها قيادة منتخب وحائزة على قبول الشعب ورضاه وثقته، ولكنها لا تكفل ولا تضمن الإتيان بقيادات مؤهلة تتمتع بالقدرة والفعالية التي تحقق وتنفذ ما تريده الأمة. إن برلمانات العالم مليئة بالأميين والسطحيين والسخفاء، اذا لم نقل المرتشين والانتهازيين والعملاء. إن برلمانات العالم مليئة بالقيادات التي ليس فقط لا تستطيع، بل لا تريد تغيير شيء في أحوال المجتمع واوضاعه، لأنها هي أساساً أتت بفضل تلك الأوضاع فكيف تريد تغييرها؟

ربّ قائل هنا: بلى، أن مجتمعات العالم الديمقراطية التمثيلية يحدث فيها تغيير وتطوير وتحسين من السهل رؤية ذلك من الحرب العالمية الثانية الى اليوم في اوروبا واميركا واليابان وحتى في الهند وباكستان وتركيا وغيرها. جوابنا هو ان هذا التغيير والتطوير والتحسين لم يكن بفضل الديمقراطية التمثيلية بل بالرغم عنها. إنه تغيير وتطوير وتحسين نشاهده في كل مكان، في المجتمعات الديمقراطية التمثيلية وفي غيرها هوه نمو طبيعي تفرضه الحياة ونواميسها. إنه تطور صنعته الحياة، صنعته الشعوب ومؤسساتها الاجتماعية والعلمية بفضل السلم الداخلي فيها اكثر بكثير مما صنعته مؤسساتها السياسية، دولها. إنه تطوير وتحسين في وسائل الحياة وأدواتها ومظاهرها، وهذا نمو طبيعي، لا في مستوى المعيشة وقدرة الفرد على تأمينها والوفاء بمتطلباتها، وهذا من وظيفة الدولة ومؤسساتها. انه تطوير وتحسين علمي تقني وليس اقتصادي - اجتماعي تقوده الدولة. والدليل هو ان التفاوت الاجتماعي يزداد ولا ينقص، وقدرة الفرد على تأمين ضروريات حياته قد ضعفت، ففي الولايات المتحدة وحدها هناك عشرون مليون انسان دون مأوى ودون عمل ودون رعاية صحية...

ثم ان التطوير والتحسين الذي نتكلم عنه في مقارنتنا هو ذلك الذي تحدثه القيادات الديمقراطية في احترام الارادة العامة وتحقيقها.

على هذا الصعيد بالضبط نقول ان الديمقراطيات التمثيلية لم تكن ناجحة ابداً، لم تتمكن من حلّ الأضاليل الاجتماعية الاقتصادية، كما يذكر سعاده، بل زادتها وفاقمتها. فها هي الارادة العامة لشعوب اوروبا واميركا لم تحترم في مواضيع اساسية وخطيرة: شعوب اوروبا واميركا لا تريد الحرب على العراق، ولا تريد الحرب، اي حرب. شعوب اوروبا واميركا لا تريد البطالة ولا الفقر. شعوب اوروبا واميركا قالت كلمتها بأن رئيسا الولايات المتحدة واسرائيل هما اكبر خطرين يهددان الأمن والسلام في العالم، وهذه كانت حصيلة عمل مؤسسات رصد مستقلة متخصصة محايدة، وخارج مواسم الانتخابات.

رغم ذلك فإن ديمقراطيات اوروبا وأميركا ذهبت الى الحرب وزورت اسبابها وصرفت مئات المليارات، سرقتها من ميزانيات شعوبها وصرفتها على تقتيل الشعوب وتخريب اوطانها وتدمير حياتها. وان ديمقراطيات اوروبا واميركا أشادت وافتخرت بخرقها لارادة شعوبها عن طريق تلميع وتزيين قراراتها غير الديمقراطية بالشجاعة الفائقة. فجورج بوش وطوني بلير وجون هاورد وغيرهم كانوا شجعان جداً لأنهم استطاعوا اتخاذ "قرارات غير شعبية" ونفذوها!

ان الديمقراطيات التمثيلية الغربية لم تشهد تحسيناً في مجال احترام الارادة العامة لشعوبها، ولا عجب ان نراها تستعمل الحرب والغزو وتبرر الحرب والغزو بتزوير الحقائق والمعلومات واستعمال الأكاذيب في مجلس الأمن، يعني امام العالم كله، لاخضاع الشعوب لمفاهيمها هي للديمقراطية، لتلقين الشعوب بالقوة العسكرية مفاهيمها هي للديمقراطية، الديمقراطية بالقوة!

لكن وراء الأكمة ما وراءها كما يقول المثل البليغ، ان الأهداف الحقيقية لهذه الديمقراطيات الغربية ليست نشر الديمقراطية ابداً، انها المصالح الكبرى للفئات المسيطرة داخل مجتمعات الغرب، مصالح رؤوس الأموال الضخمة في الاستثمار في الحرب والتوظيف خارج الحدود، مصالح شركات التأمين وشركات النفط وشركات صنع الأسلحة، ومصالح الطبقات الأقوى المهيمنة اقتصادياً وسياسياً، رغماً عن الارادة العامة للشعب.

هذه جزء من "الأضاليل الاجتماعية الاقتصادية" التي تكلم عنها سعاده عندما قال إن "الديمقراطية التي خبرتها الشعوب المتمدنة حتى اليوم لم تتمكن من حلّ الأضاليل الاجتماعية التي نشأت مع تقدم عهد الآلة وارتقاء التخصص في الأعمال وتحديدها". (بحث الديمقراطية عن عقيدة)

أما الديمقراطية التعبيرية، فانها تحترم ليس فقط ارادة الأكثرية بل الارادة العامة الواحدة للشعب وتحقق مطلبها وتجعل البلاد دائماً كما تريد الأمة.