العدد الثامن والثلاثون - كانون الثاني

12 اكتوبر 1492 "يوم اكتشاف أميركا" : اكتشاف أم مذبحة بحق السكان الأصليين؟

غالب نور الدين
الاربعاء 14 كانون الثاني (يناير) 2009.
 

مؤخرا طلب الرئيس الفنزويلي هيوغو تشافيز من الشعوب الشقيقة في أميركا اللاتينية، أن تعيد النظر في التاريخ "حتى لا تبقى تقدم التاريخ والخضوع والشرف للذين ارتكبوا أعظم الفظائع في تاريخنا المعروف" بحسب تشافيز.

قال الرئيس الفنزويلي "في فنزويلا لن نقوم بتكريم الفاتحين في 12 أكتوبر، بل ان ذلك التاريخ هو بداية الإجرام بحق الشعوب الهندية الأصلية"، وأضاف: "ان تعبير اكتشاف أميركا "هو اكبر عملية تزوير للتاريخ".

فمنذ أن كان طفلاً لم يشارك تشافيز في احتفالات لتكريم كريستوفر كولومبوس، وقال معلقاً: "لقد علمونا، بالرغم من كل ما حدث، أن نعجب بالفاتحين، وان نتجاهل بطولات الشعوب الهندية الأصلية في هذه الأرض، وشهدائهم الذين دافعوا عن وجودهم"، وأردف قائلاً: "إذا أردنا ان نلاقي إشعاعات النهضة لمستقبلنا، يجب أن نفتخر بتاريخنا في أرضنا الأم - الهندية. أي في أرضنا الأم - أميركا".

 

عام 2002 أصدرت الحكومة الفنزويلية قراراً باعتبار الثاني من أكتوبر هو يوم "مقاومة الشعوب الهندية الأصلية"، فانتهى بذلك التقليد المتبع بالاحتفال بذكرى اكتشاف أميركا، والذي درجت العادة على تسميته في أميركا اللاتينية "بيوم العرق الذي نشأ بتمازج العرق الإسباني الأوروبي مع العرق الهندي". أما في الولايات المتحدة وكندا فيحتفل بالمناسبة كعيد اكتشاف أميركا، في حين تحتفل به اسبانيا كيوم "اسبانيا - أميركا".

ان قرار فنزويلا يؤسس لمرحلة جديدة في النظر الى تاريخ القارة، على رؤية حقيقية لثقافتها وتاريخها، من وجهة نظر أصحابها، وليس من خلال النظرة الأوروبية للفاتحين وعلى أساس إملاءاتهم الثقافية.

وحتى تاريخ قريب، كان يصرّ الأوروبيون، وبالأخص الإسبان، على اعتبار اكتشاف أميركا عملاً بطولياً لاسبانيا الكاثوليكية، التي جعلت الهنود الحمر يعتنقون الكاثوليكية، وأنقذتهم من "دموية" هنود الأزتيك والمايا، الذين كانوا يقومون بتقديم أضاح بشرية. ولكن بالنسبة للشعوب الهندية، فإن وقائع التاريخ أظهرت العكس. فقد تسببت عمليات الفتح والسيطرة من مآسٍ مرعبة ومذابح وإبادات بحق السكان الأصليين، من اجل السيطرة والحصول على الثروة والذهب، دون رادع قيمي او ديني. فالفاتحون ضربوا بعرض الحائط القيم المسيحية التي ادعوا حمل رايتها، ووقائع التاريخ تشهد على ذلك.

يقول تشافيز: "إن كولومبوس هو قائد الاجتياح، وهو المؤسس لتلك المذبحة الكبرى، فيجب التوقف عن تسمية 12 أكتوبر بيوم العرق (raza) لأن في ذلك تكريم لمن قاموا بأكبر المذابح... انه لم يكن اكتشافاً بل مذبحة".

وقد سعت الحكومة الإسبانية في الماضي لإقامة احتفالات كبرى عام 1992 بمناسبة مرور 500 سنة على اكتشاف أميركا، وحاولت إقناع دول أميركا اللاتينية بالمشاركة في الإعداد لذلك. ولكن تلك المحاولة باءت بالفشل، إذ جاءت ردود فعل الشعوب في القارة مخيبة لأمالهم وعدائية. وجرى التنديد بهذه الذكرى على لسان العديد من المنظمات والجمعيات الشعبية في معظم الدول، واعتبر البعض أن يوم "اكتشاف أميركا" يجب أن يكون يوم حداد، لما جلبه الحدث من ويلات على السكان الأصليين. وبذلك فشلت كل التدابير لإحياء تلك المناسبة.

في إحدى المناسبات التي جمعت قادة من أميركا اللاتينية وملك اسبانيا في باناما، كان تشافيز يتحدث عن مآسي الشعوب الأصلية في التاريخ. فنظر ملك اسبانيا بغضب ، وما كان من الرئيس تشافيز الا أن قال له: "ليست المسألة معك يا جلالة الملك، بل مع فرناندو السابع في القرن السادس عشر".

لم تكن القارة الأميركية مجرد مساحات جغرافية خالية جرى اكتشافها، بل كانت مأهولة بالمئات من الشعوب والممالك والحضارات الهندية. ويقدّر بعض الباحثين أن عدد الشعوب الهندية الأصلية زمن وصول كولومبوس، كان يتجاوز ال 70 مليون نسمة. ومن الجدير بالذكر ان كولومبوس كان يؤمن بأن هذه الأرض ليست سوى آسيا وقد مات وهو يعتقد ذلك.

ومع وصول كريستوفر كولومبوس الى القارة الجديدة أخذت الدول الأوروبية الأخرى (البرتغال - انكلترا - فرنسا وهولندا) تندفع في بعثاتها الى القارة، مستولية عليها قطعة قطعة. فبالنسبة للأوروبيين، كان هذا الأمر اكتشافاً واستيلاءً على أراض جديدة ضمت الى ممالكهم، أما بالنسبة للسكان الأصليين فالأمر كان اجتياحاً مرعباً جرى عبره القضاء على حضاراتهم، وتجريدهم من أراضيهم، واستعبادهم، وفي أحيان كثيرة إبادتهم.

فمثلا، هناك حضارة "الإنكا" المزدهرة في جبال الأنديز امتداداً الى مناطق الأمازون التي بالرغم من قبول ملوكها الخضوع لملك اسبانيا واعتناق الديانة المسيحية، قام القائد الإسباني فرنسيسكو بيسارا، الذي أصبح نائباً للملك في البيرو، بنقض الاتفاق وقتل ملوك الإنكا وقادتهم، ثم قام بنهب كنوزهم، وتدمير حضارتهم، واستعباد شعوبهم في مناجم الفضة. كما لاقت حضارة المايا نفس المصير في جنوب المكسيك وغواتيمالا، وكذلك حضارة الأزتيك، والمئات غيرها من الأمم والشعوب الهندية في سائر أرجاء القارة الأميركية.

منذ وصول كولومبوس عام 1942 وحتى 1726 جرى التعامل مع الهنود على أساس قانون التلزيم (encomienda) . وهو ينص على أن يلتزم أحد القادة الإسبان شعباً هندياً معيناً ويقوم بالعمل على إحلال الدين المسيحي والحماية مقابل الحصول على جزية من الهنود، من ذهب أو فضة أو سلع أخرى، أو يد عاملة على أساس السخرة. وفي ظل هذا القانون جرى تجريد الهنود من الأراضي الصالحة، واستيلاء الفاتحين عليها، واستعباد الشعوب الهندية بالسخرة واستباحة حياتهم وممتلكاتهم ونساءهم. فمات العديد منهم بالمجاعة والمرض، حتى ان البعض كانوا يسخرونهم للعمل دون إعطائهم الطعام، وعندها يموتون، يأتون بغيرهم، في أبشع عملية وحشية في التاريخ. وما تزال آثار المناجم التي زهقت فيها أرواح ملايين الهنود، ماثلة للعيان في سائر أرجاء العالم الجديد. فمن اجل الحصول على الذهب والفضة جرى استباحة كل شيء. يقول أحد المفكرين الهنود: "إن الفاتحين كانوا يعبدون "مامون" (الثروة) وليس المسيح الذي باسمه ارتكبوا بحقنا أعظم الفظائع".

في الواقع، كان كل هم ملوك أوروبا وقادتها الحصول على الذهب والموارد، لملء خزائنهم وتمويل حياة البذخ في البلاطات، وهذا ما حكم تصرفاتهم حيال السكان الأصليين. فبالرغم من نداءات بعض رجال الدين والمصلحين، نجح ملوك أوروبا في إخضاع الكنيسة لمشيئتهم ومصالح مشاريع الاستيلاء على الثروات. فباسم المسيحية قاموا بكل ما يناقض قيم الدين والأخلاق الإنسانية. واليوم ترتفع أصوات كثيرة من رجال دين محترمين، متضامنين مع قضايا الهنود الأصليين، لتنتقد جوانب التاريخ المظلم والممارسات التي استغلت الدين لمصالح الأطماع بالثروة.

وفي الولايات المتحدة كان مصير الهنود أشد فظاعة من سائر أرجاء القارة. فالفاتحون الانكليز تعاملوا مع الهنود على أساس أنهم العرق الملعون. واعتبروا أن أميركا هي أرض الميعاد لشعب الله المختار، الأبيض الأوروبي، أما الهنود الأصليون، فإنهم الكنعانيون، مستحضرين بذلك ما ورد في العهد القديم (التوراة). فاعتبرت مسألة الإبادة عملية مقدسة مباركة من الله. ولم يبق من عشرات الملايين من الهنود سوى جماعات لا تتجاوز المليونين يعيشون في حالة من البؤس، وهم بمعظم موجودون في صحراء أوكلاهوما. ويوجد اليوم عشرات المجلدات التي تروي الفظائع التي ارتكبت من عمليات الإبادة ضد الهنود.

أما في أميركا اللاتينية، فقد جرى التعاطي مع الهنود على أساس استغلالهم واستعبادهم، وقد أنتج ذلك تمازجاً أنشأ شعباً خليطاً من الهنود الأصليين، والإسبان، والزنوج الذين استقدموا كعبيد أرقاء. وهذا المزيج هو اليوم أكثرية في معظم دول أميركا اللاتينية (Mestizos). أما الهنود الأصليون فمتواجدون بنسب متفاوتة في مناطق القارة، وهم يشكلون الغالبية السكانية في دول مثل غواتيمالا، البيرو، وبوليفيا، ونسبة عالية في التشيلي، والمكسيك، والإكوادور، وغيرها. وجميع هؤلاء الهنود الأصليين يعتبرون الأكثر فقراً بين السكان، ومن بينهم يبرز قادة، ومفكرون ورجال دين ورؤساء جمهوريات ك"إيفو مورالس" رئيس بوليفيا، وآخرون في دول أخرى.

في الحقيقة إن أميركا اللاتينية بدأت اليوم تكتب تاريخها وترسم معالم شخصيتها الثقافية. وأخذت تزيل خطوة بعد خطوة، تلك التشوهات التي طبعت حياة شعوبها، وأخضعتها على مدى عدة قرون، لإملاءات أوروبا الاستعمارية، وعمليات التزوير الثقافي والتاريخي. وعن تلك الحقبة الملمة من تاريخ أوروبا بحق هنود القارة الأميركية، يقول الرئيس تشافيز في تعبير بليغ ومختصر: "إن أوروبا الاستعمارية يجب أن تعتذر من سكان أميركا الأصليين".