العدد الثامن والثلاثون - كانون الثاني

"أور" مدينة ابراهيم

الاب سهيل قاشا
الاربعاء 14 كانون الثاني (يناير) 2009.
 

أور اسم سومري معناه: النور، الضياء، اللهب، الفجر.

 

موقعها:

تقع "أور" في بلاد سومر، جنوب العراق، وتبعد 9 كيلومترات عن نهر الفرات (شرقه) وتمتد على تلال عديدة باقية لغاية اليوم. أخذت مكانتها وأهميتها في التوراة، لأن منها انطلق ابراهيم الخليل وعشيرته (تكوين 11:28). وكشفت الحفريات ان هذه المدينة تعود إلى ما قبل الألف الرابع قبل الميلاد.

بناها السومريون، واحتلها الأكديون ثم البابليون والعيلاميون والكلدانيون على التوالي. وأثبتت الدراسات والاكتشافات الحديثة ان مدينة "أور" كانت مركزاً لحضارة راقية. وتقول سجلاتها القديمة التي اكتشفت فيها ان بعض ملوكها حكموا سنين طويلة. كما ترجّح بعض المراجع ان فيها طبقة من رواسب الطمي تدل على ان طوفانا عظيماً وقع في أرض ما بين النهرين.

وتقول بعض المراجع العلمية الحديثة ان حضارة وادي الرافدين وقبل اكثر من خمسة آلاف سنة اتسعت وسيطرت على كل الشرق الأوسط، وإن "أور" هي أول مدينة عُرفت بكثرة سكانها وتطور الاقتصاد فيها. ويروى أنها أول منطقة وجد فيها السيراميك في ذلك العصر. كما أن الشرق عرف في هذه الفترة ازدهار الزراعة وتطورها.

ومن أهم ما بقي من آثار المدينة مقبرة ملكية يرجع تاريخها الى 2500 سنة ق.م، وتحتوي على جواهر ثمينة ومصنوعات من الفضة والذهب. وقد دلّت الكشوفات على أن ثمانية وستين من الخدم قد دفنوا مع الملكة "شبعاد" ليقوموا بخدمتها في الحياة الأخرى.

وقد امتدت "أور" في عصر الملك "اورنمو" حوالي عام 2350 قبل الميلاد، على معظم أراضي ما بين النهرين. وقد شيد الملك "زقورة" او برجاً هيكلاً عظيماً، وكان الاله نانا "سين - القمر" يعبَد على قمته. وتتجلى مكانة "أور" التجارية المهمة، من خلال ما عثر عليه من لوحات طينية كتبت عليها وثائق معاملات تجارية.

ولدى وصول الفرس، تحولت "أور" الى مدينة ثانوية، وخسرت كل اهميتها.

 

مراحل تاريخ أور:

مرت أور بثلاث مراحل:

أور الأولى (حوالي 2950 قبل الميلاد).

أور الثانية (2800 قبل الميلاد).

أور الثالثة (2350 قبل الميلاد).

مع تعدد الملوك في كل مرحلة من المراحل.

سنة 2500 ق.م بدأت اول سلالة في "أور" مع "أورنامو" الذي معه بدأت نهضة سومرية، والذي ترك لنا أقدم مجموعة من الشرائع وصلت الينا حتى الآن، ومنها شريعة حمورابي. وهناك اكتشفت المدافن الملكية، والى ذلك الزمن تعود الزقورة المشهورة التي نجدها اليوم قرب تل المقيّر.

بدأ التنقيب في "أور" سنة 1853 م. فظهر ان تاريخها يعود الى الحقبة السابقة للتاريخ وتحديدا الى الألف الرابع الخامس قبل الميلاد. وقد اكتشف فيها أول أثار للكتابة مع لوحات عديدة في كتابة مسمارية تصويرية.

وفي الزمن السومري، سيطرت "أور" ثلاث مرات على جنوب بلاد ما بين النهرين. ثم سيطر عليها المحتلون الفرس لغاية سنة 529 ق.م.

 

 

ابراهيم في " أور"

 

"آرام" اسم حمله أول الآباء في التوراة: "تارح" والد "أبرام" و"ناحور" و"هاران" من نسل "سام بن نوح" (تكوين 11:26) "ولا يكون اسمك أبرام بعد اليوم، بل اسمك ابراهيم" (تكوين 5:17) وقال له: "أنا الرب الذي أخرجك من أور الكلدانيين لأعطيك هذه الأرض ميراثا لك" (تكوين 5:17).

ولا يقتصر اسم الكائن على الدلالة على شخصه، بل يحدد شخصيته أيضاً. فإذا حدث تغيير في الاسم حدث تغيير في المصير. هكذا الحال في اسم يعقوب حين استبدل الله اسمه بإسرائيل (تكوين 10:35) واسم ابراهم او ابراهيم يعني "الأب العظيم" "كريم النسب" او "أب شعوب كثيرة".

تدل المراجع الكتابية على ان ابراهيم ينتمي الى قبائل البدو التي جاءت من بلاد الرافدين بين سنة 2000 و 1700 ق.م الى بلاد كنعان.

واذا عدنا الى سلسلة التوراة، نجد انه يرتبط بمعظم القبائل بنسل عابر"وعاش "عابر" بعدما ولد "فالج"، أربعمئة وثلاثين سنة، فولد بنين وبنات" (تكوين 16:11)، كما اتصل بواسطة اخيه ناحور بالأراميين (تكوين 24-2:22) وبابنه اسماعيل بالاسماعيليين (تكوين 21 -18:21) وبابنه اسحق وحفيده يعقوب او اسرائيل ببني اسرائيل، وبامرأته قطورة بعدد من القبائل العربية (تكوين 4-1:25) وبابن اخيه لوط، بالموآبيين والعمونيين (تكوين 19:36-38).

 

موطنه:

موطن ابراهيم هو أور في بلاد كلدة (الكلدانيين) حسب ما جاء في نحميا: "انت الاله الذي اخترت أبرام وأخرجته من أور الكلدانيين وجعلت اسمه ابراهيم" (نحميا 9:7). والأمر معروف عند شعب الله ان موطن ابراهيم هو أور الكلدانيين: "وقال له: أنا الرب الذي أخرجك من اور الكلدانيين لأعطيك هذه الأرض ميراثاً لك" (تكوين 15:7). وجاء في يهوديت: "ان هذا الشعب هو من نسل الكلدانيين. أقاموا أولاً في ما بين النهرين، لأنهم أبوا اتباع آلهة آبائهم المقيمين بأرض الكلدانيين" (يهوديت 5: 6-7).

ومن شارحي التوراة من يقول إن ابراهيم معاصر لحمورابي، ومنهم من يستبعد هذا التقارب في التواريخ.

وعلى الرغم من الازدهار في تلك الحقبة، لم تخل من الحروب والغزوات وحتى الاضطهادات في بعض الأحيان. وهناك مرجع يقول ان مجزرة كبرى حصلت في أور مما أ\ى الى هجرة قبيلة "تارح" منها خوفاً من النزاعات الداخلية والاحتلالات الخارجية.

عاش ابراهيم الجزء الأول من حياته مع أبيه واخوته في أور الكلدانيين وتزوج من ساراي، وبعد موت أخيه هاران، رحل هو وزوجته وتارح أبوه ولوط ابن أخيه من اور. وينسب الكتاب المقدس هجرته الى أمر من الرب: "وقال الرب لأبرام: انطلق من أرضك وعشيرتك وبيت أبيك الى الأرض التي أريك. وأنا أجعلك أمة كبيرة وأباركك..." (تكوين 12: 1-2)، ويقطع أبرام جميع روابطه الأرضية لينطلق الى بلد مجهول.

رحيل ابراهيم كان بطلب مباشر من الله، وهو أن يترك كل شيء. وقد عبّر الكاتب عن متطلبات الله هذه عندما حشد المفردات وجمعها: "أرضك، عشيرتك، بيت أبيك". اراد الرب ان يقلعه اقتلاعاً كاملاً، فلا يبقى له شيء يربطه بعبادة الأوثان. فقد تجرد هذا الرجل المتعلق بربه الطائع لأوامره من كل شيء وارتحل. وقد قالت فيه الرسالة الى العبرانيين انه رجل ايمان: "بالايمان أطاع ابراهيم وقد دعي، فخرج الى موضع كان ينبغي ان يأخذه ميراثاً، خرج لا يدري الى أين يذهب" (عبرانيين 11:8).

 

الأب سهيل قاشا