العدد الثامن والثلاثون - كانون الثاني

الدكتورميلاد السبعلي ل"تحولات": العالم يتحول من ثقافة التعليم الى ثقافة التعلم

حاوره: زاهر العريضي
الاربعاء 14 كانون الثاني (يناير) 2009.
 

مفهوم العلم والتكنولوجيا والتربية عناوين احدثت تغير وتطور في المجتمعات في ظل التطور الذي نشهده على كافة الصعد في العالم ،ويبقى السؤال اين مجتمعاتنا العربية من العلم والتكنولوجيا والتربية وللاجابة على هذه الاسئلة مجلة تحولات التقت الدكتور ميلاد السبعلي الذي له تجربة مميزة في هذا المجال .

 

 

في ظل التطور الذي نشهده على كافة الصعد في العالم، أين أصبح مفهوم التعلم والعلم ؟

 

هناك تحول على صعيد العالم من ثقافة التعليم الى ثقافة التعلم، من مفهوم الطالب المتلقي الى مفهوم الطالب الباحث والناقد. هنا يأتي دور التكنولوجيا بتعزيز التحول التدريجي لفلسفة الأستاذ (أي المعلم) من ناقل للمعرفة الى دور المسهل لتقنية التعلم والمرشد والمدرب للطالب بكيفية التفكير والتعامل مع الكم الهائل من المعلومات، وتنمية الحس النقدي وحس الاستقلالية في التفكير في ظل وجود كم كبير من المعلومات على الانترنت وآراء مختلفة حول الموضوع الواحد. وتكمن أهمية التدريب في خلق المقدرة على التحليل النقدي لدى الطالب للتمييز بين الصح والخطأ. فوجود التكنولوجيا داخل الصف يساعد الأساتذة على تدريب الطلاب من خلال تقسيم المجموعات التي تنمي لديهم فكرة التعلم الذاتي، والتحليل والنقد والتقييم، وذلك عبر استخدام الوسائل الحديثة التي تختصر الوقت.

 

أين العالم العربي من هذا المفهوم الجديد للتعلم والتكنولوجيا؟

 

في مجتمعاتنا العربية يغلب النظام الأبوي على المجتمع في مفهوم التربية ان كان في البيت او المدرسة او العمل. فالأب او الأستاذ هو السلطة العليا الذي لا يناقش، ورأيه هو الصواب دائماً. هذا النوع من التربية يعزز لدى الأجيال مفهوم التبعية والخضوع للخوف والاسترضاء الدائم للأب او الأستاذ او صاحب العمل، فتنمو اجيال تتبع الزعيم التقليدي او زعيم المنطقة او الطائفة. وهنا تكمن فكرة التغيير لخلق اجيال غير مقيدة ولديها مقومات حس النقد والجرأة وحرية التعبير، عبر مفهوم الديمقراطية الذي يؤسس لمرحلة جديدة تختلف عن المفهوم الأبوي السائد والمتبع الذي تعاني منه مجتمعاتنا. فترابط التكنولوجيا والتربية والمجتمع يؤسس لقاعدة متينة مبنية على الجانب الاجتماعي - النفسي، حول كيفية تهيئة الأجيال الجديدة لمواجهة العالم دون الانعزال عنه ولا الذوبان فيه. وهذا المفهوم يتم عبر إدخال التكنولوجيا لتثبيت اساليب التعليم الحديثة التي تؤدي الى تغير جذري في فلسفة التعليم والتعلم، وبالتالي في فلسفة حرية إبداء الرأي والجرأة والاستقلالية الفكرية والابداع والتجديد والقدرة على النقد وعدم أخذ الأمور بطريقة عشوائية. هذا المفهوم يؤسس لجيل يستطيع التفاعل مع مجتمعه ويستطيع كذلك ان يتعاطى مع العالم بثقة دون ان يعني ذلك الكفر بثقافته وحضارته ومجتمعه وانتمائه. هنا نضع التكنولوجيا بتلاؤم مع الهوية القومية دون الخوف من مفهوم المؤامرات. الواقع ان رد فعل أجيالنا اليوم ينحو أحد الاتجاهين: اما الانعزال الى حد التقوقع والتكفير والانغلاق، واما الاستهلاك والدخول في الموجة الغربية والتحول الى الصيغة الاميركية والأوروبية، وكلتا الحالتين مدمرتين.

أما ما نطرحه نحن، فهو بناء خط ثالث فكري ثقافي تربوي متصالح مع التكنولوجيا والعلم، وبالتالي وضع أساسات للفكر النقدي على مراحل: من خلال التربية على التمازج بين الأصالة والحداثة والانتماء الوطني والعلوم والتكنولوجيا لمواكبة التكنولوجيا من موقعنا الحضاري.

 

هل دخل هذا المفهوم الى العالم العربي ؟

 

ليس هناك رؤية استراتيجية تبنّت هذا المفهوم في العالم العربي بعد، والموضوع لم يأخذ حقه من الأبحاث. في المنطقة هناك تجارب رائدة كالجامعة الافتراضية كجامعة تكنولوجية، وهناك فلسفة وراء هذا العمل، وموقف ثقافي فكري حضاري يؤمن جيل يتعاطى مع العولمة بندية مع التكنولوجيا بشكل شفاف. هذه الطريقة في العمل لا بد منها لتطوير المجتمعات وتحقيق التنمية المستدامة. والواقع أننا لا نستطيع الاعتماد على التكنولوجيا فقط، فنحن بحاجة الى تسليح الجيل بنوع من الوجدان الوطني والقومي لمساعدته على اقامة الربط بين التكنولوجيا الحديثة من جهة والانتماء والهوية الوطنية من جهة أخرى.

 

 

هل هناك تقبل لهذا المفهوم من التعليم؟

 

نسبة الى حجم التعليم في العالم العربي، يشكل هذا النوع من التعلم واحد بالألف. ففي لبنان وحده مليون طالب في المدارس، وهذا الطرح يتطلب حوالي 20 سنة ليتحقق، لذلك يبقى المشروع مفتوحا.

 

هل يؤثر هذا النوع من التعليم على مفهوم الجامعة ومفهوم المدرسة؟

 

المؤسسات التربوية هي أكثر المؤسسات في العالم مقاومة للتغيير. مثلاً ما زال شكل الجامعات هو ذاته منذ 300 سنة وحتى الآن، بينما تغير شكل الشركات من 50 سنة حتى اليوم، من ناحية الهيكلية والتقنيات، حتى ان شكل الدول تغير بالنسبة الى مفهوم الخدمات ووظيفتها.

 

ما سبب هذا الجمود ورفض التغيير برأيك؟

 

قد يكون السبب المعلم الذي يخشى فقدان دوره الاجتماعي باعتبار انه حامل رسالة سامية وصاحب المعرفة، فيخاف التغيير وادخال التكنولوجيا في العملية التربوية. كما أن المسؤولية تقع على المؤسسات نفسها التي لم تفرض هذا النمط من التعليم بعد.

 

أين نحن من محاولات النهوض في العالم العربي ؟

 

محاولة النهوض العربية الأولى صبغت بطابع رومنسي وطني، لكنها لم تكن متصالحة مع العلم والتطور. بناء الانسان الجديد على قاعدة الوجدان القومي والوطني غير كافٍ في القرن الواحد والعشرين، ومحاولات النهوض بوجود المفكرين والمؤسسين كسبت وهجا معينا لكنها لم تستطع مماشاة مع التطور. لا نستطيع ان ندخل في النهضة بمعزل عن العالم. ان الثورات ومحاولات النهوض في العالم العربي من ناحية الفكر كانت متقدمة في طروحاتها،لكن الوجدان بحاجة الى اختصاص، وهذا ما قتل او جمّد محاولات النهضة بسبب فصل الوجدان عن الاختصاص. اليوم نحن امام نموذجين: نموذج حالات تملك الاختصاص ولا تملك الوجدان القومي، وحالات أخرى من أصحاب الوجدان القومي الفاقدين للاختصاص ما جعلهم في موقع المتفرج على التاريخ وليس الصانع له. حتى نستعيد دور النهضة بشكل فاعل، نحن بحاجة لربط الوجدان بالاختصاص. والنهضة التي تحدث عنها المفكر ناصيف نصار لا يمكن ان تحصل دون العلم والاختصاص المرتبط بالوجدان القومي.

 

أسست جمعية "لبنان الموحد". ما هو دورها ؟

 

جمعية "لبنان الموحد" شعارها بناء الانسان الجديد، الوجدان الوطني والاختصاص. المفكر أنطون سعاده تحدث في العام 1937 عن ضرورة تلازم الوجدان الوطني والاختصاص، لكن هذا الأمر لم يطبق على مدى السنوات التي مضت. والواقع أن عصر المعرفة له مقومات ان لم نملكها، نصبح أميين.

ولدت الجمعية في ظروف معينة خلال حرب تموز لتقوم ببعض أعمال المساعدة والاغاثة الانسانية. لكن بعد انتهاء الحرب اتخذت طابعاً آخر، ورفعت شعار التنمية البشرية. المجتمع بحاجة الى مجموعة من المؤسسات غير الحكومية التي تكمل دور المدرسة والعائلة من خلال المؤسسات غير الطائفية والاجتماعية والرياضية التي تفسح مجالاً للشباب من مختلف المناطق والطوائف، للتفاعل والتعارف، وتؤسس لبناء جيل جديد علماني ومدني يملك ثقافة الديمقراطية المرتكزة على حرية التعبير والجرأة وقبول الآخر والوصول الى حل في حالات الاختلاف.

 

هل أنت متفائل في ظل هذا الواقع الطائفي اللبناني القاتل؟

 

الواقع الطائفي موجات غير طبيعية. فعندما يترك المجتمع على سجيته يتفاعل بشكل طبيعي بعيد عن السلوك الطائفي. أما في حال الضغوط والتعبئة الطائفية، فأعداء المجتمع يضمنون وسائل اصطناعية من التفجيرات والمال وأساليب مختلفة، مما يؤدي الى وضع طائفي متأجج. بدليل أن المناطق اللبنانية ظلت مغلقة طيلة 15 عاما من الحرب، وعندما فتحت الخطوط وانتهت الحرب عادت الأمور الى عهدها طبيعي. ما حدث خلال السنوات الثلاث الماضية هو تأجيج لحال الطائفية في سبيل ترسيخ مشروع الشرق الأوسط الجديد واستهداف قوى المقاومة والممانعة في المنطقة. وجاء اغتيال الرئيس رفيق الحريري ومن بعده حرب تموز، ضمن هذا السياق الذي أثبت فشله. فاضطر أصحاب هذا المشروع الى تغيير أساليبهم اليوم، مما سيؤدي الى تخفيف الشحن والضغط والحقن الطائفي. لذلك نلحظ أن موجة الطائفية خفتت عما كانت عليه في السنوات الماضية.

 

ما هو دور العلمانيين في مواجهة الطائفيين؟

 

أذكر يوماً قال نصري الصايغ: علينا ان لا نشتم الطائفيين بل العلمانيين. الطائفيون نجحوا لأن العلمانيين لم يستطيعوا ان ينجحوا من خلال مؤسساتهم. نحن بحاجة لوجود مؤسسات مدنية قادرة على اجتذاب الشباب والتفاعل معهم. فالمؤسسات المدنية القديمة أصبحت ذات لغة خشبية ولم تستطع تطوير مفاهيمها ورؤيتها. نحن بحاجة الى نوع من التكتل لجميع المنظمات العلمانية والاتفاق على مشروع علماني موحد، ليكون لدينا وجود يوصل أصواتنا ولنخرج من لغة التكفير لبعضنا. الديمقراطية مسألة تتطلب ثقافة وممارسة ثقافة الديمقراطية تبدأ بثقافة التوافق. الحركات العلمانية خاطبت الفرد والجماعة بأشكال مختلفة. فلدى اليمين العلماني الفردية هي الأساس وقد تمثل هذا الجناح بالأنظمة الرأسمالية المتوحشة. أما اليسار العلماني، فقد مثلته الأنظمة الاشتراكية التي ألغت الفرد والمبادرة الفردية والابداع، والرأسمالية أوصلت الفرد الى حد الفوضى.

 

ما هو البديل برأيك؟

 

هناك أنماط لتصنيف القيادة في العالم. بشكل عام هناك شيء تصونه القيادة الحكيمة عبر شخص يدير الأمور بجرأة. التناغم بين الفرد والجماعة مجموعة تتفق على قائد وتدعمه. فالأحزاب اخذت الفردية القاتلة وأصبح هناك فرد حاكم على الجماعة عبر سلطته، في الأحزاب النهضوية فتفرض على كل فرد يدخل الى الحزب ان يزيد قيمة على الجماعة، لا ان يتقوى بالحزب على الجماعة.

هذا موضوع اساسي له علاقة بالتربية فمسألة التربية داخل المدرسة او الجامعة او البيت عندما تدخل التكنولوجيا فيها وتعطي الأستاذ رسائل لتعزيز دور وثقة الطالب بنفسه وقدرته على الانصهار في فريق عمل والتناغم مع المجموع الذي قد يختلف معهم على آراء معينة ولكن يصلون الى تفاهم وينضمون الاختلاف. هذه الأمور التربوية تؤسس الى جيل جديد نهضوي حقيقي يرفض التبعية ولا يذهب الى الفروقات التي تبني حلقات ومراكز قوى وصراع داخل المؤسسات سواء كانت جمعيات او مؤسسات في المجتمع.