العدد الثامن والثلاثون - كانون الثاني

ورشة عمل في البحر الميت:

تعميم ثقافة احترام القانون في العالم العربي عبر وسائل الإعلام
الاربعاء 14 كانون الثاني (يناير) 2009.
 

لم يخفِ الكثير من الصّحافيين اللّبنانيّين والأردنيّين الذين دُعوا للمشاركة في ورشة عمل في البحر الميت بعنوان "تعميم ثقافة احترام القانون من خلال وسائل الإعلام في العالم العربي "استغرابهم ودهشتهم من طرح موضوع كهذا في عالم عربي يعيش حال جفاء مع مفاهيم القانون وحقوق الانسان .

"قانون" و"عالم عربي" مصطلحان يشكّلان معادلة ساقطة شبيهة بمعادلة النّار والماء . فالعالم العربي يعني من جملة ما يعنيه : الفساد وغلبة الأعراف على القانون ، والمواطن المنهك الذي لا يعرف حقوقه ، وإن عرفها لا يدري كيف يصل إليها ، وأنظمة سياسية تنتهك القوانين يومياً بعدد المرات التي تتنفس بها  .

عنوان بدا إلينا أشبه بالسفسطة الفكريّة، كصحافيين عرب عارفين حجم الفساد الذي ينخر نخاع المجتمعات العربيّة، ومدركين جيّداً أنّ البعد الزّمني الذي يفصلنا عن اليوم الذي تسود فيه ثقافة احترام القانون يمكن أن يقاس بالسّنوات الضّوئيّة. و ما زاد الاستغراب أكثر أنّ الجهات الرّاعية لورشة العمل، وهي "المركز الوطني للمعلومات الاستراتيجيّة" هي منظمة غير حكوميّة مقرّها واشنطن يرأسها روي غودسون الأستاذ في جامعة جورج تاون منذ أكثر من ثلاثة عقود ، ومؤسس "مشروع ثقافة احترام القانون" و"المنتدى العربيّ لثقافة احترام القانون"، مقتنعة بأنّ الفالج العربيّ قابل للعلاج رغم تشخيصهم الجيّد لمرارة واقعنا العربيّ .

انتشال الصّحافيّين اللّبنانين والأردنيّين من حال الإحباط العميق النّاشئ عن الانتهاك الدّائم للقانون والدّستور وتحفيزهم لتبنّي خيار  تعميم ثقافة احترام القانون عبر وسائل الإعلام، اعتمد بشكل أساسي على استعراض تجارب ونماذج متعدّدة من العالم : النّموذج الأكثر تأثيراً وتعبيراً كان من جزيرة صقليا الإيطاليّة ومن عاصمتها باليرمو التي انتفضت على المافيا والجريمة والموت وتحوّلت إلى مدينة صاخبة مليئة بالحياة والأمل . وكذلك من بوغوتا وهونغ كونغ اللّتين تحوّلتا بعد سنوات من الفساد إلى مكان يعتنق حكم القانون .

ندوة البحر الميت تحمل الرّقم أربعة في إطار مشروع ثقافة احترام القانون في العالم العربي ، وهي تأتي بعد اللّقاءات التي عقدت في مدينة باليرمو وصقلية ودبي  وجمعت دفعات مختلفة من الإعلاميّين .

وبعكس الطّابع النّظري والمملّ لورشات العمل، يتبع القيّمون على هذه الورشات أسلوباً يمزج  النّظريّ بالعمليّ وفق خطّة مدروسة . هذه الخطّة سيكون مقدّراً لها أن تثمر مشاريع إعلاميّة واعدة تُترجم مشاريع حيّة في الصّحف والمجلّات والدّوريّات والإذاعات ومحطات التّلفزة والمواقع الالكترونيّة .

ووقد نجح العقد المهني والأخلاقي الذي التزم به المشاركون أمام أنفسهم وأمام المنظّمين والذي ينصّ على العمل بأسلوب الفريق الواحد بتشكيل ضمانة بأنّ الورشة لن تكون حصّة سياحيّة أوفقاعات زبد كفقاعات البحر الميت التي لم يتسنَّ للصّحافيّين التّمتّع بها نتيجة البرنامج المكثف والجدي .

في أذار المقبل سيكون الجميع على موعد مع اللّقاء مجدّداً في بيروت بغية تقييم المشاريع التّجريبيّة التي كُلف الصّحافيّون بتنفيذها لمناقشة ردود الفعل عليها. وهذه المواضيع جميعها تتعلّق بتعميم ثقافة احترام القانون والدّروس الإيجابيّة التي يمكن استخلاصها لتحسين ورشة العمل المقبل.

النّقاشات والسّجالات والمماحكات الفكريّة البنّاءة التي دارت على مدى أيّام الورشة ، شكّلت تمريناً فكريّاً وسّع الأفق المعرفي لدى الكثير من الصّحافيّين حول مفاهيم حقوق الإنسان وتعميم ثقافة احترام القانون عبر وسائل الإعلام، انطلاقاً من التّمييز بين مفهومي "حكم القانون" و"الحكم بالقانون" وانتهاءً بمفهوم الرّبط بين تطبيق القانون وتحسين مستوى ونوعيّة حياتنا .

والميزة الإضافيّة لورشة البحر الميت أنّها جمعت مروحة واسعة من الاختصاصات الصّحافيّة من الكتّاب والمحلّلين السّياسيّين والمنتجين الدّراميّين ومقدّمي البرامج التّلفزيونيّة، الى الكتّاب المسرحيّين والمحررين والمراسلين ومقدمي نشرات الأخبار الإذاعية والتّلفزيونيّة. غير أنّ الاهتمام الأكبر في الأوراق المقدّمة في ورشة هذا العام تركّز على الدّور الذي يمكن للدّراما والأفلام الوثائقيّة أن تلعبه في تعميم ثقافة القانون.  من هنا، لا نستغرب إعجاب المنظّمين بالمسلسل السّعودي الكوميدي اللاذع "طاش ما طاش" .

أهميّة ورشة البحر الميت لا تأتي من عنوانها فقط، بل من المحاضرين الذين ساهموا فيها، من عدنان العواملة صاحب الاسم الأوّل في عالم الإنتاج الدّرامي على صعيد العالم العربي كلّه ، ورئيس مجلس إدارة المركز العربي للخدمات السّمعيّة والبصرية ، إلى جفري بيرمان المدير التّنفيذي لمشروع ثقافة إحترام القانون والذي تعاون مع منظمات دوليّة غير حكوميّة لإدارة برامج خاصّة بثقافة احترام القانون في كلّ من الشّرق الأوسط ودول القوقاز والأميركيّتين ، إلى الكاتب الأميركي جوزف براودي صاحب الخبرة السّياسيّة والثّقافيّة الواسعة بمجتمعات الشّرق الأوسط وإيران ، إلى الكاتب السّعودي منصور النقيدان ، صاحب القلم الجريء السّاعي لإدخال المفاهيم الحداثيّة إلى المجتمع السّعودي ، إلى الصّحافي السّعودي ناصر الصّرامي أحد أكبر المنتجين في محطة MBC و قناة العربيّة الإخباريّة ، إلى رئيس تحرير صحيفة الدّستور الأردنيّة والكاتب و المحاضر الجامعي في مادّة علم الإجتماع أسامة الشّريف ، إلى المنتج التّلفزيوني و الكاتب المسرحيّ والرّوائي الأميركي من أصل لبناني جون خوري الحائز على جائزة أوسكار.