العدد الثامن والثلاثون - كانون الثاني

مهرجان دمشق السينمائي الـ16

الضرورة والنزق
الاربعاء 14 كانون الثاني (يناير) 2009.
 

نجيب نصير

ربما كانت من أجمل مفاجآت مهرجان هذا العام ذلك الفيلم القصير(بيروت بيروت بيروت ) الذي قدمه عاصي الرحباني جونيور، فعلى الرغم من خفة الروح التي بدا فيها فيلم عاصي الرحباني الا انه كان فيلما جارحا بامتياز للذين يمارسون بيروت أو للذين يعرفونها ولو قليلا والأهم جمهور دمشق من عرفوا عاصي الكبير وفيروز وزياد ليكمل عاصي جونيور السلسلة ولكن سينمائيا هذه المرة، كميرا بسيطة ومعبرة وحيوية تلاحق مساء بيروت بتفاصيلها النزقة عبر سائق تكسي خريج الحرب الأهلية وهو يقل سائحا أميركيا إلى فندق نكرة لا يعرفه أحد، تفاصل  بيروت النزقة على لسان هذا السائق الذي اختلطت لديه لحظات الحياة قاذفا الحرب الأهلية بشتائم البطولة ذات الوجوه الملتبسة، شارحا للسائح الأميركي ماهية بيروت الحقيقية دون أن يفهم هذا الأميركي أو بالأحرى لا يريد أن يفهم شيئا.

ما يهم هو سؤال واحد هو هل تغاير الإبداع بين الثلاثة العاصيين وزياد ؟ البتة فقد قدم الرحباني فيلما رحبانيا تشع من صوره عقلية رحبانية واضحة انه صورة سينمائية لكلمات زياد التي لا تخبو.

 ربما جاء هذا الفيلم ليخفف من غلواء الحديث عن ضرورة مهرجان دمشق السينمائي وعن مثالبه وعيوبه !! في كل الأحول هذه ليست المرة الأولى التي يتكاتف المهتمون بالثقافة مع معاكسيهم بالهدف والغاية والوسيلة، فصالة السينما في سوريا وابتعاد الناس عنها هي ضحية مشتركة بين المثقفين ( الثوريين ) الذين ما فتئوا بانتقاد ( وليس نقد ) السينما التجارية وخواصها المدمرة في تحالف ينقصه الذكاء والمعرفة من طرف الثوريين مع دعاة التخلف والجهالة، فقد اجتمع الطرفان كي يكون ضد السينما فالسينما التجارية مهما كانت ضحلة هي أم السينما الجادة أو الثمينة أو الروائعية، لتعاد الكرة مع كل خطأ في تنظيم أو عرض أو ندوة.

في كل مهرجان أو مؤسسة هناك مثالب وأخطاء كثيرة ، وقد تكون من النوع الذي لا يمكن إصلاحه ، ولكنها لا تودي إلى المطالبة بإلغاء المهرجان أو اليأس منه أو عدم تبين ضرورته القصوى في حال ثقافية كحالنا تجتاحنا عواصف التخلف من أكثر من جهة لتبدو مجابهة هذا المهرجان أو ذاك بهذا الكم من العداء خطوة على درب إلغاء الثقافة ووسائلها المعاصرة، وهذه تهمة ليست تخوينية بقدر ما هي دعوة لحساب الخطوات التي تقودنا إلى التهلكة أو عكسها، فالمهرجان ضرورة ( سينمائيا كان ام غيره ) انه دعوة للتفاعل واكتشاف الهوية من شرفة مرتفعة نرى منها أنفسنا والآخر عبر سباق الإبداع الذي لا ينتهي.

يتألف مهرجان دمشق السينمائي كعادته من مجموعة كبيرة من الفعاليات والنشاطات تصب محصلتها في النشاط الثقافي للمنطة ككل، حيث تتم استضافة مجموعة كبيرة من الفنانين والمخرجين يجتمعون تحت رايته كورشة عمل متنقلة بين اللقاءات والندوات والعروض التي تأخذ الأهمية الكبرى من إدارة المهرجان لأنه سوف تقدم للجمهور، صحيح أن جمهور دمشق متقلص جدا عن الماضي إلا انه بدأ باستعادة نشاطه والعودة إلى صالة السينما التي هجرها متأثرا بالإغراءات المقدمة فهناك أكثر من أربعمئة فيلم قسمت على العديد من التظاهرات والعروض، فمن تظاهرة أفلام السيدة فيروز ( التي حصدت حتى الآن مشاهدة جماهيرية واسعة على الرغم من توفر أفلامها على أقرص سي دي ) إلى تظاهرة أفلام يوسف شاهين،هناك تظاهرة الأوسكار التي تعرض كافة الأفلام الحائزة على أوسكار أحسن فيلم منذ الدورة الأولى وحتى الآن، بالإضافة إلى تظاهرة مارتن سكورسيزي واندريه تاركوفسكي، وتظاهرة البحر والسينما و درر السينما من الأفلام الخالدة هذا بالإضافة إلى أفلام المسابقة الرسمية من قصيرة وطويلة، ما يعتبر بحد ذاته وجبة دسمة وشهية للمشاهدة تقدم كخدمة إلى أجيال تسمع بالسينما ولم ترها على حقيقتها.

أفتتح المهرجان هذا العام بحفل فني شديد الأهمية والذكاء قام بتصميمه وإخراجه الفنان السوري ماهر الصليبي حيث تم تقديم وجه جديد للرقص المعاصر في سوريا، محضرا لدسامة حقيقة التي تجلت في ضيوف المهرجان الذين تم تكريمهم عبر استعادة حضورهم الذي أسس لمتعة السينما مثل كلوديا كردينالي وكاترين دونوف وريتشارد هاريسون وفرانكو نيرو بالإضافة إلى تكريم النجوم الشعبيين من مصر وسوريا ولبنان مثل نادية الجندي ونور الشريف والسي فرنيني وكارمن لبس وهيثم حقي وسلاف فواخرجي وسليم صبرى، هذه الأحتفائية البهية جعلت من حفل الافتتاح حارا وجميلا وربما تذكاريا أيضا.

ماذا نريد من السينما ؟؟ أو من مهرجانها الدمشقي العتيد ؟؟

لا نريد شيئا نريد ان نستمتع بالأفلام فهي بالمقام الأخير مجرد أفلام نقبلها أو نرفضها ولا نريد صنع طواطم سينمائية بناء على معارك ثقافية خلبية..... لأنه وببساطة شديدة. كل فن ضرورة وعلينا حمايته من أنفسنا أولا.