العدد الثامن والثلاثون - كانون الثاني

"عقل وأيقونات وأحاسيس" لجوسلين صعب:

تناقض الغرب والشرق في أيقونات
الاربعاء 14 كانون الثاني (يناير) 2009.
 

 "عقل، أيقونات وأحاسيس" هو عنوان معرض المخرجة اللبنانية جوسلين صعب الذي استضافه معرض "بلانيت ديسكوفري" في وسط بيروت ابتداءا من يوم الثلثاء 6 تشرين الثاني ولغاية 29 منه، بالتزامن مع عرضه في مهرجان  IMMAGINI DI DONNA في مدينة فلورانس الايطالية.

ويضم المعرض مئة لوحة وقد قسّم الى شقّين: الأوّل يضمّ لوحات تحت عنوان "عمارات لينة" وهي عبارة عن روحانيات وأضواء ومسح طبيعي في الشكل والمضون حيث تلقي جوسلين صعب الضوء على إحساس الشرق: خيام صحراء، وشاح، أقمشة، وحبال وخيوط، تتناغم تذوب وتتجسد، تتقطع وتتواصل. تصميم من صحراء قِوامهُ خيالات وأضواء وإحساس، جنس وحرمان وكبت. كما أن هناك نظرة إلى أجسام تُعيد في ثناياها وشرودها المطولات البطولية عند العرب، وتصبّ الأضواء على لوحات من عصر النهضة في الغرب.

 

 

ويؤكّد المنسق الاعلامي للمعرض ، الممثّل والصحافي نصري الصايغ، أنّ صعب قد استوحت من شخصيّات شرقيّة عريقة في الأدب العربي، والشعر والموشّحات وال"عنتريّات" مثل أبو نوّاس، وأنّ الضوء هو المادّة الأساسيّة لديها لأنه بنظرها "شقيق الصمت والتأمل".

أما الشق الآخر من المعرض فكان عبارة عن أيقونات استعملت فيها المادّة كما هي، انتقت الفنانة شخصياتها من سوق البرغوث وبيروت وحتى شوارع القاهرة.

اختارتها من على عربات البيع وواجهات المحال ، ومكبّ النفايات والأزقّة : صدام حسين، مارلين مونرو، عبد الناصر، باربي ، كوكا كولا، طابات، محفظات، أقلام، بالاضافة الى شخصيات تاريخيّة مختلفة مازالت تسكن عدسة خيالها. واستطاعت الفنانة أن تصنع فنّها من مادة بسيطة جدا هي القماش. 

عند جوسلين صعب، يحضر الشرق في الأيقونة الذكر المتمثلة بالرجل/الكوفية التي ما زالت على حالها منذ مطلع القرن الفائت، "تتجلى ببلاهة ابتسامة معبرة عن بطولة فارغة، أكانت مصنوعة من جص، أم من مواد بلاستيكية" بحسب الصايغ. أما الغرب فيتمثل بالأيقونة الأنثى، وتحديدا بالدمية "باربي"، وما تمثله من تطرف في نحافتها، ولون شعرها الأشقر المصطنع، وابتسامتها المسبوكة من كاوتشوك أبدي. وفيما تعرضت "باربي" إلى حملة تشهير ونقد من التجمعات النسائية، تعتبر صعب أنّ "باربي" تمثل الكبت الإجتماعي والسياسي والعبوديّة في الشرق.

أضاءت جوسلين صعب على أخطاء وشواذات مجتمع يطمر الفكر السرّي والخفي والمخبوء واللامرئي، لتعلن عن أثر العولمة في الشرق لجهة التقاليد والعادات والأعراف عند العرب، والتي لا يجرؤ احد على اظهارها. وكما قال الصايغ: "إنها تفضح المجتمع السري عند العرب و تعيد إحياء وتحريك اللاوعي الجمعي، من خلال هذه الصورة الجامدة، والدالة على حالة الاستلاب".

لدى تأمل الايقونات، نشعر في البداية بالتناقض الشديد في استعمالها كما نلاحظ نوعا من السخرية بطريقة كاريكاتوريّة.

عمل جوسلين صعب يظهر في الوقت نفسه آلية الرفض وآلية القبول في المخيلة العربية ازاء تعاملها مع الغرب، وتتحول فيه الحكايات وعوالمها وأبطالها، إلى ركائز هوية لمجتمعات مصابة بالكبت والإحباط، مستخدمة الحكايات والأساطير المتنوّعة والرموز والأشكال الغنية، لتضفي على موضوعاتها مسحة انسانية فائقة.

 اختيار المخرجة لعناصر الديكور ليس عبثيّا، أنّما المقصود الأول الطبيعة التي تتراوح عناصرها بين مادة متعرجة، وأخرى ملساء. وترتيب اللوحات كان مدروسا ومنظما، فكل صورة مرفقة باسم أو عنوان، ومنها: الحديقة العطرة، اطلالة حبّ، بانتظار الحبّ، ومنها ما يعبر عن تناقضات الغرب والشرق مثل كوكاكولا، الجنس في المدن العربية، أزياء جديدة في بغداد. والمدهش هو "الفسحة التمثيلية" التي تتحرك فيها الإيقونات البلاستيكية والجصية كأنها تمثل دورها، فجأة، وبغنى خيالي. وهنا يشير الصايغ الى أننا ان ركزنا بصرنا نلاحظ تسلسل الصور لأن اللوحات مصفوفة بشكل مدروس و متسلسل و"كأنّنا نتابع صور ومشاهد لفيلم" .

حضر المعرض جمع من الأقارب والأصدقاء اللبنانيّين والأجانب، وحشد من الفنانين ونخبة من المختصّين أبرزهم مستشار الثقافة في السفارة الأيطالية "أينّيو تروالي" وعدد من الصحافيين.

وقد تم منع عرض ثمانية لوحات التي حملت أيقونات صدّام حسين و السيّد حسن نصر الله والصليب والمسيح المصوّر بالطريقة الشرقيّة ونساء باللّباس الشرعي الأسود، باعتبار أن الفنانة صورت هذه الأيقونات بطريقتها الخاصة وعبّرت عنها بمخيّلة خاصّة وجريئة.

وفي حديث خاص مع الفنانة صعب، قالت أنها أقامت هذا المعرض لانّها كانت تودّ أن تعبّر عن شعور المجتمع العربي بشكل ما كونها فنّانة تسمع وترى وتعبّر بطريقة معيّنة وخاصة بها . وأشارت صعب الى أن المواضيع اللبنانيّة تهمها كما المواضيع العربيّة والعالميّة، لذا فهي تجمعها وتعبر عنها كفنّانة، لأنّ الفنّان له الحق في أن يعبر مثل الرجل السياسي ومثل رجل الشارع عما يراه ويشعر به.

وتساءلت صعب "اذا كنا بعد ثلاثين من أخذ طفولتنا لا يحقّ لنا ان نتكلّم، فمن ذا الذي سيتكلّم؟ وماذا سيبقى لنا؟ لبنان كان دائما رمز البلد الذي يمكننا أن نتكلّم فيه، فلو لم يأخذ الفنّانون هذا الحق، من سيأخذه اذا؟"

 

 في الواقع، هي ليست المرّة الأولى التي تتعرّض فيها المخرجة والمؤلّفة والمصورة جوسلين صعب لضغوطات بسبب جرأتها وأعمالها. فقبلها كان شريطها السينمائي "دنيا" الذي أثار موجة واسعة من الآراء المتباينة في مصر والبلاد العربية. يذكر أن صعب عرفت سلسلة متصلة من النجاحات العالمية، وقد أنجزت اكثر من ثلاثين فيلم وثائقي ونالت أكثر من خمس وعشرين جائزة منذ بداياتها في العام 1975 وحتى عام 2008 .

بتول مرعي