العدد الثامن والثلاثون - كانون الثاني

عصام حمد في " أول آكل للحم الحيوان": الجنس مستتراً خلف الرمز

معمر عطوي
الاربعاء 14 كانون الثاني (يناير) 2009.
 

جميل أن تكتب قصة، لكن الأجمل أن تستخدم لغة رمزية تمكنك من اخفاء معالم تعابيرك الاباحية، خلف مشهدية كوميدية وأحداث متقمصة في تعابير سائدة، لا يمكن لحظ مدلولاتها بسهولة.

هذه اللغة الرمزية هي ما تميزت به المجموعة القصصية الثانية للكاتب عصام حمد "أول أكل للحم الحيوان"، الذي عودنا في مجموعته الأولى "المنعطف المضاء" وفي روايته "طموح مخطوطة"، على لغة جديدة يتغيّر فيها الشكل عن المضمون. لغة تخفي خلف تعابيرها الرمزية عالم آخر يتمّرد على التابوهات والمحرّمات، ويحمل رسالة غير أيديولوجية لمجتمع آخر وذهنية أخرى قد تكون سائدة في الواقع، لكنها كامنة في ما هو مسكوت عنه في أدبياتنا وأحاديثنا العامّة.

 في مجموعته الجديدة، يعود بنا حمد الى سيغموند فريود، ليتحدث عن عقدة أوديب، بطريقة مبطّنة تختفي خلف أطباق الطعام واللحوم المحرّمة على البعض والمتاحة للبعض الآخر.

لعلّ "قصة "أول آكل للحم الحيوان"، تلك التي تتحدث عن الولد الممنوع من أن ياكل اللحوم، فيما يجوز لوالده ذلك، هي القصة الابرز الذي يستحق الكتاب عنوانها. ذلك الولد الذي يتمرد على ما هو ممنوع وما هو مسموح ليجتاح "قن" دجاج الجيران، ممسكاً باحدى دجاجاته تمهيداً لاكلها. "أمّا فضيحة ياسر ودجاجة أم نعمة فقد كبرت بهمس الأفواه في الآذان: نتف ريشها، التهم فخذيها، ذبحها وأجرى دمها! وبدلاً من أن يستدرّ ذلك عطف أهل الحارة على الدجاجة المسكينة، باتوا يتجنبونها ويحبسون حيواناتهم عن الاختلاط بها..". صور رائعة يرسمها حمد لشاب ضاجع ابنة جيرانه في مجتمع يرفض الجنس خارج اطار الزواج.

وفي المقابل، قد يكون تجسيد دور البنت في دجاجة، أمر مجحف بحق الفتاة ، واساءة الى انسانيتها. لكن الكاتب اراد ان ينقلنا الى عالم آخر، غير ملتفت الى تداعيات هذا التغيير في شكل شخوصه، مركّزاً على جوهر المشكلة التي أراد طرحها باسلوبه القصصي الجذّاب.

ويبدو أن بعض التعابير كانت واضحة في دلالاتها. اذ يقول "عاد ياسر الى حجرته على أمشاط قدميه وهو يتحسس فكّه الأسفل في خوف شديد، إنّ لي نابين صغيرين.. طويل مستدّق. أيكون هو الآلة لتمزيق اللحم؟ نعم، إنه لكذلك ! فهل يخلع لي أبي نابي حقاً؟".

في القصة نفسها تتجلّى عقدة أوديب حيث يقول:"فتح الصبي فمه ليسألها عن بقعة الدم الصغيرة التي رآها يوماً على شرشف هذا السرير. ولكنه عدل في اللحظة الأخيرة عندما أدرك فجأة أن أباه إنمّا يأكل لحماً في هذه الحجرة! هي حجرة منعزلة، مزوّدج بابها بقفل ومفتاح. انه لا يريد أن يطعمني مما يأكله من لحم، ويحاذر أن أراه وهو يأكله! وما شأن أمي في الأمر؟ هي كل شيء! أليست التي تعد له اللحم في ألذ طبق؟ في حين ترمي الي انا بضمة الفجل!".

يتعاطى عصام حمد مع الجسد بأريحية مغلّفة بالرموز خصوصاً في قصة "إجاصّة" التي يخيّل للقارىء أن أحداثها تدور في بستان في حين أنها دلالة رمزية لعضو المرأة التناسلي ونظرة المجتمع لهذا العضو وكيفية تعاطيه مع الجسد. يقول هنا "توقّف بلوطة، الحارس العجوز، في ساحة القرية أمام بوابّة صغيرة ينفرج عنها الى الجانبين جدران ممتدّان- متنبّهاً الى واجب حراسة البستان الذي تنفتح عليه".

لقد حاول حمد في مجموعته المتواضعة، لا سيما أنه الكاتب المغمور الذي لم يأخذ حقه في المشهد الثقافي، لهروبه من الأضواء، أن يقدّم عملاً ابداعيّا يبوح فيه بهواجسه وهواجس الكثيرين من أبناء المجتمعات التقليدية. لعلّه وُفّق في هذا الطرح، وان كان قد وقع في بعض الأخطاء البسيطة والشذرات التي لا بد منها.

ويتضمن كتابه الصادر عن مؤسسة الاكسبرس، 12 قصة: المتعريّة، أول آكل للحم الحيوان، الممثل الغاضب، ألم الكاحل، الوحش، السكّين، الطبّاخ والدجاجة، إجّاصة، شذوذ بدلة، الاختفاء، الأسفلت، للحجارة أكتب.