العدد الثامن والثلاثون - كانون الثاني

عيسى مخلوف: "الإفتتان بالموت" محاولة للتخفيف من وطأة الحرب والهجرة

اسماء وهبة
الاربعاء 14 كانون الثاني (يناير) 2009.
 

"نحن في زمن اعادة الاسئلة والنظر في قيم المجتمعات وأحلامها وأساطيرها. والسؤال الأساسي المطروح هو انساني بامتياز". هكذا يختصر الكاتب والشاعر اللبناني عيسى مخلوف تساؤلاته حول الثقافة المعاصرة، خصوصا أن المعرفة باتت التحدي الاكبر امام الشعر والابداع في العالم الراهن. وفي لبنان ها هو عائد ثقافيا إلى وطنه حاملا هم هجرة الشباب، طارحا أسئلة عن الغياب والحضور في الوطن الذي يتعذب فيه أبنائه، مما يدفعهم الى بلاد بعيدة كما قال مخلوف في مسرحيته "قدام باب السفارة الليل كان طويل".

"تحولات" التقت عيسى مخلوف وكان معه الحوار التالي:

تتحدث عن الهجرة والغربة في مسرحية "قدام باب السفارة الليل كان طويل". ماذا تقول عن نفسك وأنت البعيد عن لبنان؟

لقد سافرت في سن مبكرة إلى فنزويلا بعيد انطلاق شرارة الحرب الأهلية في لبنان، ثم انتقلت إلى فرنسا وتسجلت في الجامعة وحصلت على الدكتوراه في الأنثروبولوجيا الثقافية والإجتماعية. وكان حلمي أن أعيش بين بيروت وأهدن. ولكن تجري الرياح بما لا تشتيهه السفن لأن الأوطان أحيانا لا تعرف كيف تحتفظ بأبنائه، بل تشجعهم على الذهاب. وأظن أن الجرح الأساسي الذي يواكب لبنان منذ استقلاله حتى اليوم أن أبناء هذا البلد لم يتمكنوا طوال أكثر من 60 عاما على الإتفاق على قواسم مشتركة، الأمر الذي لا يسمح ببناء وطن، حتى أننا لم نتعلم من الحرب، وبتنا في مكان جاهز باستمرار لاندلاع الحروب!

 

هل هذا ما دفعك إلى كتابة المسرحية؟

إن الجرح اللبناني يرافقني في نصوصي الأدبية. لذلك لم أتوانى عن مناقشة موضوع الحرب في لبنان في أطروحة الدكتوراه تحت عنوان "الإفتتان بالموت" بمعنى الإفتتان بالدمار وليس الجمال في محاولة للتخفيف من وطأة الحرب والهجرة عن نفسي. وفي الصميم لم يتغير شيء على المستوى السياسي اللبناني، لأن هناك تناسل سياسي مستمر، فالزعيم يخلفه نجله وهكذا. وبالطبع يبقى الخطاب السياسي والبنية السياسية والنظام الطائفي اللبناني كما هو، لذلك هو قادرعلى إنتاج الحروب الأهلية كل عشر سنوات. وفي ظل هذا النظام الطائفي لا يمكن بناء مجتمع مدني يتحول فيه أبنائه إلى مواطنين حقيقيين!

 

ولكن هناك عداء مبطن للمجتمع المدني !

صحيح. ويتحمل مسؤولية ذلك الشعب والنخب السياسية على السواء. وهناك ظرفان أساسيان يفسران ما يجري في لبنان: أولهما ظرف ذاتي لأننا كلبنانيين لم نعرف كيف نبني وطنا منذ الإستقلال إلى اليوم، ولم نتعلم من دروس الحروب والتجارب. وبالتالي لا يمكن أن تتعايش 17 طائفة في بلد صغير دون دعامة مدنية ديموقراطية، حيث تحمي الدولة الحديثة المواطن. أما الظرف الثاني وهو موضوعي فيتمثل بتدخل الخارج الإقليمي والعالمي في لبنان، مما يجعل منه ساحة هشة مفتوحة للحروب.

 

عندما تتحدث عن هجرة الشباب في المسرحية، هل تقصد أن تقول أنهم يعيشون هجرة داخلية في وطنهم؟

عندما لا يحتضن الوطن أبنائه ولا يحميهم ولا يؤمن لهم الحد الأدنى من الأمن والوظيفة سيجدون أنفسهم أمام أبواب السفارات! بعد أن فرض الوحش الطائفي سيطرته عليهم وأشعرهم بالغربة داخل الوطن!

 

ولكن ألا يرجع ذلك إلى تركيبة الوعي اللبناني ومستوى ثقافته وتحول البعض إلى قطيع سياسي؟

أولا: لقد اعتاد أهلنا في لبنان على الوقوف وراء زعيم وتأييده في كل ما يقول. ثانيا: في أوروبا جرت العادة على إجراء تقويم نقدي لأي حرب بغية تجاوزها والتعلم من أخطائها. إلا أننا في لبنان لا ننفك نتبع الزعيم السياسي، كما لم نقوم نتائج الحروب التي عشناها. وفجأة نكتشف أن من تلطخت أيديهم بالدماء تبوأوا مناصب عليا وتحميهم قاعدة شعبية كما ورد في المسرحية. وهنا تتداخل المأساة بالملهاة وتجسد العبثية اللبنانية التي لا يمكن أن نجدها في أعمال بيكيت مثلا، لأن الواقع اللبناني بلغ درجة من العبثية لا تحتاج معه إلى صياغة مسرحية. لقد بات لبنان مسرح مرعب لا حدود له إذا نظرنا إليه وجها لوجه. من هنا كان ضروريا استخدام السخرية في المسرحية وإلا يتحول المسرح إلى جحيم!

 

إلى أي حد كان صعبا على صعيد النص الجمع بين المأساة والملهاة ؟

لقد انطلق النص من واقع محدد ينطوي على تناقضات عدة. فهو يدفعنا للسفر الذي يشبه الإقتلاع من الجذور بعد ترك الأهل والأصدقاء والأحباء والذكريات دون أن نعرف موعد عودتنا مما يترك فينا جرحا لا يضمده الزمن! وبالطبع كان من الصعب طرح هذه المسألة بطريقة حميمية حنينية واقعية صادمة!

 

هل قصدت وضع اللبناني أمام مسؤولياته؟

نعم. وأظن أن النص والبعد الإخراجي ساعدا على إظهار ذلك من خلال الفانتازيا. لقد شعر المتفرج أنه لا يوجد فاصل بينه وبين الممثلين على الخشبة الذين يجسدون أحلامه ومعاناته. وبالتالي شعر أن المسرحية تمس وعيه وتدين النظام الطائفي وتدعوه بشتى الوسائل لبناء دولة حديثة قائمة على المواطنية، حيث ننتمي فيها إلى وطن وليس عشيرة أو طائفة بعد أن فشلت في حماية المواطن وصيانة أمنه التي هي مهمة دولة القانون.

 

ما دور الفن في هذه المرحلة؟

لا أعرف إن كان الفن قادرا على تغيير الواقع! وإنما يستطيع أن يغير النظرة إلى الواقع. وأن يحرض، وأن يطرح الأسئلة. وهنا يكون الفن فعل مقاومة ضد الإبتذال وداعيا للجمال والمصالحة ، بعد أن ينزع المواطن القناع الذي يضعه على وجهه ليرى الآخر المختلف عنه دون حواجز، وأن يقبل بالإختلاف حتى نعيش في وطن واحد بسلام. وهذا ما ندعو إليه في المسرحية. لذلك الرهان اليوم على المثقفين المهمشين الذين رفضوا الدخول إلى طوائفهم وأن يكونوا جزءاً من لعبة الشطرنج الطائفية على الرغم من صوتهم الخفيض أمام المد الطائفي. ولكنه مع الوقت يجب أن يصبح قويا.

 

لماذا يتحول اللبناني في وطنه إلى كائن طائفي وينفضه عن نفسه حين يسافر؟

لأنه من بعيد يعيش نوعا من النوستالجيا للحياة اللبنانية بكل تفاصيلها في ظل المعاناة في الغربة. أما في لبنان ففقد البعض الحس الانساني بعد أن عاش 30 عاما من الحروب!