العدد الثامن والثلاثون - كانون الثاني

فرقة "غزل" التراثية : نغمة شرقية جديدة في عالم الموسيقى العربية

زاهر العريضي
الاربعاء 14 كانون الثاني (يناير) 2009.
 

فرقة تراثية جديدة تقتحم عالم الموسيقى العربية رغم التحديات والمعوقات على صعيد الإنتاج والقدرة على الإنتشار عموما. ولكن رغم كل ذلك حملت الفرقة رسالة الفن رغم ما يطوله اليوم من التباسات.

فكيف انطلقت فرقة "غزل"؟ وما الجديد الذي تقدمه اليوم في عالم الغناء الطربي الشرقي؟

 

* "غزل" أو فرقة "التراث الموسيقي العربي": أي من الإسمين يعرف عن الفرقة؟ ولماذا اخترتم هذا الأسم؟

الفرقة اسمها فرقة "التراث الموسيقي العربي"، وقد سميت كذلك لأنّها تُعنَى بعزف وأداء الموسيقى التراثيّة العربيّة المشرقيّة، وتحديدًا الموسيقى الكلاسيكيّة منها أو ما يعرف بالموسيقى المتقنة والفنيّة أو العالِمة. أمّا تسمية "غَزَلْ" فهناك نوع من المشاعر الغزليّة في هذه الموسيقى، مع بُعْدٍ صوفيّ. والمواضيع الكلاميّة للموشحات والقصائد والأدوار والقدود المؤدّاة في أعمالنا تشير إلى هذا العنوان.

 

* هل تتألف الفرقة من عدد كبير من العازفين والمطربين أسوة بالفرق التراثية؟ وما أهمية العدد في الفرق الموسيقية التراثية؟

الفرقة تتألف من عدد صغير من العازفين فيما يعرف ب "التخت الموسيقيّ"، لأننا نقدم أداءا خاصا يعرف بالهيتيروفونيا البعيدة عن التعدديّة الصوتيّة العاموديّة. وبالتالي تتعارض الفرقة في أدائها مع مفهوم الأوركسترا الضخمة، الموجودة في تقاليد أخرى، أوحتّى في نفس التقليد، حيث تتجّه أكثريّة المدراس الموسيقيّة اليوم المختصّة بأداء الموشحات والأدوار (في مصر وسوريا) إلى تكبير الفرقة واستخدام الأوركسترا وما إلى هنالك. ولكن الفرقة أطلقت لأوّل في تاريخ الموسيقى العربيّة الحديث آلة السّنطور المشرقي اللبناني غير العراقي. كذلك تستخدم الفرقة آلة البزق العربي في حلّة جديدة كلاسيكيّة، بعيدًا عن إطاره الفولكلوري المعهود.

* كيف هي المنافسة اليوم مع الفرق التراثية الأخرى التي زاد عددها مؤخرا؟

في لبنان، وبالنسبة للمدرسة الموسيقيّة التّي ننتمي إليها، أظنّ أنّ الفرق الموسيقيّة المهتمّة بهذا الموضوع قليلة جدًّا. فأكثرية الفرق لديها هاجسيّ التحديث من جهة، والتغريب من جهة أخرى.

أمّا في الحديث عن خصوصيّة الفرقة فهي تهتم بالعنصر الشبابي الذي يشد الجمهور إلينا على صعيد الشكل قبل المضمون.

 

من أين تستقون المقامات الغنائية التي تقدمونها؟

الفرقة تعنى بالموسيقي الكلاسيكيّة المشرقيّة، فهي تعتبر امتدادا لمدرسة النهضة التّي ظهرت في مصر (عبده الحامولي، ومحمّد عثمان...) وفي لبنان (ميخائيل مشّاقة...) وفي سوريا (الموشّح الحلبي...). والمفهوم للموسيقى الكلاسيكيّة، له ارتباط جغرافي كبير، فلا يمكن القول مثلاً أنّ هناك موسيقى كلاسيكيّة فرنسيّة، بل هناك موسيقى كلاسيكيّة أوروبيّة وفيها المدرسة الفرنسيّة أو المدرسة الألمانيّة إلى ما هنالك. وبالتالي ما من إمكانيّة للوصول إلى مفهوم موسيقى كلاسيكيّة لبنانيّة بالمعنى الجغرافي الضيّق، بل هناك موسيقى كلاسيكيّة عربيّة مشرقيّة تختص بأكثر من بلد، مع بروزٍ للمدرسة اللبنانيّة، وخصوصياتها. أما في الحديث عن المقام، فتقليدنا كلّه مقامي النـزعة ، ومبني على التلوين المقامي أثناء الأداء.

 

* ما هي الآلات الموسيقية التي تستخدمونها خصوصا أنكم تميزتم بتقديم التقاسيم على العود؟

لقد استخدمت الفرقة في حفلاتها المتنوعة، كلّ آلات التخت تقريبًا، القانون، السنطور، العود، البزق، الكمنجة العربيّة، النّاي، بالإضافة إلى الآلة الإيقاعيّة الكلاسيكيّة الأساسيّة آلة الرِقّ.

 

* هل تقتصر عروضكم على الغناء فقط أم يصاحبها عروض تراثية راقصة مثل الفرق الحلبية؟

موسيقانا ذات بعدٍ هدوئي، لا تحتمل أن توقّع عليها الحركة الجسديّة إلاّ قليلاً. والفرقة في صدد التركيز على رفع مستواها الموسيقيّ من حفلة إلى أخرى. ولم تكترث بعد بمسائل أخرى ذات طابع مسرحي أكثر منه موسيقيّ. ولكنّ من الجميل أن يفكّر المرء في استحضار رقصات مولويّة وصوفيّة في حفلاته.

* ما هي حصة الموشحات في عروضكم الغنائية؟

للموشحات حصّة كبيرة في كلّ حفلاتنا، إنّها ركيزة هامّة في الأداء وفي إيصال أهداف الفرقة عمومًا. والفرقة تستخدم الموشّحات في إطار "الوصلة"، أيّ اختيار مجموعة ما من الموشّحات في مقامٍ معيّن، والتسلسل بها استنادًا الى التدرّج في سرعة الإيقاع، وعلوّ الصوت لتحقيق نشوة هدوئيّة، يتدرّج في الوصول إليها المؤدّي والمستمع طبقا للمفهوم الصوفيّ القديم.

 

* ما هي المادة الموسيقية التي تعتمد عليها الفرقة؟

للفرقة هدف موسيقيّ أساسي، وهو تخزين أكبر عدد من الرصيد النموذجي لهذا التقليد الموسيقيّ، من خلال إعادة أدائه بطريقة مختلفة، ملؤها التجديد والروحيّة العصريّة، لإيصاله إلى أكبر عدد من المستمعين، ولزيادة المكتبة الموسيقيّة السمعيّة العربيّة. لذلك، هي تختص اليوم بإظهار التقليد الموسيقي للعامّة، بطريقة تجدديّة صحيحة موسيقيّا على قاعدة التحوّل والابتكار في الأداء بعيدًا عن الصنميّة الحرفيّة للنصوص الموسيقيّة. ولكنّ لا مانع للفرقة بأن يكون لها أعمال جديدة، من تأليفٍ موسيقيّ معاصر، حتّى أنّ مسألة ابتكار قوالب جديدة، هي مسألة بديهيّة ومطروحة أمام الفرقة، شرط المحافظة على الحيثيات الأساسيّة الموسيقيّة التّي تحمي التقليد وتعبّر عن ماهيته.

 

* كفرقة تراثية، هل يعد جمهوركم من النخبة؟

كلّ موسيقى نخبويّة بحاجة إلى جمهور نخبويّ، ولكن الزمن اختلف ب تغييره لمفهوم النخبويين. قديمًا كان النخبويون طبقة ماليّة رفيعة في البلاط الملكي أو قريبة منه، هي المخوّلة لسماع الموسيقى الكلاسيكيّة فقط، أمّا عامّة الشّعب فله موسيقى أخرى أقلّ شأنّا إذا صحّ التعبير.

أمّا اليوم، فمفهوم النخبويين مازال باقٍ للأنواع الموسيقى الراقية دون سواها، ولكنّه ليس حكرًا على طبقة دون أخرى. بمعنى أنّ أيّ انسان في أيّ مكان وفي أي موقع اجتماعي، قادر على أن يكون من ذوّاقة فرقة التراث الموسيقي العربيّ.