العدد الثامن والثلاثون - كانون الثاني

الثقافة الذكورية تدين كتابة المرأة عن جسدها

جمانة حداد: الجنس جزء من فلسفة الجسد وحياته ولغته
الاربعاء 14 كانون الثاني (يناير) 2009.
 

حاورتها: أسماء وهبه

 

* لماذا مجلة "جسد"؟ ولماذا تصدرينها الآن؟

- لأن الجسد هو حقيقتنا جميعاً، الفردية والجماعية. وهو هويتنا، وعلامتنا الفارقة، ولغتنا، وبوصلتنا، والطريق الى كل واحد منا. ثم لأن هذا الجسد مغيّب عن حياتنا وثقافتنا ولغتنا العربية، وإذا كان يحضر فهو يحضر مهاناً، ومشوَّهاً، ومداناً، أو منتقصاً، في حين أنه كل شيء، ويمثل في كل شيء. أريد لهذه المجلة أن تعيد الاعتبار الى الجسد، الجسد الإنساني والجسد اللغوي، أن تضعهما تحت المجهر، أن تجعلهما صديقين وحبيبين لكل واحد منا، باعتبارهما مرآتنا الأولى والأخيرة.

 

* هل هناك حاجة الى مثل هذه المجلة في العالم العربي؟ وهل تظنين ان ثقافتنا مستعدة لهذا النوع من الخطاب؟

- ما أحوج العالم العربي ليس الى هذه المجلة فحسب، بل الى الحياة نفسها.حياتنا مضروبة في الصميم لأنها حياة ناقصة ومدمَّرة. ثمة عقود وأجيال طويلة من تراكمات النفاق والخداع والممالئة والقهر والقمع والاغتصاب حيال الجسد وحيال سواه من المحرَّم والمسكوت عنه في مجتمعاتنا العربية. وإذا كانت هكذا تعاش الحياة فهي كاذبةً، خادعة ومخدوعة. طبعاً هذه المجلة هي حاجة، تماماً مثل الماء والهواء والحب والنور والعتمة. وتماماً مثل النوم وانبثاق الفجر من غيبوبة الحلم. وإذا كانت ثقافتنا العربية مستعدة لاستقبال هذه المجلة، فهذا من شأنه أن يلقي على كاهلنا مسؤوليات وتحديات كبيرة. ذلك أنه يتحتم علينا في مثل هذه الحال أن نكون أكثر تطلباً وبحثاً عن الأعمق والأصعب والأبعد منالاً كي نتمكن من أن نحظى برضا هذه الثقافة. إما إذا كانت هذه الثقافة غير مستعدة، فمن شأن ذلك أن يجعلنا نفكر في السبل التي تمكننا من اختراق هذا الحائط المسدود لكي نصل ليس الى جسد الثقافة العربية فحسب، وإنما أيضاً الى عقلها. ونحن قد أخذنا في الاعتبار كلا الأمرين، ولا بدّ أن يحقق خطابنا اختراقه المنشود.

 

* هل تتوقعين أن تتعرضي للهجوم بسبب هذا المشروع؟

- ليس هدفي أن أتعرض للمهاجمة أو أن أتلقى المديح. فما أفعله يذهب الى أبعد من ردود الفعل، الإيجابي منها والسلبي. فمشروع المجلة تأسيسي ويقع في صلب عملية المساءلة العقلية الخلاّقة التي يحتاج اليها الانسان العربي وخصوصاً في هذه المفترقات الحادة والخطيرة من حياة العالم.

 

* ما هو الجسد الذي تريدين الكتابة عنه؟

- كل جسد هو موضوع دسم لهذه المجلة. من جسد الأرض الى جسد الطبيعة مطلقاً الى جسد الفضاء الى جسد الخيال الى جسد الإنسان والى جسد اللغة. ليس من جسد إلاّ هو مبتغى هذه المجلة. وعليه فإن موضوعات هذه المجلة لا تتعلق فقط بجسد الرجل أو بجسد المرأة، أو بالجنس، إنما كل جسد على الإطلاق. 

* ماذا يعني أن تكتب المرأة عن الجسد؟

- لهذه المسألة خصوصية ذات حساسية بالغة في حياتنا العربية لان تاريخنا الثقافي هو تاريخ ذكوري، وبالتالي فإن كتابة المرأة عن جسدها أمر مغيّب تاريخياً، ولا بدّ ان يكون مستهجناً وموضع إدانة عندما يقفز الى سطح الكلام ويصير مادة "طبيعية" و"عادية" في حياتنا الثقافية أو اليومية. ومن الطبيعي أن تكون كتابة المرأة عن جسدها مختلفة جسداً وروحاً عن كتابة الرجل لهذا الجسد. لا أحد يستطيع أن ينوب عن أحد في الإحساس بجسده ووعيه وفي كتابته.

 

* قال البعض أن مجلتك جاءت لتهدم ثقافة سائدة وتحل محلها ثقافة أخرى. أي ثقافة عن الجسد هي السائدة اليوم؟ وهل تريدين فعلا تغييرها؟

- هذه المجلة ليست حزباً سياسياً أو منبراً نضالياً. إنها حاجة. وكل حاجة تخترع أسباب تحققها. ومن الطبيعي أن تخترع "جسد" أسباب وجودها وأن تحميها بكل الكتابات التي تستحق الوجود والعيش. ولكي تعيش هذه المجلة لا بدّ ان توسّع لنفسها مكاناً في قلب الثقافة العربية، وهذا لا يكون إلاّ بخضّ أسس هذه الثقافة عن طريق العقل والخلق.

 

* في مجلتك، هل سيلتحم الجنس بالتابو أم ستكون منبرا للدفاع عن الجسد؟

- الدفاع عن الجسد لا يكون برفع الشعارات والخطب الرنانة، وإنما بإحداث ثغرة عميقة في جسد الثقافة العربية. وهذا ما تتوق المجلة الى القيام به.

 

* هناك تماه دائم بين مفهومي الجنس والجسد: هل هذه هي نظرتك ؟

- الجنس جزء من فلسفة الجسد وحياته ولغته. الجسد عالم كامل أما الجنس فجزء من هذا العالم. ما أبتغيه هو العالم كلّه، جسد العالم كله، وليس الجسد الجنسي فحسب.

 

* لماذا لا يهتم بعض الأدباء بالجسد "الإنساني" في مقابل لهاثهم وراء الجسد "الجنسي"؟

- هذه مشكلتهم. لكنْ، ليس من العيب في شيء أن "يلهثوا" وراء الجسد "الجنسي". إلاّ ان هذا الأخير لا يستطيع وحده أن يُحدث الفرق. يكاد يكون الجسد برمته شبه مغيّب داخل لغتنا وثقافتنا العربيتين. وإذا وجد فبطريقة جزئية أو مبتورة، أو ناقصة. أي أن هذا الجسد يتوق دوماً الى الوجود، بصرف النظر عن وجوده الذكوري أو الأنثوي، ولا بدّ من أدباء يصنعونه ويخترعونه ويعيشونه، ذكوراً وإناثاً على حد سواء. أحبّ أن لا يقع كلامي في التعميم. فثمة عمل عربي أدبي على الجسد، وينبغي أن يؤخذ في الاعتبار.

 

* لماذا تتمحور معظم الكتابات عن الجسد حول جسد المرأة؟ وأين جسد الرجل في النص الأدبي؟

- لأن المرأة العربية عموماً لا تزال جزءاً ملحقاً بالثقافة الذكورية المسيطرة. التابو المسيطر، يفرض أن يكون الرجل هو الذي يتكلم عن جسد المرأة باعتباره موضوعاً، لا أن تتكلم المرأة عن جسدها أو عن جسد الرجل. فالمرأة هي التي تتلقى وليست هي التي تبادر. هي التي تُستقبَل وليست هي التي تستقبل. هي الموضوع أما الرجل فهو الذات. جسد الرجل، تالياً، ليس موجوداً إلاّ لأنه يفعل فعله في المرأة، ولكنْ بدون كلام منها. لا تستطيع المرأة في الثقافة السائدة أن تجعل من جسد الرجل بطلاً. جسدها هو البطل لأنه الهدف الذي يتطلع اليه المجتمع الذكوري.

* تقولين: "عندما أكتب أشعر أنني أكتب بجسدي". وأيضاً: "إن جسدي هو حقل تجاربي وميدان عيشي للحياة". هل تستطيع المرأة اليوم من خلال القصيدة والرواية أن تطلق العنان لكتابة تتناول الجسد من دون أن تتهم وأن يقذف نصها بالإيروتيكية والإباحية؟

- ستُتَهم المرأة كتبت ذلك أم لم تكتب. الى أن يأتي يوم، لا يعود هذا الموضوع يشكل إرباكاً جوهرياً للاوعي العربي. آنذاك، سيكون على العقل النقدي أن يمارس ثقافته وفعله في الحياة العامة، فيربّي الحياة كما ينبغي للحياة الطبيعية أن تعاش وتُكتَب.

 

* لماذا يصفق الأدباء العرب لهنري ميللر ومان راي وغيرهم عندما يصوّرون الجسد ويرسمونه ويكتبون عن عريه، في حين أنهم يهاجمون من يفعل ذلك في العالم العربي أو يحاول كسر تابو "الجسد"؟

- الكلام عن الجسد وعريه جيد ومحبوب ومرغوب في العالم العربي ما دام "الآخر" هو الذي يكتبه ويقوله. نتحدث عن الجسد باعتباره جسداً "آخر" وليس باعتباره جسدنا. نميل غالباً الى أن نشيّد مسافةً سميكة تفصلنا عن المسائل الحساسة، فلا نلامسها ملامسة مباشرة، ولا نقترب منها، ولا نخاطبها إلاّ من وراء حجاب، أو بطريقة ملتوية. نتحدث مثلاً عن "الأنا" مستخدمين النحن أو ال "هو". نقارب العري، عرينا، وحياتنا الحميمة، بطريقة ملتبسة، خجولة، أو دونية، فكأننا نرتكب خطيئة مميتة أو جريمة. هذه المسافة التي نقيمها بين الذات والموضوع ليست مسألة عابرة في ثقافتنا العربية السائدة. فالتابو مقيم في كل مكان وفي كل شيء، وليس في مسألة الجسد فحسب. إنها مسألة تتعلق بالعقل العربي وليس فحسب بثقافة الجسد.