العدد الثامن والثلاثون - كانون الثاني

الأحزاب اللبنانية: أزمة فكر أم أزمة تنظيم

عامر ملاعب
الخميس 29 كانون الثاني (يناير) 2009.
 

مثلما أنّ المقاومة هي مبرّر وجودنا كوطنيين وقوميين، فإنّ ‏العلمانيّة والحريّة هما مبرّر وجودنا كيساريين. فلا معنى لوجودنا ‏إنْ لم نلتزم مبدأ العمل على الانتقال بأنفسنا من رعايا طوائف ‏وأذيال زعماء، إلى مواطنين أحرار ذوي إرادات حرّة وقامات ‏سامقة. ولا معنى لوجودنا إنْ لم نتنكّب الدفاع الأخلاقيّ الضروريّ ‏عن كلّ معتقلي الرأي وضحايا الاختلاف الفكريّ والإثنيّ والجنسيّ. سماح إدريس

عامر ملاعب

تشهد الساحة السياسية اللبنانية ولادة متكاثرة لأحزاب وتيارات وتجمعات وتكتلات متفاوتة الأحجام والدور والأهمية، بالاضافة الى القديم منها. وسبق ان ملف الاحزاب كثيراً ما عالجته الكتب والمراجع ووسائل الاعلام والمنتديات الثقافية وغيرها.

المدخل العلمي والمنطقي يكمن في كيفية تعريفنا لظاهرة بشرية نشأت بعد تطور المجتمعات الانسانية الحديثة كأحد اشكال تطور ورقي هذه الحياة ورفع مستواها. اليوم تفتح مجلة "تحولات" الملف من منطلق حواري تحت عنوان "الاحزاب: ازمة فكر ام ازمة تنظيم".

السياسة أصلاً هي مبادئ ورؤية وأخلاق وتطابق السلوك مع الخطاب، كذلك هي خطة لتغيير العالم وإدارة شؤون الناس بغية إيصالهم الى السعادة والأمان والحرية والكرامة. ذلك هو تعريف السياسة في المجتمعات المتقدمة. السياسة في لبنان تحولت الى تشاطر أهل السياسة بتبديل المواقف كما يبدّلون أحذيتهم، وتنكّرهم لأبسط المبادئ والقيم وتغييبهم الحد الأدنى من البرنامج السياسي الاقتصادي الاجتماعي المطلبي. لم يعد في استطاعة المواطن العادي أن يميّز بين خطاب وآخر بسبب تداخل الكلام وعدم وضوح المضمون والبلبلة في الالتزامات حتى غدت السياسة في لبنان ـ ومع مرتبة الشرف ـ أقرب الى الانتهازية والوصولية والسمسرة، وأسيرة النفوذ المالي والغرائز الطائفية والموروث الإقطاعي وتسلط رجال الدين.

هنا في لبنان، والذي نشهده في لبنان هو موت للسياسة، وعلى طريقة الاستيراد الاستهلاكي، جاءتنا فكرة الأحزاب كتنظيم له اشكاله المتعددة والمتنوعة وفيه ما فيه من عقائد وافكار ومبادئ، لكنها وعلى الطريقة اللبنانية تتحول هذه التنظيمات الى اداة بيد أصحابها وهي بالطبع تعكس ازمة العمل السياسي التقليدي، العائلي، المناطقي، الإقطاعي، الطائفي، الشخصي ومأزق أزمة الحياة الحزبية والسياسية في لبنان.

الحياة السياسية اللبنانية في مأزق دائم وتدور في حلقة مفرغة وأسيرة الانقسامات التقليدية، هل الحل في اعتماد تنظيمات حزبية دليل دينامية وعافية أم هي تعبير عن استمرار واستفحال الازمة؟ الأحزاب، القديمة والجديدة، دورها محوري في الحراك العام، فهل نحن بحاجة إلى تجديدها؟ أم إلى تأسيس أحزاب جديدة في البرنامج والأساليب والقيادة؟

هناك عدة آراء، او يمكن القول انها تتناقض، حول فكرة الحزب بحد ذاتها، منها ما يقول أنها اداة لتفكّك المجتمع - وعجز الأحزاب التاريخية عن تطوير ذاتها وتجاوز أزماتها واستيعاب تغيرات الحياة العامة، دفع بهذا الاعتقاد الى الامام - خاصةً بعدما أصبحت معظم الأحزاب بشكل عام وسيلة ارتزاق ووجاهة وجمع الثروة والمعلومات الأمنية وسلم لتسلق هرم السلطة بطرق غير مشروعة، وبعدما صعد الى قطار مشروع الاحزاب ابناء الزعامات التقليدية للحفاظ على ارث العائلة وحماية مكتسباتها وشعور زعاماته بضرورة مواكبة العصر وتطوير آليات عملها وتوسيع مشاركة المفاتيح الانتخابية والشباب بالتنظيم والظهور الإعلامي والجماهيري، ولا ضير من تغليف هذه التنظيمات بعناوين وشعارات تثير مشاعر "الجماهير" من اقصى اليمين الى أقصى اليسار. وهذه الاستقطابات غالباً ما تكون مكبلة بروح الثأر والانتقام والاستئثار وبخطاب خشبي مزدوج ملتبس ببّغائي، وحركتها غير مؤثرة وفاعلة إلا داخل أسوار محيطها الضيق وجمهورها الخاص، وبالتالي فهي فئوية طائفية مناطقية، قاصرة عن عبور الحواجز والمتاريس وجدران العزل الطائفي. وهي عاجزة عن صيانة السلم الاجتماعي وغير قادرة على تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة، ولا تعبّـر عن وحدة المجتمع ووحدة مصالحه وتطلعاته واتجاهاته. وبالتالي يمكن استبدال فكرة الاحزاب باطر اخرى ربما تكون جمعيات اهلية تعنى بقضايا محددة، او تيار فكري معين يتخذ قضية ويناضل من اجل تحقيقها وبعد تحقيق الهدف ربما ينفض "الرفاق" كل في طريق.

والرأي الآخر يدافع عن فكرة الاحزاب ليقول انها احدى ارقى اطر العمل السياسي والاجتماعي ولا بديل عنها في المدى المنظور فهي التي تنظم العمل وترقي الكوادر وتقدمها، تصقل المواهب والافكار، تدرب الانسان على كيفية ترتيب شؤونه وافكاره وتعمل على تطوير الحياة البشرية. ويضربون على ذلك الامثلة الساطعة والمشعة في العالم وبعضها القليل في لبنان، من اين خرجت معظم كوادر المثقفين والكتاب والشعراء والاعلاميون والقادة الا من رحم احزاب عملت جاهدةً على صقلهم، ويبدو الامر ظاهراً مثلاً (رغم الانتقادات والتعليقات على صيرورة عملها اليومي) تتسائل على ابناء الاحزاب العلمانية كيف سقطت التفرقة في داخل صفوفهم وابرزهم اليوم على ارض الواقع اللبناني الحزب الشيوعي اللبناني والحزب السوري القومي الاجتماعي.

يمكن توزيع الاحزاب الى عدة فئات بين العقائد والافكار والتنظيم والحجم والقوة والدور، منهم ما يتجه مناحي قومية عامة تتجاوز الكيان اللبناني الى الاوسع، اي الدعوات الاندماجية، مثلاً الامة السورية لدى الحزب السوري الاجتماعي القومي، اي تقفز امتدادات الحزب الى السعي نحو توحيد بلاد الشام وقبرص، كذلك دعت الاحزاب الدينية الى ذلك ومثال ساطع حزب الله في نظرته الى "توحيد الامة"، او حزب البعث العربي مثلاً الذي يرى في توحيد الاقطار العربية في وحدة اندماجية قومية هدفاً، وعلى هامش الفكرة نشأت عدة اطر وتنظيمات حزبية تقول بهذه الافكار.

وعلى فكرة تنسيق وتعميق التواصل وترابطها بين الاقطار العربية مع احترام خصوصيات كل قطر في تسيير شؤونه الخاصة بما يريده ابناءه نشأت العديد من الاحزاب وتنوعت افكارها ومنها الحزب الشيوعي اللبناني وعلى اسس اقتصادية. ويشاركه في ذلك العديد من الاحزاب ذات التوجهات الاشتراكية او النظام الاقتصادي الموجه.

هذا من الناحية النظرية، انما في لبنان تختلط النظريات والعقائد والافكار والتنظيمات في ظل نظام طائفي استبدادي تبعي للخارج القريب والبعيد، ونظام اقتصادي غارق في العجز والفساد والمديونية والنهب والاحتكار والأوضاع السياسية في المحيط وفي الداخل اليوم تعيش حالة من اللاتوازن واللااتّزان، كيف يمكن ان نرى قوى معترضة قادرة على التخطيط والتنمية الشاملة والنهوض من هذه الكبوات. الحياة اللبنانية في مأزق، لكن أين هي الطليعة المثقفة العاقلة المناضلة صاحبة الرؤية التاريخية والوعي المستشرف؟ أين قوى التغيير صاحبة المصلحة الحقيقية في بناء نظام مدني تنموي عادل يقاوم من أجل صيانة حقنا في تعزيز استقلالنا السياسي - الاقتصادي ـ الثقافي ـ النفسي من التبعيات الاستعمارية وتعميق وحدتنا الوطنية؟ الطبقة السياسية بشقيها الحاكم والمعترض في مأزق، الأحزاب التاريخية في اليمين أو اليسار أو الوسط في أزمة، فمن يبادر إلى توحيد رؤية وإطلاق حركة تغيير جديدة في القيادة والنهج من أجل لبنان جديد؟

في كل الحالات، نحن أمام مفترقات وخيارات كبيرة وربما ولادة لبنان جديد ذات مناحي مختلفة، ولا بد من طرح اسئلة وعناوين تعالج في مراحل لاحقة. اذ لا بد من مطالبة الأحزاب القديمة والجديدة بحد أدنى من البديهيات تعيد الاعتبار إلى الثقافة والفكر والأخلاق والنضال من أجل المواطن لا من أجل الوجاهة والارتزاق وأن تحاكم بجرأة المرحلة السابقة الممتدة وتجري نقداً ذاتياً جذرياً يبيّن الإيجابيات والسلبيات، وتستخلص، بإخلاص، العبر والدروس. أحزاب تعمل على قاعدة الوحدة الوطنية لبناء نظام جديد ومواطن حرّ ومجتمع مدني حديث، يعتمد على عنصر الشباب في الادارات الحزبية.

لا وجود لسياسة من غير مواطنين يمارسونها، وهذا البعد يتجاوز فكرة الانتخابات التمثيلية الى ديموقراطية أكثر انسانية ومشاركة تعبّر عن تطلعات الإنسان ومصالحه، فكلما ازداد وعي الإنسان ورسخت استقلاليته مال نحو التحرر من التبعية ومن ثم التفكير في إدارة الشأن العام أي السياسة. إن المواطن هو العامل الفاعل في انتاج سياسة حكيمة وراشدة، وإن المجتمع يُقاس بمدى حرصه على الضعفاء فيه.

والى الحلقات المقبلة.