العدد التاسع والثلاثون - شباط

الخريطة

نجيب نصير
الجمعة 20 شباط (فبراير) 2009.
 

ربما أزاح هولوكوست غزة الستار عن الكثير من الأمور وخصوصا المسلمات التي كانت بحاجة إلى مراجعة نقدية ( ولما تزل )، لأن التراكم الثقافي غير المنقود تحول بواسطة الزمن إلى سدادة عنق الزجاجة الذي حال دون ولادة الأمة حتى الآن، الأمة بمعناها الواضح المنتقل من فوضى العواطف والكلام إلى نظام الفعل، حيث بدت مسلمات وجودها وبطريقة فاقعة بحاجة إلى قراءة من جديد وليس إلى قراءة جديدة، وبالأحرى استعادة ما هو واقعي وعملي وعلمي ومصلحي في رؤية الأمة والعمل على إعادة تشييدها، انطلاقا من مفهوم المجتمع كبوتقة مصالح اجتماعية تضمها خريطة متواشجة الفعل الثقافي في حركتها الارتقائية.

في غزة أثناء مقاومتها، كانت الاستراتيجية المتداولة غير قابلة للممارسة عبر انهيار معنى الأمة أمام التجربة الواقعية، لا بل سبقتها ممارسات أرقى بكثير مقارنة بما افترضته المسلمات أنه الترياق المحلوم به، فالخلافات ( العربية ) الـ ( العربية ) استعادت "مكلمتها" في ديوان غزة النازف دون حضور أية من المصالح المؤسسة لوجود أمة، فتحولت ومعها فلسطين إلى بقعة على خريطة تصلح كورقة للعب سياسات تعبر عن مصالح دولية وليس عن مصالح داخلية. ما يجعل كل دولة غير مرشحة للقصف، دولة تحاول الاستفادة منه، لتبدو خريطة الأمة واضحة تماما هذه المرة ( كما في تموز 2006)، ولتؤكد أن مصالح الأمم الاجتماعية تتجاوز إيقاف القصف ولملمة الجراح، لتصل إلى الرد والمجابهة بندية قادرة على إزالة كل احتلال يهدد مصالحها.

 

بالعودة إلى الفكر القومي الحديث، تظهر الأمم كحالة مصلحية تؤسس لوجودها ( عكس التأسيس للفناء )، وليظهر أن العمل الحقيقي من أجل غزة أتى من أصحاب المصلحة الحقيقيين في رؤيتها محررة هي وفلسطين كجنوب لأمة لا تكتمل دورتها الاجتماعية الاقتصادية من دونهما. أما أوراق الضغط المؤلفة من معابر وتبرعات وأدعية ولعب سياسة، فهي مصادرة واستخدام للدم الحقيقي في حمأة بروباغندا المسلمات، على مذبح السياسات الدولية، على أساس أنه مجاني وليس من أمة سوف تطالب به!

غزة جزء من أمة لم تعترف بالشعارات والمسلمات، بل بالعقل والعلم والحداثة..ولن تهزم...