العدد التاسع والثلاثون - شباط

بالأمس بغداد.. واليوم غزة

عبد الرحمن هزاع كاتب صحفي عراقي
الجمعة 20 شباط (فبراير) 2009.
 

 ما أشبه اليوم بالأمس عندما يتكرر الحدث المأساوي المؤلم بين ما شهدته بغداد قبل خمس سنوات وما تشهده غزة اليوم . فالأحداث في كل صورها وتجلياتها وأبعادها وارتداداتها وفصولها وتفاصيلها هي ذاتها دون تغيير الا في الزمان والمكان .

 صفحات العدوان الذي بدأ بجريمة الحصار الجائر والظالم ، ثم العمليات العسكرية الجوية بالقصف العشوائي الذي طال الإحياء السكانية والمنشات الخدمية وقتل الابرياء دون تمييز بين الأطفال والنساء والشيوخ ، ثم عملية التوغل العسكري الوحشي والبربري لالحاق الأذى والتدمير بأكبر درجة ممكنة بغرض السيطرة وفرض الهيمنة وتغيير السلطة . كل هذه الصفحات هي نسخ مكررة للغزو الامريكي للعراق عام 2003 . حتى أن أساليب إعدام المواطنين الأبرياء العزل وتهديم البيوت على ساكنيها واستخدام الأسلحة المحرمة دوليا واستهداف الصحفيين والإعلاميين لتغييب الحقيقة وإسكات الضمير العالمي ودفن معالم الجريمة البشعة والمجازر المروعة، هي صورة مشابهة لما شهدته بغداد.

 أما التظاهرات ومسيرات الاحتجاج والاستنكار والاعتصامات التي تشهدها العواصم والمدن العربية والعالمية ضد العمليات العسكرية غير المتكافئة والعدوان غير المبرر والمنطقي الذي جاء لفرض هيمنة وأجندة استعمارية توسعية ورغبة عدوانية، فهي لم تؤثر ولن تكبح جماح صناع الموت والخراب لدى فاقدي الضمير الإنساني والسيطرة على رغبات القتل والقمع والتدمير لديهم. كلها مسيرات مشابهة للمسيرات والتظاهرات المليونية التي عمت أرجاء العالم وكانت مجرد صرخة في واد ، لم يكن لها تأثير على سياسات الغطرسة والهيمنه الامريكية ، ولو أنها هذه المرة جاءت بشكل أعنف .

ومثلما كانت المنظمات الدولية المتمثلة بهيئة الأمم المتحده ومجلس الأمن ( التي هي مؤسسات أمريكية بامتياز ) وسيلة لغزو العراق فإنها اليوم عاجزة ومشلولة عن وقف العدوان عندما اصدر مجلس الأمن قراره 1680 الذي هو مجرد رقم، ضربته إسرائيل عرض الحائط دون أي أكتراث او أعتبار.

 والطامة الكبرى تكمن في الموقف العربي الرسمي وبخاصة ما يسمى حكومات الاعتدال ، التي قدمت كل أنواع الدعم اللوجستي للقوات الأمريكية لغزو العراق وروجت لادعاءات بوش وادارته عند غزو العراق عن امتلاكه أسلحة دمار شامل . ها هي اليوم تلعب الدور نفسه فتتواطئ على قطاع غزة وتلقي باللائمة على دور حركة المقاومة الفلسطينية البطولي والشجاع والمعبر عن ارادة الجماهير داخل غزة وفي ارجاء الوطن العربي في التحرر والاستقلال . وها هي تستنكر الجهود الداعمة للمقاومة وتصفها بانها غوغائية وهوجاء غير حضارية وتعرقل جهود السلام والمفاوضات . وكأن مايقوم به الكيان الصهيوني من قتل وتدمير وجرائم مروعة لم يشهدها التاريخ الحديث وبحسب كل المعايير الدولية والانسانية والاخلاقية. وحقيقة الامر ان سياسات السلام هذه لم توفر لدعاتها الا البقاء على كراسي الحكم والتسلط على رقاب الشعوب العربية التي تتطلع الى تحرير فلسطين والقدس عاصمتها ، واقامة الحكومة الوطنية الفلسطينية المستقلة . سياسات السلام لم تعط الا المزيد من الدعم للكيان الصهيوني لقضم حقوق الشعب الفلسطيني وتوسيع المستوطنات .

 ان المشروع الصهيو-أمريكي الذي يقضي بتفتيت الدول العربية وتحويلها الى كانتونات طائفية وعرقية متناحرة وتحقيق حلم ما يسمى أسرائيل الكبرى باقامة دولتها من الفرات الى النيل، قد بدأ بصيغته الجديدة التي عبرت عنها كوندليزا رايس برسم خارطة جديدة لل"الشرق الأوسط الجديد" قائمة على تقسيم المقسم وتجزئة المجزأ . لكن هذا المشروع قد ارتطم بصخرة المقاومة العراقية الباسلة والمقاومة اللبنانية البطلة في جنوب لبنان في تموز 2006، ومؤخرا المقاومة الفلسطينية الأسطورية في غزة.

 أن الحرب الصهيونية على غزة أكدت أن الشعب العربي شعب واحد من المحيط الى الخليج عبر تأييد الرأي العام للمقاومة الفلسطينية ومساندتها ، وأن عدونا عدو واحد ، يستهدفنا بسلاح منِشأه واحد . وأثبتت أن سماسرة الاعتدال الذين يتاجرون بمواقفنا لاسترضاء قوى الشر والعدوان هم المشكلة الكبرى امام تطلعاتنا وامالنا .