العدد التاسع والثلاثون - شباط

معنى جديد للبنان

منصور عازار
الجمعة 20 شباط (فبراير) 2009.
 

يقول البطريرك الماروني نصر الله صفير عن أن ما "من شيء يمكن أن يجمع المسيحيين"، تساؤلا حول مصير المسيحيين في لبنان ودورهم المستقبلي.

فمنذ إعلان هذا الكيان وعوامل تدميره قائمة ومستمرة من قبل المسيحيين أنفسهم ، فهو قد تأسس دستوريا وسياسيا لصالح حمايتهم وهدفه المعلن طمأنتهم على وجودهم واستمرارهم في هذه المنطقة من العالم، ولذلك أعطيت لهم الافضلية في تبوؤ مراكز القرار مع الصلاحيات الكافية لممارسة الحكم مع دعم كان من دولة الانتداب فرنسا.

 

هذا الواقع لا جدال فيه وكل وقائع التاريخ والاحداث المتتالية تثبته:

-  فماذا فعل هؤلاء المسيحيون بهذه المكافأة التي منحت لهم نتيجة صراع المصالح العالمية الذي رافق الاحداث التاريخية منذ الحروب الصليبية وحتى اليوم.

-  أي دور يمكن أن يلعبه المسيحيون في لبنان بعد التغييرات التي حصلت في بلد الارز وخصوصا في ظل المتغيرات في المنطقة والحديث عن قيام حروب أهلية تشمل لبنان والعراق وفلسطين؟.

-  هل لعودة القيادات المسيحية دور تلعبه أم يبقى منطق الالغاء هو السائد أو عدم التعاون وهذا ما أشار اليه البطريرك صفير؟

-  ما هو موقف المسيحيين من الصراع المذهبي الدائر في المنطقة وإحتمال انتقاله من العراق الى لبنان؟.

-  ما الدور الذي ستلعبه فرنسا، الام الحنونة للموارنة، في هذه الفترة تجاه المسيحيين، لا سيما بعد تراجع نفوذها في لبنان ، خلال العقود الثلاثة الاخيرة؟ وبالتالي ما هو الدور الاميركي بعد مأزقه في العراق وفلسطين...

 هذه الاسئلة تطرح في وجدان القيادات السياسية المسيحية، ولا تجد لها أجوبة، فيما القيادات الروحية غير قادرة على جمعها تحت سقف واحد وعلى قواسم مشتركة.

العودة الى نظام 1943 شبه مستحيل والاستمرار بنظام الطائف دونه صعوبات وعقبات. ولقد لعبت بكركي دورا محوريا منذ الطائف وكان لها دور سياسي في الحياة العامة تمثل في البيانات والنداءات الشهيرة التي صدرت عنها في فترات متلاحقة بدءا من العام 2000.

وغالبا ما كانت البطريركية المارونية تلعب عبر التاريخ دورا سياسيا عندما تكون رئاسة الجمهورية ضعيفة أو مغيبة أو عندما تفتقد الساحة المسيحية الى قيادات قوية ومؤثرة في المشهد السياسي اللبناني.

إن الواقع السياسي في لبنان لا يدعو الى الاطمئنان خصوصا لدى المسيحيين فالحماية التي كانت مؤمنة من الفرنسيين خلال النصف الاول من القرن الماضي ودخول الجيش السوري الى لبنان تحت هذا العنوان في السبعينات، اضافة الى موجات الهجرة الواسعة وتناقص عدد المسيحيين في لبنان من النصف الى الثلث في عدد سكان لبنان خلقت أزمة " قلق وجود".

فلم يعد النظام الطائفي حام لهذه المكاسب ولا " صيغة التوازن والعيش المشترك" التي أرساها اتفاق الطائف قادر على تبديد الهواجس، فأي صيغة يمكن أن تشعر المسيحيين بالاستقرار وبناء علاقات جديدة مع مواطنيهم في هذا الوطن.

ما الحل لتبديد هذه الهواجس؟

هل المخرج في اقتتال طائفي وصولا الى الحرب الاهلية وحروب الالغاء لفرض معادلات جديدة وتوازنات مقبولة؟

هل المخرج في نظام علماني ينتزع انتماء الفرد من طائفته الى الوطن على أساس عقد اجتماعي وطني جديد تتنازل فيه كل الطوائف لمصلحة حقوق المواطنية.

الحل واحد هو ان يتوحد المسيحيون مع باقي اللبنانيين من أجل ايجاد معنى جديد لهذا الكيان بعد أن فشل في أن يكون ملجأ للأقليات؟.

النظام الطائفي أغرق البلد في الفتن والحروب الاهلية المستمرة بينما النظام العلماني يوحد ويسقط منطق الشركة لمصلحة الشراكة في وحدة الحياة والمصير.

إن الحقيقة التي توصل اليها غبطة البطريرك تعني باختصار موت الصيغة القديمة التي كانت قائمة على  قاعدة المحاصصة الطائفية والتخويف المتبادل وادخال البلاد في كل فترة في نفق مجهول.

أمام هذا التحدي المصيري هل يعي اللبنانيون واقعهم ومستقبلهم وهل يبادروا خاصة المسيحيين الى حوار جدي وعميق من أجل إعطاء معنى جديد للبنان قائم على قتل الطائفية في النصوص والنفوس بعد أن إغتال لبنان الذي أراده رواد النهضة " مرقد عنزة" ومنارة للفكر والحرية ويتوحدوا على دستور علماني جديد يصون وحدة الحياة.

لبنان الجديد اما أن يكون نطاق ضمان للفكر الذي يشع في المنطقة التي ينتمي اليها أو يتحول الى ساحة ومنصة لحروب أهلية تنطلق منه وتعم المنطقة التي تشاركه الواقع والمصير.

أسئلة تنتظر أجوبة رواد النهضة من أجل إعطاء معنى جديد للبنان بعدما استنفدت الحوادث والتطورات معناه القديم.

نعتبر أن لبنان لا يحيا الا بالنظام العلماني ودمرته وستدمره بالطائفية.