الحب والجسد في الشعر العربي

العدد 6 كانون الأول 2005
الاحد 25 كانون الأول (ديسمبر) 2005.
 

يقتلها ويقتله الحنين إليها.

هكذا منذ أن أقصى الرجل المرأة، عن ساحة الحياة العامة، وإدخاله إياها في حياته، كتفصيل من تفاصيله، لم يفتأ يعيد إنتاج حضورات لا متناهية لها، فكان ينجح أحياناً، ويتعثر أحياناً أخرى ويتصدع فنه.

هذه العلاقة المركبة، لم تمكنه من أن يحاورها ككائن مستقل عنه، أي علاقة الإقصاء وإعادة الإنتاج، وإنما جعلتها موضوعاً من موضوعاته، وغرضاً من أغراضه الفنية، وهذا ما نجده في النقد الأدبي، أو حين نقرأ دراسة لقصيدة إذ تبدو كغرض من أغراضه، مثل الوقوف على الأطلال، أو وصف الخيل إلى ما هنالك..

واختلف التعبير الشعري عن المرأة وجسدها من حضارة إلى حضارة، ومن ثقافة إلى ثقافة، هذا بالإضافة للخصوصية الفردية للذات المبدعة.

العرب في جزيرتهم لم يكن لهم خيار في إعلان ولائهم إلى الصحراء، وللصحراء قوانينها التي تتحكم بصوغ ذائقة سكانها وتفرض عليهم نمطاً يتلاءم معها، تلك الرمال المتحركة والتي يصعب ضبط أشكالها، كأنها الغيوم في السماء، ما تشكله اليوم تمحوه بهبة ريح، هذا عالم اللا ثبات، كل ما حولك قابل للإعادة والتوالد والتشكيل.

بخلاف الحضارة السورية واليونانية والرومانية، تلك الحضارات المدنية الراسخة العصية على الاندثار، وقد تمكنت شعوبهم من صياغة رؤاهم الجمالية بفنون قابلة للتجسد في المكان، كفن النحت والتمثيل، فبنوا المسارح والمنحوتات والتماثيل المتوزعة في أرجاء مدنهم.

والعرب لم يكونوا أقل شأناً في إبداعهم، ولكن وفق الوسيلة المتاحة لديهم وهي اللغة، إذ تمكنوا من أن يعبروا بها عما في عقولهم وقلوبهم من أحاسيس وتصورات، لذلك اعتنوا بها أشد العناية، وجعلوها طبعة مرنة بين أيديهم يصوغون منها ما يشاؤون من أشكال، حتى يمكننا القول: إنهم رسموا وجسدوا ونحتوا بالكلمات.

كما أن لدينا عاملاً آخر ساهم في اعتمادهم على اللغة فقط في إنتاجهم الفني والثقافي، وهو مجيء دين (الإسلام) الذي حدد موقفاً من مسألة الفنون المجسدة (رسم، نحت) وخصوصاً تجسيدات الأشكال البشرية، أو التي تحمل روحاً على العموم.

ومن هنا نرى أن هناك تمايزاً واضحاً بين أماكن العبادة المسيحية التي تمتلئ بالأيقونات والتماثيل والمنحوتات التي تجسد الرموز المقدسة لديهم بدءاً من تماثيل السيد المسيح مروراً بالسيدة العذراء، إلى أيقونات تمثل باقي الرموز الدينية وأما أماكن العبادة الإسلامية، التي تزينها نقوش وخطوط مبهجة وحروف متداخلة وكأننا في متاهة.

وقد تجلت قمة البلاغة وصفوة القول، لدى العرب في الشعر العربي الذي أُطلق عليه اسم (ديوان العرب) إذ إنه أرخ لحياتهم، من متع ومسرات وأفراح وأحزان وهزائم وانتصارات. وعلى اعتبار أن المرأة غدت في شعرهم، غرضاً من أغراضه، نجدها احتلت مكانةً مرموقة، فيه، فأولوا جسدها أهمية بالغة وأبدعوا في وصفه ورسمه وتجسيده، ويتملكنا العجب من قدرة اللغة على ما تمتلكه من طاقة تعبيرية فذة ونادرة.

وبين أيدينا نماذج شعرية، استطاعت اختراق الزمن، لتبقي في وجدان الناس على مر العصور والأجيال، مقياساً للذائقة الرفيعة في وصف وتذوق جماليات جسد المرأة.

بعض المفكرين المعاصرين، تناولوا هذا الموضوع، ولكن لما للجسد والحب في الشعر العربي من أهمية جعلت البعض يقول: أن الحب والهوى اختراع عربي بامتياز، أجدني أطرحه الآن، وبالتأكيد يختلف الحب عند العرب عنه عند (أوفيد).

الحب العربي كان سبباً كافياً للموت، وليس لدى العاشق بغية يبتغيها سوى رؤية محبوبه، وكم يبدو هجر المحبين أقرب للموت منه إلى الحياة.

يقول عنترة العبسي بهذا المعنى:

لا تجزعي إن لج قومك في دمي مالي بعد الهجر لحم ولا دم

أما (أوفيد) ذلك الذي يعلم فنون العشق وكيفية الحصول على حظوة عند المعشوق فيصف النساء بدقة ويعرّف بخصالهن وكيفية التعرف إليهن والمناسبات الأصلح لذلك وكل هذا من أجل الاحتفاظ بهن كعشيقات، وكذلك يعلم المرأة بعضاً من هذه الفنون.

وفي كل الأحوال صاحب فن الهوى رجل شاعر مارس فنون العشق الذكي، لماح يتمتع بروح مرحة، وثقافة عميقة، فكل شيء لديه متاح مقابل الظفر بمحبوبه.

ولا يتردد في إعطاء نصائح بالكذب والمداهنة والتصنع للاحتفاظ بالمحب.

المطلع على (طوق الحمامة) لابن حزم الأندلسي، يرى كيف أن الحب هو شعور عميق بالأمن والثقة، وهنا نستنتج مدى الشفافية والرقة التي وصلت إليها العلاقة بين الرجل والمرأة.

الحب تحول مع العرب، وعند ابن (داود) في كتاب الزهرة الذي رجع إليه ابن حزم، وسبقت الإشارة إليه في الكتب المعنية بهذا الموضوع إلى أن (الحب هو انقسام في روح كروية جعلت في جسدين فأخذ كل نصف يفتش عن نظره).

وتراوح الحب عند العرب، بين الحب الجسدي الصارخ وتمثل في شعر عمرو بن أبي ربيعة، وأمرئ القيس ولاحقاً في شعر أبي النواس وغيرهم والحب العذري المترفع عن الجسد مثل جميل بثينة وقيس ليلى وتوبة من الحميّر.

وقيس ليلى وتوة ابن الحمير.

هذا امرؤ القيس يصف حبيبته عنيزة في قصته المشهورة، عندما جاء إلى غدير الماء وسرق ثيابهن فوصف أجسادهن وصفاً حسياً غريزياً صرفاً. مهفهفة بيضاء غير مفاضة ترائبها مصقولة كالسجنجل أما الأعشى فقد رسم لنا أيضاً لوحة جمالية رائعة لحببته هريرة، عبر رؤية نافذة وخبيرة في بواطن الجمال، وخفاياه حين قال: غراء فرعاء مصقول عوارضها تمشي الهوينا كما يمشي الوجى الوجل كأن مشيتها من بيت جارتها مر السحابة لا ريث ولا عجل

ولم يكتف الشعراء العرب بوصف الجسد وصفاً جامداً بل تعاطوا معه على اعتباره لوحة حية متحركة وبمشهدية فنية عالية.

وجاءت قصيدة دوقلة المنبجي تتويجاً لهذا الشعر واسم القصيدة اليتيمة، وقد جاء في كتاب (الموسع في أروع ما قيل في الحب والغزل) لم يعرف قائلها وقد حلف أربعون شاعراً على انتحالها، ثم غلب عليها ثلاثة هم (أبو الحسن علي بن جبلة العكوك، وأبو جعفر محمد بن عبد الله ودوقلة المنبجي) وقد نسبها فاروق شوشة في كتابه (أجمل عشرين قصيدة غزل) إلى دوقلة المنبجي.

ومن خلال هذه القصيدة تجلت القدرة التصويرية الخلاقة بل تعدى الأمر ذلك إلى أن نقول إنه نحت جسد تلك المرأة بالكلمة ولم يكن يحتاج إلا إلى إزميل، ومواد أولية ليجسد تصوره لجسدها، وليصنع له تمثالاً رائعاً، ولا شك في لو أنه فعل ذلك لكان لتلك المنحوتة الكثير من الجرأة والخصوصية.

بيضاء قد لبس الأديم بهاء الحسن فهو لجلدها جلد ويزين فوديها إذا حسرت ضافي الغدائر فاحم جعد وجبينها صلت وحاجبها شخط المخط أرج ممتد

ويتابع بالسياق نفسه والأسلوب نفسه، واصفاً العين والأنف والخد والجيد وموضع القلادة والبنان والمعصم والصدر والبطن والخصر والفخذ.

وفي الشعر العربي أمثلة كثيرة للرسم والنحت بالكلمات فها هو أيضاً الحصري القيرواني يقترب من هذا المعنى بشكل واضح فيقول:

صنم للفتنة فنتصب أهواه ولا أتعبده

وانحسر الاهتمام بالجسد في بعض مراحل التاريخ ليعود ويظهر في الثقافة المعاصرة ليتصدر الموضوعات الشعرية والفنية، يقول أسعد جبوري في ديوانه الإمبراطور:

جمعت الرائحة الساقطة من جسدك

أثناء العبور

حيث فخذاك موجتان من عصافير

يا جسدك السائل بين المعلقات

وبندر عبد الحميد يكتشف أنواعاً مجهولة وجديدة من الجلود البشرية يقول في ديوانه (حوار من طرف واحد):

كنا نمشط شعورنا بأيدينا

ونحتفي

نكتشف أنواعاً مجهولة

من الجلود البشرية.