العدد التاسع والثلاثون - شباط

دروس غزة

الياس سالم
الجمعة 20 شباط (فبراير) 2009.
 

تعرّض قطاع غزة لعدوان اسرائيلي شرس وعنيف استخدمت فيه أعقد الأسلحة في الطيران الحربي والبحرية والطائرات المسيرة والمدفعية والأسلحة الالكترونية. وبالإستناد الى معلومات استخبارية بشرية وتكنولوجية أدت منذ أول هذا العدوان الى مقتل ما يزيد عن ألف وثلاثمائة مدني معظمهم من المدنيين والنساء والأطفال والى مقتل عشرة جنود اسرائيليين و 4 مدنيين وجرح ما يربو عن مائة وخمسين اسرائيلياً غالبيتهم من الجنود.

 

ما هي أهداف الهجوم؟

 

حسب ما أعلن القادة الترويكا في اسرائيل اولمرت - ليفني - باراك أن الهجوم يهدف الى تقويض سلطة حماس في غزة ووقف إطلاق الصواريخ من القطاع الى اسرائيل ووقف أعمال التهريب وخصوصاً الأسلحة عبر أنفاق رفح. في اليوم الثاني والعشرين أعلنت اسرائيل وقف إطلاق النار وكانت حماس مازالت مسيطرة على غزة والصواريخ تنطلق والأنفاق باقية. صحيح أن حماس تعرضت لخسائر بشرية قدرت بخمسين كادراً منهم ثلالثة قادة، ولتدمير مقار ومؤسسات مختلفة لكنها بقيت متمسكة بالقطاع وبدا أن القيادة والسيطرة استمرت في العمل خلال الأعمال الحربية.

يعترف بعض الاسرائيليين أن هدف العملية لم يتحقق وأن صورة اسرائيل تلطخت في العالم جراء مقتل المدنيين وبث صورهم على الفضائيات العالمية، لكن الترويكا اعتبرت أنها دمرت قدرات حماس وحققت أهداف العملية.

من الواضح أن حماس والمقاومة الفلسطينية بشكل عام نجت من محاولة اسرائيل القضاء عليها في غزة وهي بذلك وبمنطق المقارنة حققت نصراً لا يستهان به خصوصاً في أول قتال حقيقي (مع تفاوت الوسائل) بين الفلسطينيين والاسرائيليين على أرض فلسطين. وقد أسدلت حماس الستار على حقبة التراجع الفلسطيني التي استمرت منذ ثلاثينات القرن الماضي وتمثلت بفرار البعض من أمام العدو (نظراً للمجازر المخيفة وانعدام وسائل المقاومة) في الأربعينات وخصوصاً عام 1948 ثم في الحروب التي أعقبتها وخصوصاً حربا لبنان عام 1978 و1982 حيث كان أداء المنظمات الفلسطينية في مواجهة العدو مخزياً وولد ردود فعل عنيفة داخل لبنان وفي البيت الفلسطيني "لا بد لنا هنا من أن نستثني من هذا السياق ثورة القسام عام 1936 التي حشد لها البريطانيون أكثر من 30 ألفاً وهو رقم كبير تلك الأيام من أجل قمعها ولم يستطيعوا إنهاء الثورة الا بتدخل عربي مع الثوار لإلقاء السلاح.

غاب مشهد الفرار والتسليم الذي ظهر في أفغانستان في أثناء دخول القوات الأميركية عام 2001 في العراق 2003 والذي كاد أن يقوض ثقة المقاومة العربية والاسلامية بنفسها والذي اتخذته قوى "الاعتدال" مثلاً من أجل الدعوة الى وقف المقاومة.

مع أن حزب الله هو أول من وقف بثبات ضد إسرائيل عام 2006 وأحبط هجومها ووجه لها هزيمة كيانية إلا أن ضربة حماس لاسرائيل هي أشد وأقوى نظراً الى انها كانت محاصرة ومعزولة مما حمل الخبراء الاسترتيجيين على التنبؤ بنجاح اسرائيل بالقضاء عليها لكن المقاومة فاجأت جميع المحللين المراقبين والمعنيين بصمودها وقوتها وعنادها وأرست واقعاً جديداً في فلسطين والمنطقة لا بد من استخلاصه عبره.

 

ما هي الدروس المستقاة من حرب غزة؟

 

1 - نجاح وفعالية خيار المقاومة: هذا الخيار الذي اعتمدته المقاومة اللبنانية وعمادها حزب الله نجح في تحرير القسم الأكبر من الأراضي اللبنانية المحتلة ثم دحر هجوم اسرائيلي قوي وشرس  وإلحق

 

 الهزيمة بهذا العدو عام 2006.

بات خيار المقاومة واقعاً لا يمكن للأنظمة العربية التنصل منه خصوصاً مع الفشل المتكرر لخيار السلام منذ 1991 في مدريد ثم أوسلو 1993 وخارطة الطريق والمفاوضات المتنوعة والمتعددة، التي فاقمت الواقع العدواني الاستيطاني ولم تحرز أي تقدم. لقد انسحب شارون من غزة تحت ضربات المقاومة وربما كان يظن أن غزة سوف تغرق في آثون حرب أهلية عشائرية لكن ما لم يكن يعرفه شارون والقيادة الاسرائيلية هو مدى تمسك الشعب الفلسطيني بمقاومته وثقته بها الأمر الذي أحبط كل مشاريع الفتن.

إن خيار المقاومة ليس السلاح فقط ولا المنظمات المسلحة، إنه خيار سياسي يمكن اعتماده من الدول العربية الاسلامية. لقد أيقظت الحرب على غزة وانتصار حماس مقاومة عربية في مختلف اقطار العرب، واسلامية في دول لم تعتد على ذلك مثل تركيا واندونيسيا وغيرها. كذلك الأمر في اوروبا وأميركا. وبات للمقاومة شعبية وتأييد فلسطيني وعربي وإسلامي ودولي جعل خيار المقاومة صحيحاً يؤمن مصالح الشعب الفلسطيني.

2 - إنهيار منظمة التحرير الفلسطينية. لم يسمع أحد طيلة فترة العدوان باسم منظمة التحرير ولم تعقد هيئاتها من لجنة تنفيذية ومجلس مركزي ومجلس وطني وغيرها أي اجتماع لتدارس الوضع في غزة كانت المنظمة مغيبة قبل عدوان غزة ثم غائبة خلال العدوان وبعده اختفت من التداول السياسي والاعلامي. هذه المنظمة التي كان لها فضل كبير في إطلاق الكفاح المسلح وجمع الشعب الفلسطيني والحفاظ على شخصيته الوطنية وخلق لوبي في الدول العربية وبعض الدول الاسلامية والمعسكر الشرقي سابقاً، لم نشاهد لها أي حضور أو أي تأثير في مجرى حرب غزة. لسنا في صدد تحديد الأسباب وتحليلها فذلك يستوجب بحثاً مفصلاً في الواقع الفلسطيني برمته.

3- تهميش السلطة الفلسطينية. لم تستطع السلطة الفلسطينية انتهاز فرصة الهجوم على غزة من أجل أن تنهض من سباتها وتمسك بزمام القيادة وتتبنى المقاومة وتتحدث باسمها وتدافع عنها خصوصاً أن من بين المقاومين في غزة فصائل فتح والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وكلها ممثلة في السلطة وفي منظمة التحرير لكن إسراع بعض الموتورين في السلطة الى تحميل حماس مسؤولية ما يجري في غزة ظناً منهم أن حماس على وشك أن تلاقي حتفها واستعداداً منهم لوراثتها، أنهى الدور المرتقب للسلطة وباتت لا تملك شيئاً تفاوض به مع الزوار والمتصلين. لم تتعلم السلطة من تجربة الأيام الأولى للعدوان وعندما حاولت تحسين سلوكها تعاملت مع العدوان الاسرائيلي على غزة وكأنه اعصار كاترينا او تسونامي او حريق كبير فكثر استعمال صيغ المجهول؛ "قتل نساء وأطفال" دمرت منازل ومدارس ومساجد دون تحديد الفاعل ولا حتى نائب الفاعل! حتى زاحت نفسها الى هامش النزاع.

4 - تراجع الاعتدال العربي لمصلحة القوى الاسلامية غير العربية (تركيا، ايران).

لم تستطع الدول المسماه "بالاعتدال العربي" تقديم ما يلزم لدعم الشعب الفلسطيني ومقاومته وبدا واضحاً من سلوكها الدبلوماسي والاعلامي والإجرائي أنها تعيش مرحلة انتظار وفاة حماس. أما ان حماس بقيت حية وصامدة، حاول بعضها تقديم نفسه على أنه المدافع عن الشعب الفلسطيني وحصل تخبط دبلوماسي كبير أظهر زيف النوايا لدى "الاعتدال العربي".

في البدء كان انتظار ثم مبادرة مصرية أثناء محاولة تسويقها من قبل الدبلوماسية المصرية إذ بالدبلوماسية السعودية تطرح قرار مجلس الأمن 1860 انجازاً لإنهاء العدوان. وبعد فشل القرار

 

 والمبادرة كثر الحديث عن المساعدات الانسانية وعدد أطنان ا لمساعدات التي دخلت عبر معبر رفح او الأحد عشر جريحاً الذين وزعوا على ست مستشفيات في المملكة العربية السعودية. وفيما كان الحديث عن مراقبة المعابر تجاهلت اسرائيل والولايات المتحدة الاعتدال ووقعتا اتفاقاً لمنع التهريب يمس بالسيادة المصرية.

إستطاعت مصر نظراً لميزتها الجغرافية واتصالها الوحيد بغزة ان توفر المقر اللازم لوساطة بين اسرائيل والفلسطينيين الممثلين بحركات المقاومة. فيما غاب أي دور للأردن الذي كان يمكن أن يتصدر المبادرات لو تم القضاء على حماس وعادت سلطة عباس الى غزة.

في المقابل الاقليمي لا تخفي ايران سراً عندما تعلن باستمرار دعمها للمقاومة في لبنان وفي فلسطين هذا الدعم الذي نظر اليه الاعتدا ل بشيء من الهزء في السابق وتحول الى نظرية "مؤامرة ايرانية" لتغطية فشل "الاعتدال". أما تركيا فلا شك انها دخلت كلاعب كبير الى الحلبة الشرق اوسطية وذلك بتأييدها ودعمها للمقاومة في غزة وحيازتها على ثقتها. ولأن تركيا دولة بأكثرية سنية دق ناقوس الوطنية في شعوب معسكر الاعتدال السني ولم يعد قتال اسرائيل ومواجهتها بضاعة شيعية بل هو نهج مقاوم عربي ومسلم وهذا من استنهض شعوب تركيا وايران.

5- فشل ذريع للأحزاب السياسية العربية وللتنظيمات الشعبية العربية الاسلامية.

رغم كل ما نشر وقيل عن تحركات شعبية في انندونيسيا والباكستان والأردن وسوريا ومصر والمغرب، تونس وموريتانيا إضافة الى باريس ولندن وبروكسيل وروما وواشنطن فإن هذه التحركات لم ترق الى مستوى فاعل ومؤثر ربما لسبب ضعف بنية الأحزاب المنظمة وغموض الأهداف لديها والارتباك في الرؤية السياسية. ان كل التحركات التي أظهرت شعبية المقاومة في العالم بقيت في اطار ردود الفعل ولم تكن فعلاً لعمل جبهوي منظم. والسؤال الموجه لمن نظم هذه التظاهرات والفعاليات الشعبية، ماذا بعد هذه التحركات؟ أين الاستثمار السياسي وأين البنى التنظيمية اللازمة لتأطير القوى؟

لم يخطىء من قال ان الاحتجاجات على الرسوم الكاريكاتورية كانت أقوى وأشد من الاحتجاجات على العدوان على غزة، إن قضية الرسوم محقة وتتطلب احتجاجاً لكن عدوان غزة هو رسوم يومية بالدم والنار على المسلمين والعرب في غزة وكان من المفترض أن تحظى بتحرك أكبر وأوسع وأفعل كي تتناسب مع حجم الجريمة الإسرائيلية.

6- عدم إفادة "محور الممانعة" من نتائج الحرب ظهور القوة المفاجئة لنخب الاعتدال.

ربما من المبكر أن نتحدث عن استغلال لنجاح المقاومة في انتصارها في غزة على الصعيد العربي والاسلامي لكن لا يبدو أن محور الممانعة المعروف بايران وسوريا وحزب الله وحماس قد أفاد من هذه الحرب بل هو مازال في مرحلة الدفاع عن النفس ولم ينطلق الى الهجوم خصوصاً مع مصالحات كسر الجليد التي جرت في الكويت: إن عدم الافادة يعود الى أن محور الاعتدال أثبت أنه محور منظم اعلامياً وسياسياً ومالياً واستطاع رغم تراجع دور دوله وانتقاله الى دول اقليمية أخرى أن يحافظ على مركزه مستخدماً نخباً سياسية وثقافية لها جذور عقائدية لا يستهان بها وتستند الى دعاوى الخطر الايراني والطروحات المذهبية التي تستفز المشاعر كما تستحضر خلافات طائفية ومذهبية منذ مئات السنين لتحلها مكان حالة الوفاق المذهبي التي كانت الحالة الأطول والطبيعية في تاريخ المنطقة.

لقد كان الوفاق حافزاً في التصدي للهجمات التي طاولت أقطار العرب والمسلمين في مختلف المراحل. إن خطورة البعد الثقافي لنخب الاعتدال بالغة وتحتّم على نخب المقاومة والممانعة التصدي لها بجدية. كيف يكون اسلام السلطة متحالفاً مع التيارات السلفية ضد اسلام المقاومة فيما لا نرى أي هجوم معاكس من اسلام المقاومة لرد العدوان الثقافي والسياسي عن المقاومة. بعد غزة لم يعد هناك مجال للتسويات والهدنات الثقافية واذا حصلت فإنها سوف توضع في خانة التراجع وليس التسوية.تجدر الاشارة الى ان ما ذكر عن النخب الثقافية يضم أيضاً الاعلام بوصفه أداة تظهر الأفكار الثقافية لمحور "الاعتدال".

7- استمرار الوهن العربي الاعلامي والثقافي في الغرب. ولهذا حديث طويل وأسباب متعددة معظمها ذاتي بين العرب والمسلمين وبعضها موضوعي من انحياز السلطة ( بمعنى سلطة المجتمع والمثقفين ووسائل الاعلام) الى اسرائيل في معظم الدول الأوروبية وأميركا.

8- إنبثاق أمل من اميركا اللاتينية. انها ثلاث دول كوبا وفنزويلا وبوليفيا وهي مرشحة لأن تتوسع. وقفت ضد العدوان الاسرائيلي على غزة ودعمت الشعب الفلسطيني وناصرت حقوق الانسان والحريات وأدانت العدوانية الاسرائيلية. وقطعت العلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل. لقد وقفت هذه الدول وقفة ضمير انساني حي يفرض احترامه وتقديره علينا.

كيف نستغل اولئك الأصدقاء البعيدين وكيف نحافظ عليهم. لم نعثر على رؤية لدى دولة أو حزب او نخب ثقافية لذلك، لكن اللهم نجنا من اجراءات مثل تلك التي قام بها المغرب عندما تذكر فجأة موقف فنزويلا من قضية الصحراء وقطع العلاقات الدبلوماسية معها بعد ان قطعت علاقاتها مع اسرائيل.

 

 

الياس سالم